حكم سب أمهات المؤمنين ﵅ أجمعين
ينقسم حكم سب أمهات المؤمنين إلى قسمين:
١. حكم سبّ أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها.
٢. حكم سبّ بقية أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن.
١ - حكم سب أم المؤمنين عائشة ﵂:
تمهيد:
عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵃ معلوم فضلها ومكانتها ومنزلتها عند رسول الله صلي الله عليه وسلم وعند عامة المسلمين، يكفيها شرفًا وفضلًا أن جبرائيل ﵇ جاء إليها يقرئها السلام (١).
وأن النبي صلي الله عليه وسلم قال في شأنِها: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂ (٣٧٦٨)
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂ (٣٧٦٩)
[ ١٣٤ ]
وقال عمار بن ياسر ﵁: إني لأعلم أنّها زوجته في الدنيا والآخرة (١).
وقال أسيد بن حضير ﵁: جزاكِ الله خيرًا، فو الله ما نزل بكِ أمر قط إلا جعل الله لكِ منه مخرجًا وجعل فيه للمسلمين بركة (٢).
فهي ﵂ وعاء من أوعية العلم والفقه والديانة والزهد والورع والتقى، الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله صلي الله عليه وسلم، المبرأة من فوق سبع سموات.
حكم سب الصديقة بنت الصديق ﵄:
فصّل فيه العلماء على النحو التالي: " على وجه العموم ":
١ - أنّها من جملة الصحابة ﵃ الذين نُهي عن سبهم وتنقصهم والحط من قدرهم.
قال الإمام النووي: اعلم أن سبّ الصحابة من فواحش المحرمات، سواء من لابس الفتنة منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، وسب أحدهم من المعاصي الكبائر (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂ (٣٧٧٢)
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب فضل عائشة ﵂ (٣٧٧٣)
(٣) النووي: شرح صحيح مسلم: ١٦/ ٣٢٦
[ ١٣٥ ]
وقال الإمام القاضي عياض: سبّ آل النبي صلي الله عليه وسلم وأزواجه وأصحابه ونتقصهم حرام ملعون فاعله (١)
وقال الإمام الذهبي: فمن طعن فيهم أو سبهم، فقد خرج من الدين ومرق من ملة المسلمين، لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساوئهم وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالى في كتابه من الثناء عليهم، وما لرسول الله صلي الله عليه وسلم من ثنائه عليهم، وفضائلهم ومناقبهم وحبهم ولأنّهم أرضى الوسائل من المأثور، والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، وهذا ظاهر لمن تدبره، وسلم من النفاق والزندقة والإلحاد في عقيدته، وحسبك ما جاء في الأخبار والآثار، ومن ذلك كقول النبي صلي الله عليه وسلم (إن الله اختارني واختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارًا وأصهارًا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا) (٢).
وقال الإمام الآجري: لقد خاب وخسر من أصبح وأمسى وفي قلبه بغض لعائشة أو لأحد من أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم، أو لأحد من أهل بيت الرسول صلي الله عليه وسلم، فرضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم (٣).
_________________
(١) الحطاب: مواهب الجليل مع حاشية المواق ٨/ ٣٨٦
(٢) الذهبي: الكبائر: ١٨٩
(٣) الآجري: الشريعة: ٥/ ٢٤٢٨، الهلالي: سليم: حديث الإفك: غراس للنشر والتوزيع ط ١/ ١٤٢٦هـ (٧٥).
[ ١٣٦ ]
٢ - على وجه الخصوص:
أن سب أم المؤمنين عائشة ﵂ على قسمين:
الأول: أن يقذفها بما برأها الله تعالى منه، على ما جرت أحداث قصتها في غزوة المريسيع.
الحكم: نص العلماء على أن من قذفها بذلك فإنه:
أيكفر بالاتفاق.
ب يجب قتله.
أ: أما كفر قاذفها - بما برأها الله منه - فنصوص العلماء متوافرة متضافرة، في ذلك ومنها:
قال الإمام ابن العربي: قال هشام بن عمار: سمعت مالكًا يقول: من سبّ أبا بكر وعمر أدب، ومن سبّ عائشة قتل، لأن الله تعالى يقول: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا) فمن سب عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قُتل.
قال ابن العربي: إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله تعالى، فكل من سبها بما برأها الله تعالى منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر، فهذا هو طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر (١).
