أولا ً: ما يتعلق بالتفضيل بين الصحابة أمر مشتهر، وفيه نزاع مشهور.
قال الحافظ ابن حجر: واستدل بحديث (خير القرون قرني ..) على
_________________
(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٣/ ٥٨
(٢) الأقفهسي: الإرشاد إلى ما وقع في الفقه وغيره من الأعداد: ٢/ ١٩١، انظر: الجديع: تحرير علوم الحديث: ١/ ٣٣٩
[ ٢٠٣ ]
جواز المفاضلة بين الصحابة قاله المازري (١).
وأهل السنة والجماعة: يفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل، على من أنفق من بعد الفتح وقاتل ويقدمون المهاجرين على الأنصار، وأن المستقر عندهم، تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ويعرفون لأهل بدر والرضوان فضلهم (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن أفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأمثالهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كما ثبت ذلك بالنصوص المشهورة (٣).
وقال: أما تفضيل أبي بكر ثم عمر على عثمان وعلي، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، والليث بن سعد وأهل مصر، والأوزاعي وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم من أهل العراق، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام الذي لهم لسان صدق في الأمة.
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري: ٧/ ١٠، انظر: النووي: شرح مسلم: ١٥/ ١٥٧، انظر: ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل: ٣/ ٣٢.
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٣/ ١٥٢.
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٢/ ٢٢٣.
[ ٢٠٤ ]
وحكى الإمام مالك إجماع أهل المدينة على ذلك فقال: ما أدركت أحدًا ممن اقتدي به يشك في تقديم أبي بكر وعمر (١) وقال: فأبو بكر وعمر كان اختصاصهما بالنبي ﷺ فوق اختصاص غيرهما، وأبو بكر كان أكثر اختصاصًا (٢).
وذهب إلى أن أبا بكر وعمر أفضل من الخضر، على القول بأن الخضر ليس بنبي وهو قول الأكثر من العلماء (٣).
ثم إن أبا بكر أفضل الأمة بعد نبيها، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص فلا يوجد مثله للمفضول، فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره، وإن كان كذلك ففضائل الصديق التي تميز بِها لم يشركه فيها أحد (٤).
وذهب الإمام محمد بن حزم إلى تفضيل نساء النبي ﷺ على الصحابة فقال: والذي نقول به، وندين الله تعالى عليه، ونقطع على أنه الحق عند الله ﷿، أن أفضل الناس بعد الأنبياء ﵈، نساء رسول الله ﷺ
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٤٢١
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٤٠٠
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٣٩٨
(٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٤/ ٤١٤
[ ٢٠٥ ]
ثم أبو بكر ﵁ (١) ثم أفاض ﵀ بذكر أوجه التفضيل، وقد تعقبه العلماء، فقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما نساء النبي ﷺ، فلم يقل: إنّهن أفضل من العشرة إلا أبو محمد، ونصوص الكتاب والسنة تبطل هذا القول، وحجته التي احتج بِها فاسدة. ثم قال: وبالجملة فهذا قول شاذ لم يسبق ِإليه أحد من السلف (٢).
وأما موضوع المبحث: فقد اختلف العلماء: هل كل فرد من أفراد الصحابة ﵃ أفضل ممن جاء بعده على الإطلاق، أم لا؟
وتحرير محل النزاع في المسألة هو أن يقال:
إن مجموع الصحابة ﵃ أفضل من مجموع من بعدهم.
وأن السابقين للإسلام وأهل الفضل منهم من أصحاب بدر والشجرة، أفضل بأفرادهم ممن جاء بعدهم.
يقول الحافظ ابن حجر: والذي يظهر: أن من قاتل مع النبي ﷺ أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه، لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان، وأما من لم يقع له ذلك، فهو محل البحث (٣).
تحرير المسألة: اختلف العلماء فيه في هذه المسألة على قولين:
_________________
(١) ابن حزم: الفصل: ٣/ ٣٣
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى:٤/ ٣٩٥
(٣) ابن حجر: فتح الباري: ٧/ ٨
[ ٢٠٦ ]
القول الأول: أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، وأن من صحب النبي ﷺ ورآه، ولو مرة في عمره فهو أفضل ممن يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، وهو قول معظم العلماء وأكثرهم اختاره من المحققين شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن حجر وغيرهما.
