تمهيد: الله جل وعلا، هو الولي الناصر، استنصر به الأولون والسابقون، والآخرون واللاحقون والأنبياء والصالحون، فجاء نصره، وأُنجز وعده، وصُدّق عبده، قال عن نبيه نوح ﵇: [فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ] القمر ١٠ - ١٤
[قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ، فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ] المؤمنون ٢٦ - ٢٧
[وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ
_________________
(١) الشوكاني: فتح القدير: ٣/ ١٣١، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢٣٥، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٢/ ٦٥، أبو حيان: البحر المحيط: ٧/ ٥١٤، المنصوري: المقتطف: ٣/ ٤٣٦، الشنقيطي: أضواء البيان: ١٢٣٢
[ ٢٣٦ ]
الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ] يونس ٨٨ - ٨٩، وكان ﷾ معهما الناصر والمؤيد، فقال لهما [لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى] طه ٤٦، وقال سبحانه: [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ] غافر ٥١. فنصرة الله تعالى للمؤمنين سنة جارية، ومنة باقية [ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المؤمنين، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ] الصافات ١٧١ - ١٧٣. [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ] الأنبياء ١٠٥ - ١٠٦. [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] آل عمران ١٢٣. [لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ] التوبة ٢٥ - ٢٦.
ومتى انتهك حق أولياء الله تعالى جاء النصر من عند الله [وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] آل عمران ١٢٦. [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] البقرة ٢١٤. [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا
[ ٢٣٧ ]
وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ] الأنعام ٣٤. [حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ]
يوسف ١١٠.
وهذا النبي الكريم الأكرم ينادي ربه يوم بدر: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك) (١)
فقال سبحانه [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ] الأنفال ٩. فهو سبحانه [نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ] الأنفال ٤٠.
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية: ٣/ ٣٠٨
[ ٢٣٨ ]
المبحث الأول
دفاع الله تعالى عن الصحابة ﵃
أ / الدفاع العام عن الصحابة ﵃:
ما فتئ المنافقون والمغرضون يكيلون التهم، ويسددون سهام الطعن والازدراء، لأشرف الخلق بعد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، الصحابة الكرام العظام ﵃، ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا، وَأَكِيدُ كَيْدًا] الطارق ١٦،١٥. [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] الأنفال ٣٠.
قال المنافقون المغرضون: نافق الصحابة ﵃.
قلنا: لكن الله جل وعلا يقول: [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ] الأحزاب ٢٣.
قال المنافقون المغرضون: بدّل الصحابة ﵃.
قلنا: لكن الله جل وعلا يقول: [وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] الأحزاب ٢٣.
قال المنافقون المغرضون: ارتد الصحابة ﵃.
قلنا: لكن الله جل وعلا يقول: [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]
التوبة ١٠٠.
[ ٢٣٩ ]
قال المنافقون المغرضون: الصحابة أهل دنيا.
قلنا: لكن الله جل وعلا يقول: [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] التوبة ١١١. وقال ﷾ [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ] البقرة ٢٠٧. قال أنس - ﵁ -: نزلت في صهيب ﵁. وقال قتادة: هم المهاجرون والأنصار (١)
قال المنافقون المغرضون: الصحابة في النار.
قلنا: ولكن الله جل وعلا يقول: [إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ] الأنبياء ١٠١،١٠٢. قال النعمان بن بشير ﵁: قرأ على بن أبي طالب ﵁ [إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ] ثم قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم، أو قال: وسعد منهم. وروي عنه أنه قال في الآية: عثمان وأصحابة (٢)
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ٢٥٤، الشوكاني: فتح القدير: ١/ ١٨٦
(٢) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢٠٦، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١١/ ٣٠٢، أبو حيان: البحر المحيط: ٧/ ٤٧٠
[ ٢٤٠ ]
قال المنافقون المغرضون: كذب الصحابة ﵃.
قلنا: ولكن الله جل وعلا يقول: [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] الحجرات ١٥. وقال ﷾ [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] وقال ﷾ [ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] التوبة ١١٩. قال عبد الله بن عمر ﵄ في قوله [اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] قال: مع محمد ﷺ وأصحابه. وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما ﵃ (١)
قال المنافقون المغرضون: الصحابة خاسرون.
