بعض المخلوقات المسخرة للدفاع عن الصحابة ﵃
وهذا مما يطول استقصاؤءه، ولكن حسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق، وذكر بعض الشواهد والنماذج التي تجلي المقصود وتبيّن المراد:
١ - أخرج الإمام اللالكائي بسنده قال: حدثنا علي بن زيد أن سعيد بن المسيب قال له: مرّ غلامك فلينظر إلى وجه هذا الرجل، قلت له: أنت تكفيني أخبرني عنه فقال: إن هذا الرجل قد سوّد الله وجهه، كان يقع في علي وطلحة والزبير، فجعلت أنْهاه، فجعل لا ينتهي، فقلت: اللهم إن كنت تعلم أنّه قد كانت لهم سوابق وقدم، فإن كان مسخطًا لك ما يقول: فأرني به آية، واجعله آية للناس، فسوّد الله وجهه (١)
٢ - قال أبو الأحوص: لو أن الروم أقبلت من موضعها يعني: تقتل ما بين يديها، وتقبل حتى تبلغ النخيلة، ثم خرج رجل بسيفه، فاتنقذ ما في أيديها وردها إلى موضعها، ولقي الله تعالى، وفي قلبه شيء على بعض أصحاب محمد ﷺ، ما رأينا ذلك ينفعه (٢)
٣ - قال سفيان الثوري: كنت امرءًا أغدوا إلى الصلاة بغلس،
_________________
(١) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة:: ٧/ ١٣٣٢
(٢) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: ١٩
[ ٣٥٢ ]
فغدوت ذات يوم، وكان لنا جار، كان له كلب عقور، فقعدت حتى يتنحا فقال لي الكلب: جز يا أبا عبد الله، فإنما أمرت بمن يشتم أبا بكر وعمر (١)
٤ - عن عبد الملك بن عمير قال: كان بالكوفة رجل يعطي الأكفان، فمات رجل، فقيل له: فأخذ كفنًا وانطلق حتى دخل على الميت وهو مسجى، فتنفس، وألقى الثوب عن وجهه وقال: غروني، أهلكوني، النار النار، قلنا له: قل لا إله إلا الله، قال: لا أستطيع، قيل ولم؟ قال: بشتمي أبا بكر وعمر (٢)
٥ - قال أبو إسحاق صاحب الشاط: ذهبت إلى ميت لأغسله، فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحية تطوقت علي حلقه، فذكر من غلظها، قال فخرجت فلم أغسله، فذكروا أنّه كان يسب الصحابة ﵃ (٣)
٦ - قال بعض السلف: رأيت رسول الله ﷺ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول الله: هذا ينتقصني، فكأنه انتهره رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني لا انتقص هؤلاء، ولكن هذا - يعني - معاوية، فقال: ويلك، أوليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثًا، ثم أخذ رسول الله ﷺ حربة فناولها معاوية فقال:
_________________
(١) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٣٣٢
(٢) ضياء الدين المقدسي: مرجع سابق: ٢٢
(٣) ابن القيم: الروح: ٩٤
[ ٣٥٣ ]
جابها في لبته فضربه بها، وانتبهت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي (١)
٧ - قال أحمد بن سليمان بن عبد السيد الخليلي: كنا بمدينة رسول الله ﷺ نحوًا من أربعة فقراء، فكنا نسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، فسمعنا رجل من أهل المدينة فدعانا إلى بيته فمضينا معه، ونحن نظن أنّه يطعمنا شيئًا، فلما دخلنا أغلق الباب وضربنا ضربًا كثيرًا حتى كسر مرفقي، فخرجنا ومضينا إلى نخل حمزة فقعدنا هناك، فإذا شاب قد جاءنا فقال: يا فقراء هل يحسن أحد منكم يغسل الميت، فقلت له: نعم قال تعالوا، ثم جاء بنا إلى دار الرجل الذي ضربنا فقال: إن هذا أبي هو الذي ضربكم، وقد مات فغسلوه، وأعلمكم أني رجعت عن مذهبه، قال: فكشفنا عن وجهه فإذا هو وجه خنزير، قال فغسلته وكفنته (٢)