_________________
(١) ابن العربي: أحكام القرآن: ٣/ ٣٦٦، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٢١٢/ ١٨٤
[ ١٣٧ ]
وقال الإمام ابن حزم: قول مالك ههنا صحيح، وهي ردة تامة، وتكذيب لله تعالى، في قطعه ببراءتِها (١).
وقال الإمام ابن بطال: من سب عائشة ﵂، بما برأها الله تعالى منه، أنه يقتل لتكذيبه الله تعالى ورسوله صلي الله عليه وسلم (٢).
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع، وذكر عن جماعة حكاية الإجماع على هذا الحكم،
فنقل عن القاضي أبي يعلى قوله " من قذف عائشة بما برأها الله منه، كفر بلا خلاف " (٣).
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذكر غير واحد من العلماء اتفاق الناس على أن من قذفها بما برأها الله منه، فقد كفر، لأنه مكذب للقرآن (٤).
وقال الإمام ابن قدامة: ومن السنة الترضي عن أزواج النبي صلي الله عليه وسلم أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي صلي الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فمن قذفها - بما برأها الله منه - فقد كفر بالله العظيم (٥).
_________________
(١) ابن حزم: المحلى: ١٣/ ٢٣٨
(٢) العيني: عمدة القارئ: ٩/ ٥٣٠
(٣) ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول: ٣/ ١٠٥٠، الهلالي: حديث الإفك: ٩١
(٤) ابن تيمية: الرد على البكري: ٣٤٠، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: ٤٤
(٥) ابن قدامة: لمعة الاعتقاد: ١٥٢
[ ١٣٨ ]
وقال الإمام النووي: براءة عائشة ﵂ من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله - صار كافرًا مرتدًا بإجماع المسلمين.
قال ابن عباس: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -
وهذا إكرام من الله تعالى لهم (١).
وقال الإمام ابن القيم: واتفقت الأمة على كفر قاذفها (٢).
وقال الإمام ابن كثير: وقد أجمع العلماء قاطبة:
على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية، فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن (٣).
وقال العلامة بحرق الحضرمي: إن من يشكك في براءة عائشة، كافر بالإجماع (٤).
وقال العلامة العيني: وفيه براءة عائشة من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن، فلو شكك فيها إنسان صار كافرًا مرتدا بإجماع المسلمين.
_________________
(١) النووي: شرح صحيح مسلم: ١٧/ ١٢٢
(٢) ابن القيم: زاد المعاد: ١/ ١٠٦
(٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢٨٧
(٤) بحرق: حدائق الأنوار: ٣٠٥
[ ١٣٩ ]
وقال الإمام الزركشي: من قذفها فقد كفر، لتصريح القرآن الكريم براءتها.
وقال الإمام السيوطي: قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْك]: نزلت في براءة عائشة مما قذفت به، فاستدل الفقهاء على أن قاذفها يقتل، لتكذيبه لنص القرآن.
قال العلماء: قذف عائشة كفر، لأن الله سبح نفسه عند ذكره، فقال (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد (١).
وقد نص فقهاء الإسلام على مرّ العصور على هذا الحكم، وعليه الفتوى والعمل عند أئمة المذاهب وأتباعهم:
١ - عند فقهاء الحنفية: قد نصوا على أن من قذف أم المؤمنين عائشة ﵂ بالزنا فإنه يكفر.
قال الإمام ابن نجيم: ويكفر بقذفه عائشة (٢).
وقال الإمام ابن عابدين: لا شك في تكفير من قذف السيدة عائشة (٣).
_________________
(١) الزركشي: الإجابة: لا يراد ما استدركته عائشة على الصحابة: ٤٥، الهلالي: حديث الإفك: ٩٢، السيوطي: الإكليل: ٣/ ١٠١٢، وانظر، العمري: السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٤١٥
(٢) ابن نجيم: البحر الرائق: ٥/ ١٩٦
(٣) ابن عابدين: حاشية ابن عابدين: ٦/ ٣٧٨، وانظر: الفتاوى الهندية: ٢/ ٢٦
[ ١٤٠ ]
وقال إمام المذهب: ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي (١).