قلنا: ولكن الله جل وعلا يقول: [لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ] التوبة ٨٨ - ٨٩.
قال المنافقون المغرضون: الصحابة كفار، غير مؤمنين.
قلنا: ولكن الله جل وعلا يقول: [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا
آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٤١٤
[ ٢٤١ ]
لا يَعْلَمُونَ] البقرة ١٣. قال أهل التفسير: المقصود بالناس: هم أصحاب محمد ﷺ (١) فقد شهد الله لهم بالإيمان، وهم أهله وخاصته.
ب / الدفاع الخاص عن الصحابة ﵃.
١ - دفاع الله ﷾ عن أم المؤمنين عائشة ﵂:
اتهمت الطاهرة العفيفة أم المؤمنين عائشة ﵂ في عرضها الشريف، فجرت أحداث شهر كامل لم ينزل فيها الوحي من السماء، خاض فيها الخائضون، وسرت مقولة المنافقين، فتألم قلب النبي الأمين، وانفطر فؤاد أم المؤمنين، وبعدها نزل كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لكم ..] النور - ٢٩.
قال الإمام ابن كثير: هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن أم المؤمنين عائشة ﵂، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله ﷿ لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه فأنزل الله براءتها صيانة لعرض رسول الله ﷺ (٢)
ومن مجموع آيات البراءة نستخلص بعض أوجه الدفاع من الله
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ٥٢، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٢٥١، أبو حيان: البحر المحيط: ١/ ١١١، الشوكاني: فتح القدير: ١/ ٣٧
(٢) ابن كثير: مرجع سابق: ٣/ ٢٧٩
[ ٢٤٢ ]
﷾ لأم المؤمنين عائشة ﵂:
(١) التشديد على من رمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بما برأها الله منه، فقال سبحانه: [وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ] والمقصود به: رأس المنافقين: عبد الله بن أبي بن سلول، قالته عائشة وابن عباس ﵃.
[وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ]: قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه. وقيل: الذي تولى إثمه [لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ]: على ذلك، وقيل: العذاب العظيم، عذاب يوم القيامة (١)
ومعنى الآية: [إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ]: أي تفشوا، وهذا فيه إشارة إلى عبد الله بن أبي ومن أشبهه [فِي الَّذِينَ آمَنُوا]: أي المحصنين والمحصنات، والمراد بهذا اللفظ العام: عائشة وصفوان ﵄. والفاحشة: هي القول السيئ. [لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا]: بالحد [وَالْآخِرَةِ]: عذاب النار، أي: للمنافقين، وأن الحد للمؤمنين كفارة (٢)
وقال ﷾: [إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] النور ٢٣.
يقول أهل التفسير: الآية وإن كانت عامة في كل محصن إلا أن أولاها
_________________
(١) ابن: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢٨٣، ابن حجر: فتح الباري: ٨/ ٣١٩
(٢) ابن كثير: مرجع سابق: ٣/ ٢٨٥، ابن حجر: مرجع سابق: ٨/ ٣٤٦، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٢/ ١٨٤، أبو حيان: البحر المحيط: ٨/ ٢٣
[ ٢٤٣ ]
بالدخول أمهات المؤمنين، وأولاها منهن عائشة التي كانت سببًا لنزول هذه الآيات.
قالوا: إن كان المراد بهذه الآية، من قذف عائشة ﵂ خاصة، كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين، وإن كان المراد بهم: المؤمنون من القذفة، فالمراد باللعنة: الإبعاد وضرب الحد، وهجر سائر المؤمنين لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة، والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين.
وسئل سعيد بن جبير عمن قذف مؤمنة، هل يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ قال: ذاك لعائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة (١)
وقال ﷾: [الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] النور ٢٦
قال أهل التفسير: ومعنى الآية: لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجل والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيبات من الرجل النساء.