٨ - وذكر الإمام اللالكائي بسنده: أن رجلًا كان يسب أبا بكر وعمر، وكان قد صحبنا في سفر فنهيناه فلم ينته، فقلنا له: اجتنبنا، ففعل فلما أردنا الرجوع تذممنا فقلنا: لو صحبنا حتى نرجع، فلقينا غلامه فقلنا له: قل لمولاك يرجع إلينا فقال: إنه قد حدث بي أمر عظيم، فأخرج ذراعيه فإذا هما ذراعي خنزير، فتحول إلينا فكان معنا حتى انتهينا إلى قرية كثيرة
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية: ٨/ ١٣٣
(٢) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: ٣٥
[ ٣٥٤ ]
الخنازير، فلما رآها صاح صياح الخنازير، فوثب من دابته فإذا هو خنزير، فاختلط مع الخنازير، فلم نعرفه، فجئنا بمتاعه وغلامه إلى الكوفة (١)
٩ - وعن عمر بن الحكم عن عمه قال: خرجنا نريد مدان، ومعنا رجل يسب أبا بكر وعمر، قال: فنهيناه فلم ينته، وانطلق ليقضي حاجته فوقع عليه الدبر فلم يقلع عنه حتى قطعه (٢)
١٠ - قال أبو الحباب: كنا في غزاة في البحر وقائدنا / موسى بن كعب، ومعنا في المركب، رجل من أهل الكوفة فأقبل يشتم أبا بكر وعمر، فزجرناه فلم ينزجر، ونهيناه فلم ينته، فأرسينا إلى جزيرة في البحر، فتفرقنا فيها نتأهب لصلاة الظهر، فأتانا صاحب لنا فقال: أدركوا أبا الحجاج فقد أكلته النحل، قال أبو الحباب: فحفرنا له لندفنه فاستوعرت علينا الأرض، قال: صليت فلم نقدر على أن نحفر له، فألقينا عليه ورق الشجر والحجارة وتركناه.
وزاد ابن منيع في حديثه قال خلف: وكان صاحب لنا يبول فوقعت نحلة على ذكره فلم تضره فعلمنا، ها كانت مأمورة (٣)
١١ - قال عبد الواحد بن أحمد الملحي: دخلت على الحكم أي عمرو
_________________
(١) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٣٣١
(٢) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٣٣٠
(٣) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: ٢٩، اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٧/ ١٣٣٠
[ ٣٥٥ ]
خليد بن الحسن بن سفيان النسوي بنيسابور، وكان معه شيخ يقال له: علان، فقال له الحاكم: اقصص حديثك على هذا فقال: كنت في بلد الري، وكنت أذكر فضائل الشيخين أبي بكر وعمر، فأنهى ذلك الصاحب فأمر بأخذي، ففرت إلى جرجان، فكنت يومًا في سوق وإذا بقوم جاءني وشدوني على جمازة فحملت إلى الري، فلما أدخلت على الصاحب، أمر بقطع لساني فقطع ذاك، وكنت على حالة من الضيق والألم، فلما أن دخل الليل رأيت فيما يرى النائم رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وجماعة من أصحابه، فقالا: يا رسول الله، هذا الذي أصيب فينا، فدعا لي رسول الله ﷺ، ونفث فمي، فانتبهت وليس بي شيء من وجع، ورد علي الكلام، وخرجت من ولايته إلى همذان، وكانوا أهل السنة، فقصصت عليهم قصتي فظهر لي هناك قبول، وكنت ثم مدة أنشر فضائل الشيخين. قال عبد الواحد: ففتح لنا فاه فما رأينا في فيه لسانًا، فشاهدناه على ذلك، وكان يتكلم بكلام فصيح كما تكلم ذو اللسان (١).
١٢ - وأختم هذا المبحث في الدفاع عن الحسين بن علي ﵄:
أما فضائل السبطين "الحسن والحسين " فهي أشهر من أن تذكر، فهما ريحانة رسول الله ﷺ، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وكان رسول الله ﷺ يحبهما ويكرمهما ويحنو عليهما.