واحتجوا بما يلي:
بحديث الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم الذي يلونهم ثم الذي يلونهم ..)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وبالجملة فقد اتفقت طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها، واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة. وأفضل أولياء الله أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول ﷺ واتباعًا له، كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به، وعملًا به، فهذا أفضل أولياء الله، إذ كانت أمة محمد ﷺ أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد ﷺ، وأفضل أبو بكر (١).
وقال في موضع آخر: ومنهم من يفرضها في مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز، فإن معاوية له مزية الصحبة والجهاد مع النبي ﷺ وعمر له مزية فضيلته من العدل والزهد والخوف من الله تعالى (٢).
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١١/ ٢٢٣
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١٣/ ٦٦
[ ٢٠٧ ]
وقال: وأما الصحابة والتابعون فقال غير واحد من الأئمة: أن كل من صحب النبي ﷺ أفضل ممن لم يصحبه مطلقًا، وعينوا ذلك في مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز مع أنهم معترفون بأن سيرة عمر أعدل من سيرة معاوية، قالوا: لكن ما حصل لهم بالصحبة من الدرجة أمر لا يساويه ما يحصل لغيرهم بعلمه (١).
وقال: والواحد من بعد الصحابة لا يكون مثل الصحابة في أعمال مأمور بِها واجبة، كالحج والجهاد والصلوات الخمس والصلاة عليه، فكيف بعمل ليس بواجب باتفاق المسلمين (٢).
ولفضل وشرف الصحبة: قال بعض العلماء في مثل معاوية وعمر بن العزيز: ليوم شهده معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته (٣).
ويقول الإمام عبد الله بن المبارك: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن العزيز.
وسئل عن معاوية ﵁ فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ: سمع الله لمن حمده، فقال: خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل: أيهما أفضل أهو أم عمر بن عبد العزيز، فقال: التراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٥٢٧
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ١/ ٢٣٤
(٣) ابن كثير: الباعث الحثيث: ١٧٢
[ ٢٠٨ ]
خير وأفضل من عمر (١).
واحتجوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفة).
وجه الدلالة منه:
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كان جبل أحد ذهبًا لا يبلغ نصف مدّ أحدهم، كان في هذا التفاضل ما يبين أنه لم يبلغ أحد مثل منازلهم التي أدركوها بصحبة النبي ﷺ (٢).
القول الثاني: أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة. وهو قول الإمام ابن عبد البر، ومال إليه الإمام القرطبي (٣).
واحتجوا بما يلي:
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) (٤).
قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث حسن، له طرق قد يرتقي بِها إلى
_________________
(١) ابن كثر: البداية والنهاية: ٨/ ١٣٢
(٢) مرجع سابق: ٤/ ٥٢٧
(٣) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٤/ ١٦٨، ابن حجر: فتح الباري: ٧/ ٨
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه في كتاب الأمثال: (٢٨٦٩)
[ ٢٠٩ ]
الصحة (١).
وروى ابن أبي شيبة من حديث عبد الرحمن بن جبير، أحد التابعين بإسناد حسن، قال: قال رسول الله ﷺ: (ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير - ثلاثًا - ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها) (٢).
وروى أبو ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أمامكم أيامًا الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين رجلًا يعمل مثل عمله) قيل: يا رسول الله: منهم؟ قال: (بل منكم) (٣).
وأخرج أبو داود الطيالسي وغيره عن عمر أن النبي ﷺ قال: (أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال، يؤمنون بي ولم يروني، يجدون ورقًا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيمانًا) (٤).
وروى صالح بن جبير عن أبي جمعة قال: قلنا يا رسول الله: هل أحد خير منا؟ قال: (نعم قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابًا بين لوحين فيؤمنون بما فيه، ويؤمنون بي ولم يروني) (٥) قال الحافظ ابن حجر: إسناده
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري: ٧/ ٨
(٢) انظر: ابن حجر: مرجع سابق: ٧/ ٩
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب تفسير القرآن عن رسول الله ﷺ، باب ومن سورة المائدة (٣٠٥٨)
(٤) انظر: القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٤/ ١٦٨، ابن حجر: فتح الباري: ٧/ ٩
(٥) مراجع سابقة.