قال ابن عباس: نزلت في عائشة وأهل الإفك (٢)
(٢) أن الله جل وعلا شدد على المؤمنين في التعجل لرميهم أم المؤمنين
_________________
(١) القرطبي: مرجع سابق: ١٢/ ١٨٨، الشوكاني: فتح القدير: ٣/ ١٨٦، المنصوري: المقتطف: ٣/ ٥٠٧
(٢) ابن كثير: مرجع سابق: سابق: ٣/ ٢٨٨
[ ٢٤٤ ]
عائشة، ﵂، فقال: [لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ] النور ١٢. أي: لولا: - وهذه التحضيضية تأكيدًا للتوبيخ والتقريع، ومبالغة في عتابهم، أي: كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد منهم، فهو في أم المؤمنين أبعد، فعائشة أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى.
وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك: أنه دخل عليها فقالت: يا أبا أيوب أسمعت ما قيل؟ فقال: نعم، وذلك الكذب، أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ قالت: لا والله، فقال: عائشة والله أفضل منك، قالت: أم أيوب نعم.
قال ابن الزبير: ذلك معاتبة للمؤمنين، إذ المؤمن لا يفجر بأمه؛ وعائشة أم المؤمنين فكيف بالصديقة بنت الصديق حرم رسول الله ﷺ.
[وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ] أي: قال المؤمنون عند سماع الإفك، هذا إفك ظاهر مكشوف، فيقولون بألسنتهم أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، والصفقة الخاسرة (١) ثم قال المولى ﷾ في حق الخائضين: [لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ] وهذا توبيخ لأهل الإفك،
_________________
(١) ابن كثير: مرجع سابق: ٣/ ٢٨٤، القرطبي: مرجع سابق: ١٢/ ١٨١، أبو حيان: مرجع سابق: ٨/ ٢١، الشوكاني: مرجع سابق: ٣/ ١٨٢، المنصوري: مرجع سابق: ٣/ ١٠٥
[ ٢٤٥ ]
أي: هلاّ جاءوا بأربعة شهداء على ما زعموا من الافتراء. [فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ]: أي في حكم الله كاذبون فاجرون، قال الإمام أبو حيان: جعل الله فصلًا بين الرمي الكاذب والرمي الصادق ثبوت أربعة شهداء وانتفاؤها. [فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا]: فهم في حكم الله وشريعته كاذبون، وهذا توبيخ وتعنيف للذين سمعوا الإفك، ولم يجدوا في دفعه وإنكاره، واحتجاج عليهم بما هو ظاهر مكشوف في الشرع من وجوب تكذيب القاذف بغير بيّنة والتنكيل (١)
وكذا فإن استحقاق العذاب الأليم قد تعلق بآثام حادثة الإفك: تلقي الإفك بألسنتهم، والتحدث به من غير تحقق، واستصغارهم لذلك وهو عند الله عظيم، ولكن ما سبق من فضل الله عليهم ورحمته في الدنيا والآخرة، بأن قبل توبتهم في الدنيا وعفا عنهم لإيمانهم في الآخرة. [لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] (٢)
ثم عاتب جل وعلا المؤمنين فقال: [وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ] النور ١٦: أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، فلولا إذ سمعتموه من المخترعين المشيعين للإفك قلتم تكذيبًا للخائضين فيه، والمفترين له: ما ينبغي لنا، ولا يمكننا أن نتكلم بهذا
_________________
(١) أبو حيان: مرجع سابق: ٨/ ٢٢
(٢) مراجع سابقة.
[ ٢٤٦ ]
الحديث. [سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ]: تعجب ممن تفوه به، وتنزيه له تعالى من أن يقع هذا من زوج نبيّه ﷺ، وأن تحكوا على هذه المقالة بأنها بهتان، وهو الكذب العظيم، لكونه قيل في أم المؤمنين عائشة، وصدوره مستحيل شرعًا من مثلها (١)
(٣) إظهار البراءة للطاهرة المطهرة العفيفة صراحة، فقال جل شأنه: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ] فسماه الله تعالى إفكًا، وهو أسوأ الحديث وأقبحه. قال الإمام الشوكاني: للإفك: هو الحديث المقلوب، وقيل: هو البهتان. وإنما وصفه الله بأنه إفك؛ لأن المعروف من حالها خلاف ذلك. قال الواحدي: ومعنى القلب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر: أن عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة وشرف النسب والسبب لا القذف فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه، فهو إفك قبيح وكذب ظاهر (٢)
وقال ﷾ [وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] قال أهل التفسير: الإشارة فيه إلى أزواج النبي ﷺ. وقيل: الإشارة إلى الرسول ﷺ وعائشة وصفوان. وقيل: عائشة وصفوان (٣)
_________________
(١) مراجع سابقة.