٢ - ونص فقهاء المالكية على ذات الحكم:
قال الإمام القرطبي: ما خلا عائشة فإن قاذفها يُقتل، لأنه مكذب للكتاب والسنة من براءتِها، قاله مالك وغيره.
وفي الإكمال: وأما اليوم فمن قال ذلك في عائشة قتل لتكذيب القرآن، وكفره بذلك (٢).
وقال العلامة الخرشي: يؤدب ويشدد على من سب صحابيًا، وهذا ليس على عمومه، فإن من رمى جميع عائشة بما برأها الله منه بأن قال: زنت، أو أنكر صحبة أبي بكر أو إسلام العشرة، أو إسلام جميع الصحابة أو كفر الأربعة أو واحدًا منهم كفر (٣).
وقال العلامة الدسوقي: من سب صحابيا إلا عائشة فإنه يقتل لردته. وقال: وعائشة لو قذفها فإنه يقتل لردته لتكذيب القرآن (٤).
والمنصوص عن إمام المذهب أنه قال: من سب عائشة قتل، قيل له:
_________________
(١) الخميس: أصول الدين عند أبي حنيفة: ٥٣٣
(٢) انظر: الحطاب: مواهب الجليل ٨/ ٣٨٠
(٣) الخرشي: حاشية الخرشي: ٨/ ١٧٤
(٤) الدسوقي: حاشية الدسوقي: ٤/ ٤٦٩
[ ١٤١ ]
لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن (١).
٣ - وكذا نصوص أئمة المذهب الشافعي مستفيضة في ثبوت حكم الردة والقتل، فيمن اتّهم أم المؤمنون عائشة ﵂ ورماها بما برأها الله منه.
قال الإمام الرملي: ومن أنكر صحبة أبي بكر، أو رمى ابنته، بما برأها الله منه، كفر (٢).
وقال الإمام السبكي: وأما الوقيعة في عائشة - والعياذ بالله - فموجبة للقتل لأمرين:
أحدهما: أن القرآن الكريم يشهد ببراءتِها، فتكذيبه كفر، والوقيعة فيها، تكذيب له.
الثاني: أنّها فراش النبي ﷺ، والوقيعة فيها تنقيص له، وتنقيصه كفر (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: ومن فوائد الحديث: تحريم الشك في براءة عائشة ﵂ (٤).
وقال العلامة البكري: يكفر من قذف عائشة؛ لأن القرآن نزل
_________________
(١) آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: ٤٢٣، الفضيلات: جبر: دكتور: أحكام الردة والمرتدين: الدار العربية: ١٩٨٧م (٢٢٦)
(٢) الرملي: نهاية المحتاج: ٧/ ٤١٦، الشربيني: مغني المحتاج: ٤/ ١٦٨
(٣) السبكي: فتاوى السبكي: ٢/ ٥٩٢، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان ٤٢٣
(٤) ابن حجر: فتح الباري: ٨/ ٣٣٩
[ ١٤٢ ]
ببراءتها، ففي قذفها - حماها الله - تكذيب للقرآن (١).
وقال إمام المذهب: هم فوقنا في كل علم، وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال من علم، أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا (٢).
٤ - ونصوص أئمة الحنابلة كثيرة متضافرة في الباب:
قال الإمام الحجاوي: ومن قذف عائشة - بما برأها الله منه - كفر بلا خلاف (٣).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: من قذف عائشة بالفاحشة، فقد جاء بكذب ظاهر، واكتسب الإثم واستحق العذاب، وظن بالمؤمنين سوءا، وهو كاذب، وأتى بأمر ظنه هينًا، وهو عند الله عظيم، وأتهم أهل بيت النبوة بالسوء، ومن هذا الاتّهام يلزم نقص النبي ﷺ (٤).
وأما إمام المذهب فالمشهور عنه قوله: إذا رأيت أحدًا يذكر أصحاب رسول الله ﷺ بسوء فاتّهمه على الإسلام. ولذا قال الإمام الذهبي: وإياك
يا رافضي أن تلوّح بقذف أم المؤمنين بعد نزول النص في براءتِها فتجب
_________________
(١) البكري: حاشية البكري: ٤/ ٢١٠، القليوبي: حاشية القليوبي: ٤/ ٢٦٨
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ١٥٧
(٣) الحجاوي: الإقناع: ٢/ ٢٨٩، المرداوي: الإنصاف: ١٠/ ٢٨٢، البهوتي: كشاف القناع: ٦/ ١٧٠، ابن مفلح: المبدع: ٧/ ٤٧٨، ابن عثيمين: الشرح الممتع: ١٤/ ٤٣٧
(٤) محمد بن عبد الوهاب: الرد على الرافضة: ٢٤، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: ٤٢٤
[ ١٤٣ ]
لك النار (١).