[ ٢١٠ ]
حسن، وقد صححه الحاكم (١).
وعن عبد الله بن بسر أن النبي ﷺ قال: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله) (٢).
وروى عن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إليّ بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بِها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر، فأنت أفضل من عمر؛ لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر. وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلهم كتب إليه بمثل قول سالم (٣).
قال الإمام القرطبي: قال الإمام ابن عبد البر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها، التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها، والمعنى في ذلك ما تقدم ذكره: من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين، ويكثر فيه الفسق والهرج، ويذل المؤمن، ويعز الفاجر، ويعود الدين غريبًا كما بدأ غريبًا، ويكون القائم فيه كالقابض على الجمر، فيستوي حينئذ أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية (٤).
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري:٧/ ٩
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب الزهد باب في طول العمر للمؤمن (٢٣٢٩)
(٣) القرطبي: مرجع سابق: ٤/ ١٧٠
(٤) القرطبي: مرجع سابق.
[ ٢١١ ]
وقد تأول الإمام ابن عبد البر وغيره حديث (خير القرون قرني) بأن قرنه إنما فُضّل؛ لأنّهم كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار، وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وأن آخر هذه الأمة إذا أقاموا الدين وتمسكوا به، وصبروا على طاعة الله في حين ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضًا غرباء، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زكت أعمال أوائلهم، ويشهد له حديث مسلم عن أبي هريرة رفعه (بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء) (١).
قلت: والراجح - والعلم عند الله تعالى -: القول الأول: وهو تفضيل الصحابة مطلقًا على من جاء بعدهم، لأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، لمشاهدة رسول الله ﷺ، وأما من اتفق له الذب عنه، والسبق إليه بالهجرة، أو النصرة، وضبط الشرع المتلقى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنه لا يعدله أحد ممن يأتي بعده، لأنه ما من خصلة من الخصال المذكورة إلا والذي سبق بِها مثل أجر من عمل بِها من بعده، فظهر فضلهم (٢).
وأجاب العلماء عن أدلة القول الثاني بما يلي: قالوا: حديث (أمتي مثل المطر ..) إن المراد منه: من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى بن مريم، ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام، ودحض كلمة الكفر، فيشتبه الحال على من شاهد ذلك، أي
_________________
(١) مراجع سابقة.
(٢) ابن حجر: مرجع سابق.
[ ٢١٢ ]
الزمانين خير، وهذا الاشتباه مندفع بقوله ﵊: (خير القرون قرني) قاله الإمام النووي (١).
وقال الإمام العيني في حديث ابن أبي شيبة: إنه لا يقاوم المسند الصحيح.
قلت: ويمكن الإجابة عنه، وعن حديث (للعامل منهم أجر خمسين) بم ذكره الحافظ ابن حجر، بأنها لا تدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة ﵃؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة. وأيضًا فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في العمل، فأما ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة، فلا يعدله فيها أحد. وقال أيضًا: وأما حديث أبي جمعة، فلم تتفق الرواة على لفظ، فقد رواه بعضهم بلفظ: الخيرية، ورواه بعضهم بلفظ: قلنا يا رسول الله: هل من قوم أعظم منا أجرًا " الحديث أخرجه الطبراني وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة، وهي توافق حديث أبي ثعلبة عند أبي شيبة، وقد تقدم الجواب عنه (٢).
وأما حديث عمر عند أبي داود الطيالسي، فإسناده ضعيف فلا حجة فيه (٣) وعليه: فلا قول لأحد بعد قول النبي المصطفى ﵊:
_________________
(١) انظر: ابن حجر: فتح الباري:٧/ ٩
(٢) العيني: عمدة القارئ: ١١/ ٣٧٣، ابن حجر: مرجع سابق.
(٣) العيني: مرجع سابق
[ ٢١٣ ]
(خير القرون قرني).
وأما ما قيل عنه: بأنه ليس على عمومه بدليل: ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وبأنه قد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود (١)
أجيب عنه: بأن هذا الحديث أصل في تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهو محمول على الغالب والأكثرية (٢) إذ لا يخلو قرن ومجتمع من مثل هذه الأفعال ولكنها قليلة بالنسبة لغيرها من القرون.