(٢) الشوكاني: فتح القدير: ٣/ ١٨١
(٣) الشوكاني: فتح القدير: ٣/ ١٨٧
[ ٢٤٧ ]
أولئك: إشارة إلى الطيبين والطيبات، مبرءون مما يقول الخبيث من خبيثات الكلم أو القاذفون الرامون المحصنات.
قال الإمام ابن كثير: فما نسبة أهل النفاق إلى عائشة من كلام هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولهذا قال: [أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ] (١)
وقال الإمام القرطبي: قال بعض أهل التحقيق: إن يوسف لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رُميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى ﵇، وإن عائشة لما رُميت بالفاحشة برأها الله بالقرآن، فما رضي لها ببراءة صبي ولا نبي حتى برأها الله تعالى بكلامه من القذف والبهتان (٢)
[لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] لهم مغفرة بسبب ما قيل فيهم من الكذب، ورزق كريم: أي عند الله في جنات النعيم.
٢. في مسيرة الجهاد، وفي آخر غزوات النبي المصطفى ﷺ، انطلقت ألسنة المنافقين في الطعن واللمز في أهل اليقين فيقول قائلهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء. قال الإمام القرطبي: كانوا ثلاثة نفر، هزئ اثنان وضحك واحد (٣)
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٢٨٩
(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٢/ ١٨٩
(٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ١٨١
[ ٢٤٨ ]
إنّها كلمات تهز الوجدان، أغضبت الرحيم الرحمن، كيف لا، وقد جاء في لفظ أنه قال: يا معشر القراء، ما بالكم أجبن منا، وأبخل إذا سئلتم، وأعظم لفحًا إذا أكلتم؟
نعم، إنه النفاق، فهنا يدفع الله سبحانه ويدافع عن عباده المؤمنين المخلصين فيقول سبحانه: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ
إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ]
التوبة ٦٥ - ٦٦.
قال عبد الله بن عمر ﵄: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه، وهو يقول: يارسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: بينما رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فاطلع الله نبيه على ذلك، فقال نبي الله ﷺ: احبسوا على هؤلاء الركب، فأتاهم فقال: قلتم كذا، قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله تعالى فيهم ما تسمعون.
قال الإمام الشوكاني: وقد روي نحو هذا من طرق عن جماعة من
[ ٢٤٩ ]
الصحابة ﵃.
٣ - وفي أحداث هذه الغزوة وثنايا هذه السورة العظيمة المباركة: يحث النبي ﷺ على الصدقة، ويقول: تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا، فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله: عندي أربعة آلاف: ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي، فقال رسول الله ﷺ: بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت. وبات رجل من الأنصار، فأصاب صاعين من تمر، فقال يارسول الله: أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي، وصاع لعيالي، فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياءً، وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا.
يقول الإمام ابن كثير: وهذه من صفات المنافقين، لا يسلم أحد من عيبهم، ولمن هم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مراء، وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا (١)
فأنزل المولى ﷾ دفاعًا عنهم قوله تعالى: [الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ والذين لا يجدون إلا جهدهم فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] التوبة ٧٩.
ومعني يلمزون: أي يعيبون، والمطوعين: أي المتطوعون، والتطوع:
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٢/ ٣٨٩
[ ٢٥٠ ]
التبرع في الصدقات أي: يعيبوهم في شأنها، [وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ]: أي إلا وسعهم وطاقتهم، فإن المنافقين كانوا يعيبون فقراء المؤمنين الذين كانوا يتصدقون بما فضل من كفايتهم. فجاءت العاقبة المخزية، والعقاب المهلك. [فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ]: وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم، انتصارًا للمؤمنين في الدنيا وأعد للمنافقين في الآخرة عذابًا أليما؛ لأن الجزاء من جنس العمل (١).