هذا مجمل الحكم فيمن اتهم أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، بما برأها الله منه.
ويجدر بنا أن ننقل في هذا الموضع كلام الإمام ابن العربي فيما ذكره عن جماعة من الشافعية فقال: قال أصحاب الشافعي: من سب عائشة أدّب، كما في سائر المؤمنين، وليس قوله (إن كنتم مؤمنين) في عائشة، لأن ذلك كفر، وإنما هو كما قال: (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) ولو كان سلب الإيمان في سب عائشة حقيقة لكان سلبه في قوله (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) حقيقة.
قلنا - ابن العربي -: ليس كما زعمتم، إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر، فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر، ولو أن رجلًا سبها بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب (٢).
قلت: المشهور عن أصحاب الإمام الشافعي - ما نقلته عن بعضهم - هو تكفيرهم من طعن في أم المؤمنين عائشة بما برأها الله منه.
وسبق الحكم: في أن من رمى أم المؤمنين عائشة وقذفها - بما برأها الله
_________________
(١) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٣٢٦، الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٣/ ٧٨
(٢) ابن العربي: أحكام القرآن: ٣/ ٣٦٦
[ ١٤٤ ]
منه، أنه يكفر بالاتفاق، ويقتل، لكن نفى الإمام ابن القطان علمه أن أحدًا أوجب قتل من سب بعد رسول الله ﷺ فقال: ولا أعلم أحدًا يوجب قتل من سب بعد رسول الله ﷺ (١).
وذكر قريبًا من هذا الكلام الإمام ابن حزم فذكر عن أبي برزة قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق قلت: ألا أقتله؟ فقال أبو بكر: ليس هذا إلا لمن شتم النبي ﷺ. قال ابن حزم: وقد علمنا أن دم المسلمين حرام إلا بما أباحه الله تعالى به، ولم يبحه الله تعالى قط إلا في الكفر بعد الإيمان، أو زنى المحصن أو قود نفس مؤمنة، أو في المحاربة، وقطع الطريق، أو في المدافعة عن الظلمة أو في الممانعة من حق، أو فيمن حد في الخمر ثلاث مرات ثم شربها الرابعة فقط، وقد علمنا أن من سب النبي ﷺ، فيقين ندري أنه لم يزن، ولا شرب الخمر ولا قصد ظلم مسلم، ولا قطع طريقًا، فلم يبق إلا أنه عند أبي بكر كافر (٢).
قلت: قد نص العلماء على أن من قذف عائشة ﵂ فإنه مع كفره، فهو مستحق للقتل لكونه مكذبًا لله تعالى ورسوله ﷺ، وسبق قول الإمام مالك: أن من سب عائشة ﵂ يقتل مطلقًا، وحمله أصحابه على السب بالقذف.
وقد سئل الإمام إسماعيل بن إسحاق عمن سب عائشة رضي الله
_________________
(١) ابن القطان: الإقناع في مسائل الإجماع: ٢/ ٣٥٣
(٢) ابن حزم: المحلى: ١٣/ ٢٣٥
[ ١٤٥ ]
عنها فأفتى بقتله.
وقتل الحسن ومحمد ابنا زيد الداعي الطبرستاني اللذان وليا ديار طبرستان، رجلين مما قذفا عائشة ﵂ (١).
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق: أتى المأمون بالرقة برجلين: شتم أحدهما فاطمة، والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة وترك الآخر: فقال إسماعيل: ما حكمها إلا أن يقتلا، لأن الذي شتم عائشة رد القرآن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم (٢).
وقال أبو السائب عتبة بن عبد الله الهمداني: كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام، تفرق على صغائر ولد الصحابة، وكان بحضرته رجل، ذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي ﷺ، قال الله تعالى [الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ] فإن كانت عائشة خبيثة
_________________
(١) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٣٣٨
(٢) اللالكائي: مرجع سابق: ٧/ ١٣٤٣، ابن تيمية: الصارم المسلول: ٣/ ١٠٥٠، الهلالي: حديث الإفك: (٩٣)
[ ١٤٦ ]
فالنبي ﷺ خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وأنا حاضر.
