سبّ الصحابة ﵃
تمهيد:
إن للصحابة ﵃ من المكانة والمنزلة ما يجعل المرء عاجزًا عن وصفهم وبيان حالهم، فضلًا عن أن يمسهم بسوء أو يتعدى على أعراضهم الطاهرة الشريفة، وقد نص الأئمة على فضلهم ومنزلتهم ومكانتهم ووجوب احترامهم وعدم التعرض لهم بسوء.
قال الإمام الحميدي: إن من السنة الترحم عليهم كلهم: فإن الله ﷿ قال: [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا] فلم نؤمر إلا بالاستغفار لهم، فمن سبهم أو تنقصهم أو أحدًا منهم فليس على السنة، وليس له في الفيء حق، أخبرنا بذلك غير واحد عن مالك بن أنس (١).
وقال الإمام ابن بطة: ويشهد لجميع المهاجرين والأنصار بالجنة والرضوان والرحمة من الله تعالى ويستقر علمك، وتؤمن بقلبك، أن رجلًا رأى النبي ﷺ وشاهده وآمن به واتبعه، ولو ساعة من نَهار أفضل ممن لم يره، ولم يشاهده ولو أتى بأعمال الجنة أجمعين. ثم الترحم على جميع أصحاب الرسول ﷺ صغيرهم وكبيرهم وأولهم وآخرهم، وذكر محاسنهم، ونشر
_________________
(١) الحميدي: أصول السنة: ٢/ ٥٤٦، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان ٤٠٦
[ ١٣٠ ]
فضائلهم، والاقتداء بِهديهم، والاقتفاء لآثارهم (١).
وقال الإمام ابن الصلاح: للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي: أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل أمر مفروغ منه، لكونِهم على الإطلاق معدلين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة (٢).
وقال الإمام ابن كثير: والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله تعالى عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ، رغبة فيما عند الله تعالى من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل (٣).
قلت: وقد عقد الأئمة في مصنفاتِهم أبوابًا وفصولًا في بيان جرم سبّ الصحابة ﵃، والتعرض لهم بسوء، وجاءت الأحاديث والآثار - كما مرّ - حافظة لأعراضهم رافعة لأقدارهم.
قال النبي ﷺ (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).
وقال ﵊: (اللهَ الله في أصحابي ).
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: (من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله
_________________
(١) ابن بطة: الإبانة الصغرى: ٢٦٣ آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان ٤٠٦
(٢) العراقي: التقييد والإيضاح: ٢٨٦
(٣) ابن كثير: الباعث الحثيث: ١٧٢
[ ١٣١ ]
والملائكة والناس أجمعين) (١).
وعن جابر قال: قيل لعائشة ﵂: إن ناسًا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله تعالى أن لا يقطع عنهم الأجر.
وروى ابن بطة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فلمقام أحدهم ساعة، يعني مع النبي ﷺ خير من عمل أحدكم أربعين سنة (٢).
وقال ابن عباس أيضًا: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فإن الله ﷿ قد أمر بالاستغفار لهم، وهو يعلم أنّهم سيقتتلون.
وقال عبد الله بن عمر: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن مقام أحدهم خير من عمل أحدكم عمره كله.
وعن ميمون بن مهران قال: قال لي عبد الله بن عباس: يا ميمون لا تسب السلف وادخل الجنة بسلام (٣).
وسئل الإمام أبو حنيفة: من أي الأصناف أنت؟ قال: ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدًا بالذنوب.
_________________
(١) انظر الذهبي: الكبائر: ١٨٩، اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٣٢٠
(٢) انظر: ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: ٤٦٩
(٣) انظر اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٧١٣١٩ - ١٣٢٣ - ١٣٢٥
[ ١٣٢ ]
وكان يقول: مقام أحدهم مع رسول الله ﷺ ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال (١).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما لهم ولنا - أسأل الله العافية - وقال: إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتّهمه على الإسلام (٢).
فهذه الأحاديث والآثار وغيرها، تدل على حرمة أعراض الصحابة، ووجوب حفظها، والاعتراف بمكانتهم العظيمة ومنزلتهم الجليلة.
ومن هنا نخلص إلى حكم سبهم وتنقصهم، لكن ينبغي أن يفرق في هذا المقام في حكم السبّ بحسب الأشخاص، ونوع القدح:
فقد يكون السب على جهة العموم، وقد يكون على جهة الخصوص، وقد يكون السب قذفًا وقدحًا، يوجب القول به سقوط عدالة الصحابة، وقد يكون سبا وقدحًا لا يوجب قدحًا في دينهم ولا سقوطًا لعدالتهم، وقد يكون السب له تعلق بالاعتقاد، وقد يكون منشأه الغيظ، وإن كان أصل السب هو الغيظ والحنق على المسبوب، ولذا فيفصل القول في حكم سبهم ونتقصهم حسب المباحث التالية:
_________________
(١) الخميس: أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة: ٤٥١ - ٥٥٣
(٢) اللالكائي: مرجع سابق: ٧/ ١٣٢٦
[ ١٣٣ ]