٤ - ومن أوجه الدفاع: ما جاء في سورة الأحزاب في قوله جل شأنه: [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] ٥٨.
قال الإمام القرطبي: نزلت فيمن أذى عمر باللسان، وقيل: في علي، كان المنافقون يؤذونه ويكذبون عليه. وقال الإمام أبو حيان: وقيل نزلت في الذي أفكوا على عائشة.
وقال الإمام ابن كثير: [بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا]: أي ينسبون إليهم ما هم براء منه لم يعملوه ولم يفعلوه.
وقال الإمام أبو حيان: ومعنى [بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا]: أي بغير جناية
_________________
(١) مراجع سابقة: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ١٩٦، أبو حيان: البحر المحيط: ٥/ ٤٨٦، الشوكاني: فتح القدير: ٢/ ٢٦٢، المنصوري: المقتطف: ٢/ ٤١٣ ابن حجر: فتح الباري: ٨/ ١٨١
[ ٢٥١ ]
واستحقاق أذى.
وها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال يومًا لأُبَيّ: قرأت البارحة [وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ] ففزعت منها، وإني لأضربهم وأنهرهم، فقال له: لست منهم، إنما أنت معلم ومقوّم.
وقال الإمام أبو حيان: وأطلق إيذاء الله ورسوله على إيذاء المؤمنين بقوله [بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا]: لأن إيذاءهما لا يكون إلا بغير حق، بخلاف إيذاء المؤمن فقد يكون بحق (١)
فقال ﷾ لمن آذى المؤمنين وعلى رأسهم الصحابة الأطهار الكرام: [فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] وهذا هو البهت الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ثم الرافضة الذي ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم، فإن الله ﷿ قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن، ولا فعلوه أبدًا، فهم في الحقيقة منكسو القلوب،
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٣/ ٥٢٥، القرطبي: مرجع سابق: ١٤/ ٢١٥، أبو حيان: مرجع سابق: ٨/ ٥٠٣، الشوكاني: مرجع سابق: ٣/ ٤٤٩، المنصوري: مرجع سابق: ٠٤/ ٢٨٠
[ ٢٥٢ ]
يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين (١)
٥ - والله جل وعلا، في أكثر من موضع يبين فضل الصحابة ومكانتهم، ويعاتب فيهم نبيه ﵊: فيقول في شأن ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديمًا، أقبل إلى النبي ﷺ يسأله ويلح عليه، فعبس النبي ﷺ في وجهه وأعرض عنه، وأقبل إلى من كان يخاطبه من عظماء قريش ممن قد طمع في إسلامه فقال المولى جل شأنه [عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى] عبس ١ - ١٠.
قال الإمام القرطبي: الآية عتاب من الله لنبيه ﷺ في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم، وكان قد تشاغل عنه برجل من عظماء المشركين.
وقيل: إنما قصد النبي ﷺ تأليف الرجل، ثقة بما كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان، كما قال ﵊: (إني لأصل الرجل وغيره أحب إليّ منه، مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه).
قال ابن زيد: إنما عبس النبي ﷺ لابن أم مكتوم وأعرض عنه؛ لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم، وأبى إلا أن يكلم النبي ﷺ حتى يعلمه، فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا أنزل الله في حقه
_________________
(١) ابن كثير: مرجع سابق: ٣/ ٥٢٥
[ ٢٥٣ ]
على نبيه ﷺ ﴿عَبَسَ وَتوَلّى ..﴾.
قال الإمام ابن كثير: ومن ههنا أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدًا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف والفقير والغني والسادة والعبيد والرجال والنساء والصغار والكبار.
قال الإمام الثوري: فكان النبي ﷺ بعد ذلك أذا رأى ابن أم مكتوم يبسط له رداءه ويقول: مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول: هل لك من حاجة؟ (١).