وروي عن محمد بن زيد - أخي الحسن بن زيد - أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء، فقام إليه بعمود فضرب به دماغه، فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا ومن بني الأباء، فقال: هذا سمي جدي قرنان أي الديوث لا غيرة له - ومن سمي جدي قرنان، استحق القتل، فقتله (١).
الثاني: أن يسب أم المؤمنين عائشة ﵂ بغير ما برأها الله منه، مما لا يقدح في عدالتها ولا دينها.
حكمه: من جنى هذه الجناية العظيمة، استحق التأديب والتعزير، ولكنه لا يكفر.
فقد سئل الإمام أحمد عمن شتم رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فقال: أرى أن يضرب وما أراه إلا على الإسلام.
وقال الإمام العربي: ولو أن رجلًا سب عائشة بغير ما برأها الله منه، لكان جزاؤه الأدب (٢).
وقال الإمام القرطبي: ومن سب الصحابة بغير القذف، يجلد الجلد الموجع، وينكل التنكيل الشديد، وقال الإمام ابن حبيب: ويخلد في السجن
_________________
(١) اللالكائي: مرجع سابق: ٧/ ١٣٤٥، ١٢٧٠، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: ٤٣٢
(٢) الحجاوي: الإقناع: ٤/ ٢٧٨، ابن العربي: أحكام القرآن: ٣/ ٣٦٦
[ ١٤٧ ]
إلى أن يموت (١).
وقد أخرج الإمام اللالكائي بسنده عن عائشة: أنّها ذكرت عند رجل فسبها، فقيل: أتسب أمك؟ فقال: ما هي أمي. فبلغها، فقالت: صدق أنا أم المؤمنين، وأما الكافرين فلست لهم بأم.
وعنها قالت: لا ينتقصني أحد في الدنيا إلا تبرأت منه في الآخرة (٢).
وقال الإمام الآجري: وبلغني عن بعض الفقهاء من المتقدمين: أنه سئل عن رجلين حلفا بالطلاق، أحدهما: أن عائشة أمه، وحلف الآخر: أنها ليست أمه؟ فقال: إن كلاهما لم يحنث، فقيل له: كيف هذا؟ لا بد أن يحنث أحدهما، فقال: إن الذي حلف أنّها أمه هو مؤمن لم يحنث، والذي حلف أنّها ليست أمه، هو منافق لم يحنث.
وذكر الإمام ضياء الدين المقدسي: أن رجلًا نال من عائشة، فقام عمار بن ياسر يتخطى الناس فقال: اجلس مقبوحًا منبوحًا، أنت الذي تقع في حبيبة رسول الله، فوالله إنّها لزوجته في الدنيا والآخرة (٣).
فرضي الله تعالى عن الصديقة بنت الصديق، المبرأة من فوق سبع سماوات، فإنها لما اشتكت - أي ضعفت - جاء ابن عباس فقال: يا أم
_________________
(١) انظر: الحطاب: مواهب الجليل: ٨/ ٣٨٠
(٢) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٥٢٣، الآجري: الشريعة: ٥/ ٣٩٣٢
(٣) الآجري: الشريعة: ٥/ ٢٣٩٣، الهلالي: حديث الإفك: ٨٧، المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: ١٨
[ ١٤٨ ]
المؤمنين، تقدمين على فرط صدق، على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر (١).
قال الإمام العيني: إن ابن عباس قطع لعائشة ﵂، بدخول الجنة، إذ لا يقال ذلك إلا بتوقيف، وهذه فضيلة عظيمة، وقال، وحاصل المعنى: أن النبي ﷺ وأبا بكر قد سبقاك وأنت تلحقينهما، وهما قد هيئا لك المنزل في الجنة، فلا تحملي الهم، وأفرحي بذلك (٢) وكان مسروق إذا حدث عنها قال: حدثتني الصادقة بنت الصادق البرة المبرأة، بكذا وكذا .. (٣).
وقد سأل بعض الأساقفة الإمام محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم؟ وما كان من أمرها بما رميت به من الإفك؟ فقال الباقلاني: مجيبًا على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء: مريم وعائشة، فبرأهما الله ﷿، وكانت عائشة ذات زوج، ولم تأت بولد، وأتت مريم بولد ولم يكن لها زوج - يعني أن عائشة أولى بالبراءة من مريم - وكلاهما بريئة مما قيل فيها، فإن تطرق في الذهن الفاسد احتمال ربية إلى هذه فهو إلى تلك أسرع، وهما بحمد الله منزّهتان مبرأتان من السماء بوحي الله ﷿ (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، في باب فضل عائشة ﵂ (٣٧٧١)
(٢) العيني: عمدة القارئ: ١١/ ٤٩١
(٣) الفاكهاني: رياض الأفهام: ١/ ٥١
(٤) ابن كثير: البداية والنهاية: ١١/ ٣٧٦
[ ١٤٩ ]
٢ - حكم سب بقية أمهات المؤمنين:
زوجات النبي الأكرم ﵊، الطاهرات المطهرات أمهات المؤمنين وهن:
﴿خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية - سودة بنت زمعة القرشية - عائشة بنت أبي بكر الصديق - حفصة بنت عمر بن الخطاب - زينب بنت خزيمة بن الحارث القيسية - أم سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية - زينب بنت جحش الأسدية - جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشية - صفية بنت حيي بن أخطب - ميمونة بنت الحارث الهلالية﴾
قال الإمام ابن القيم: فهؤلاء نساؤه المعروفات اللاتي دخل بِهنّ (١).
اختلف العلماء فيمن قذف إحدى أمهات المؤمنين - غير عائشة - هل هو كقذف عائشة؟ أو كسب واحد من الصحابة، على قولين:
القول الأول: أن قذف إحدى أمهات المؤمنين هو كقذف عائشة ﵅ أجمعين. وهو قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح من مذهب الحنابلة ورواية للمالكية، ورجحه جماعة من المحققين من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن كثير، وابن حزم الظاهري، والسبكي،
_________________
(١) ابن القيم: زاد المعاد: ١/ ١٠٥ - ١١٣
[ ١٥٠ ]
والمهلب، وجماعة غيرهم (١).
واحتجوا بما يلي:
- قال الله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] النور ٢٣. قالوا: هذه الآية تشمل أمهات المؤمنين.
قال ابن عباس ﵄، والضحاك وغيرهما: هذه الآية في عائشة وسائر أزواج النبي ﷺ ولا تنفع التوبة ومن قذف غيرهن من المحصنات فقد جعل الله له التوبة، لأن الله تعالى يقول: [وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ] النور ٣. فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة (٢)
قال الإمام ابن كثير: هذا وعيد للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، خرج مخرج الغالب، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة.
_________________
(١) ابن تيمية: الصارم المسلول: ٥٦٧، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢٨٧، النووي: شرح صحيح مسلم: ١٦/ ٣٢٦، ابن حجر: فتح الباري: ٤/ ٤٤، الحطاب: مواهب الجليل: ٨/ ٣٨٠، الحجاوي: الإقناع: ٤/ ٢٨٩، العيني: عمدة القارئ: ٩/ ٥٣٠، ابن حزم: المحلى: ١٣/ ٢٣٨، ابن عثيمين: الشرح الممتع: ١٤/ ٤٣٧، الفضيلات: أحكام الردة: ٢٢٧، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان ٤٢٤
(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٢/ ١٨٨
[ ١٥١ ]
ثم قال: وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما: أنّهن كهي (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأصح أن من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة لأن هذا منه عار وغضاضة على رسول الله ﷺ، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن (٢).
فالرسول ﷺ واجب الاحترام حيًا وميتًا، بل جرم من تنقصه بعد موته أعظم من جرم من تنقصه في حياته، إذ يمكن في حياته العفو عمن فرط منه ذلك، وأما بعد وفاته، فالعفو متعذر، ولا ريب أن أذاه بقذف نساءه الطاهرات أعظم من أذاه بنكاحهن بعده (٣).
- وقال الله تعالى [وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ] النور٢٦. قال الإمام ابن حزم: وكذلك القول في سائر أمهات المؤمنين ولا فرق، فكلهن مبراءات من قول إفك.
- أن في سب إحدى أمهات المؤمنين، قدح في النبي ﷺ، لاسيما فيما يعود على دنس الفراش وفساد الأخلاق، فإن هذا من أكبر الجرائم على رسول الله ﷺ.