وقد كان النبي ﷺ يحترمه، ويستخلفه على المدينة، فيصلي ببقايا
الناس (٢).
٦ - وهنا يقول الله جل وعلا لنبيه ﵊: [وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ] الأنعام ٥٢. يقول سعد بن أبي وقاص: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست اسميهما، فوقع في
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٤/ ٥٠١، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٩/ ١٨٥، أبو حيان: البحر المحيط: ١٠/ ٤٠٧، الشوكاني: فتح القدير: ٤/ ٤٣٢، المنصوري: المقتطف: ٥/ ٤٢٧.
(٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٣/ ١٥٩
[ ٢٥٤ ]
نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله ﷿ [وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ] (١)
وكان النبي ﷺ بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره الله تعالى في قوله [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ] الكهف ٢٨. فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيام.
فقال الله لنبيه ﵊: [مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ] أي: ما عليك من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم، فجزاؤهم ورزقهم على الله، وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره، فإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل.
[فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ] والمعنى: أن أولئك الفقراء يستحقون من التقريب، فبطردهم تضع الشيء في غير موضعه، فتكون من الظالمين، وحاشاه عن وقوع ذلك منه، وإنما هذا بيان للأحكام، وهو من باب التعريض؛ لئلا يفعل ذلك غيره ﷺ من أهل الإسلام، وهذا مثل قوله تعالى [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ] الزمر ٦٥. وقد علم الله منه أنه لا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل سعد بن أبي وقاص (٢٤١٣)
[ ٢٥٥ ]
يشرك ولا يحبط عمله (١)
٧ - قال ﷾ [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] الحجرات ٦.
قال الإمام ابن كثير: ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم في هذه الآية أنّها نزلت في الوليد بن عقبة.
قال الإمام الشوكاني: وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية، وأنه المراد بِها وإن اختلفت القصص. وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة مصدقًا - يجبي الصدقات - إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم، فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره أنّهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى أتاهم ليلًا، فبعث عيونه فلما جاءوا وأخبروا خالدًا أنّهم متمسكون بالإسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحة ما ذكروه، فعاد إلى نبي الله ﷺ فأخبره، فنزلت الآية، فكان يقول نبي الله ﷺ التأني من الله والعجلة من
_________________
(١) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم القرآن العظيم: ٢/ ١٣٩، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٦/ ٣٩٤، أبو حيان: البحر المحيط: ٤/ ٥٢٠، الشوكاني: فتح القدير: ٢/ ٢٥، المنصوري: المقتطف: ٢/ ١٢١، الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٣/ ١٥٩.
[ ٢٥٦ ]
الشيطان.
قال الإمام ابن كثير: وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده (١)
وهذه أمثلة ونماذج في دفاع المولى ﷾ ودفعه عن المؤمنين، والمتأمل والناظر يجد الكثير والكثير، وأصحاب النبي ﷺ أولياء الله تعالى، بل أفضل الأولياء والأصفياء الأتقياء، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والواقع في أعراضهم والطاعن فيهم المعادي لهم قد آذنه الله بحرب (ومن عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب).
ولذا لما خاصمت أروى سعيد بن زيد بن نفيل في أرض، وقالت: إنه بنى ضيغرة في حقي، فلئن لم ينزع، لأصحين به في مسجد رسول الله فقيل لها: لا تؤذي صاحب رسول الله، ما كان ليظلمك وما كان ليأخذ لك حقًا، فلما كلم فيها قال سعيد: اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واجعل قبرها في دارها. قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، بينما هي تمشي في الدار خرت في بئر الدار فوقعت فيها فكانت قبرها (٢)
_________________
(١) ابن كثير: مرجع سابق: ٤/ ٢٢٣، القرطبي: مرجع سابق: ١٦/ ٢٦٤، الشوكاني: فتح القدير: ٤/ ١٣١
(٢) انظر: اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٣٢٨، الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٣/ ٤٥ - ٥٧
[ ٢٥٧ ]