القول الثاني: أن قذف إحدى أمهات المؤمنين لا يوجب الكفر ولا القتل، وإنما يستحق صاحبه اللعن والحد، وهو قول فقهاء الأحناف
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢٨٧
(٢) ابن تيمية: الصارم المسلول: ٥٦٧
(٣) الحطاب: مواهب الجليل: ٨/ ٣٨١، الفضيلات: أحكام الردة: ٢٢٧
[ ١٥٢ ]
والمالكية ورواية عن أحمد والشافعية.
واحتجوا بما يلي:
- لا يوجد نص في تكفير من قذقهم كما وجد في أم المؤمنين رضي الله عن الجميع.
- وقالوا: يفرق في وقوع ذلك القذف في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، وقالوا: ويتجه أن محل كون قذف إحدى نسائه الطاهرات غير عائشة في حياته خاصة، لتنقيصه ﵊، ولما فيه من الغضاضة والعار ﵊، وهذا مفقود بعد وفاته ﵊.
قال القاضي عياض: سبّ آل النبي ﷺ وأزواجه وأصحابه، وتنقصهم حرام ملعون فاعله، مشهور مذهب مالك في هذا، الاجتهاد والأدب الموجع (١).
وقال الإمام النووي: وسب أحدهم من المعاصي الكبائر، ومذهبنا مذهب الجمهور، أنه يعزر ولا يقتل (٢).
وقال الإمام ابن نجيم: ويكفر بقذفه عائشة من نسائه فقط (٣).
والراجح - والعلم عند الله - القول الأول: وهو أن قذف إحدى أمهات المؤمنين كقذف عائشة:
_________________
(١) المواق: حاشية المواق مع مواهب الجليل: ٨/ ٣٨٥، ٣٨٠
(٢) النووي: شرح مسلم: ١٦/ ٢٣٦، الشوكاني: فتح القدير: ٣/ ١٦٨
(٣) ابن نجيم: البحر الرائق: ٥/ ١٩٦
[ ١٥٣ ]
وذلك أن المقذوفة زوج النبي ﷺ والله جل وعلا إنما غضب لها؛ لأنّها زوج رسول الله ﷺ، فهي وغيرها منهن سواء.
وكما أن جميع أمهات المؤمنين فراش للنبي ﷺ والوقيعة في أعراضهن تنقص ومسبة للنبي ﷺ ومن المعلوم أن سب المصطفى ﵊ كفر وخروج من الملة بالإجماع (١).
وهذا فيما يتعلق بقذفهن، أما ما يتعلق بسبهنّ من غير جنس القذف، الذي لا يوجب الطعن في دينهن وعدالتهن، فالقول فيه كالقول في عائشة رضي الله عن الجميع.
مبحث في سب فاطمة بنت النبي ﷺ:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني) (٢).
قال الإمام العيني: واستدل به البيهقي على أن: من سبها فإنه يكفر (٣).
وقال الحافظ ابن حجر: استدل به السهيلي على أن من سبها فإنه يكفر، وتوجيهه: أنّها تغضب ممن سبها، وقد سوّى بين غضبها وغضبه،
_________________
(١) مراجع سابقة، آل عبد اللطيف: نواقض الإيمان: ٤٢٥، الفضيلات: أحكام الردة: ٢٢٨
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة في باب مناقب فاطمة ﵍ (٣٧٦٧)
(٣) العيني: عدة القارئ: ١١/ ٤٨٩
[ ١٥٤ ]
ومن أغضبه ﷺ يكفر وفي هذا التوجيه نظر لا يخفى (١).
قلت: والصحيح - والعلم عند الله تعالى - دخول فاطمة ﵂ في جملة القول فيمن سبّ بقية الصحابة ﵃ غير أمهات المؤمنين.
جاء في حاشية الدسوقي: ومن قال قبيحا ًلأحد ذريته شدد عليه بالضرب والسجن والقيود ولم يقتل. قيل: وانحصرت ذريته في أولاد فاطمة الزهراء، وأما آل البيت من غيرها مع العلم بِهم، فالظاهر أنه كذلك (٢).
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري: ٧/ ١٣٢
(٢) الدسوقي: حاشية الدسوقي: ٤/ ٤٨٢
[ ١٥٥ ]