_________________
(١) ضياء الدين المقدسي: النهي عن سب الأصحاب: ٢٤
[ ٣٥٦ ]
ولكن كان ما كان من قدر الله تعالى في مقتل الحسين ﵁ في سنة إحدى وستين، يوم الجمعة في يوم عاشوراء، وله أربع وخمسون سنة، وستة أشهر ونصف (١).
قال الإمام ابن كثير: فكل مسلم ينبغي أن يحزنه قتله ﵁ فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله ﷺ التي هي أفضل بناته، وقد كان عابدًا شجاعًا وسخيًا، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتمًا كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتمًا، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي قُتل وهو يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتمًا، وكذلك الصديق كان أفضل منه، ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتمًا، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتمًا يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين، ولا ذكر أحد أنّه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية: ٨/ ١٤٢ - ١٦٢
[ ٣٥٧ ]
مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك. وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه علي بن الحسين عن جده رسول الله ﷺ أنّه قال: (ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعًا إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب منها) رواه الإمام أحمد وابن ماجه (١).
وقال ﵀: ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبًا فاحشًا من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم، وما رفع يومئذ حجر إلا وتحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب خرب بعضها بعضًا، وأمطرت السماء دمًا أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك.
وروي ابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري: أن الشمس كسفت يومئذ حتى النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الإمارة جعلت الحيطان تسيل دمًا، وأن الأرض أظلت ثلاثة أيام، ولم يمس زغفران ولا ورس بما كان معه يومئذ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمًا مثل العلقة، إلى غير ذلك من الأكاذيب
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية: ٨/ ١٩١
[ ٣٥٨ ]
والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء (١).
وأما ما نحن بصدد الحديث عنه وهو الدفاع عن الصحابة ﵃: فقد رويت أحاديث وفتن أصابت قتلة الحسين ومن تهكم به، قال الإمام ابن كثير: وأما ما روي من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قلّ من نجا من أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابه الجنون، وللشيعة والرافضة في صفة مقتل الحسين كذب كثير وأخبار باطلة (٢).
أخرج الإمام الترمذي في جامعه عن عمارة بن عمير قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه، نضّدت في المسجد في الرحبة، فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت، قد جاءت: فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ثم قالوا: قد جاءت، قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٣).
قوله " نضدت " أي جعل بعضها فوق بعض مرتبة، والرحبة: محلة بالكوفة.
_________________
(١) ابن كثير: البداية والنهاية: ٨/ ١٩٠
(٢) ابن كثير: البداية والنهاية: ٨/ ١٩٠
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب مناقب الحسن والحسين (٣٧٨٩)، الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٤/ ١٦٠
[ ٣٥٩ ]
قال العلامة المباركفوري: وإنما أورد الترمذي هذا الحديث في مناقب الحسين؛ لأن فيه ذكر المجازاة، لما فعله عبيد الله بن زياد برأس الحسين ﵁ (١) وذلك أنّه جيء برأس الحسين إلى عبيد الله بن زياد فجعل يقول بقضيب له في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسنًا لم يذكر، فقال أنس بن مالك: أما إنّه كان من أشبههم برسول الله ﷺ (٢).
قال أبو رجاء العطاردي: كان لنا جار من بلهجيم، فقدم الكوفة، فقال: ما ترون هذا الفاسق ابن الفاسق قتله الله - يعني الحسين بن علي ﵄: فرماه الله بكوكبين من السماء، فطمس بصره (٣).
وقال السدي: أتيت كربلاء تاجرًا، فعمل لنا شيخ من طي طعامًا، فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين، فقلت: ما شارك أحد في قتله إلا مات ميتة سوء، فقال: ما أكذبكم، أنا ممن شارك في ذلك فلم نبرح حتى دنا من السراج وهو يتقد بنفط فذهب يخرج الفتيلة بأصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فعلقت النار في لحيته، فعدا، فألقى نفسه في الماء فرأيته كأنه حممه (٤).
وعن الأعمش قال: تغوط رجل من بني أسد على قبر الحسين،
_________________
(١) المباركفوري: تحفة الأحوذي: ١٠/ ٢٦٣
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه كتاب المناقب باب مناقب الحسن والحسين (٣٧٨٧)
(٣) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٤/ ١٥٩، الطبري: ذخائر العقبى: ٢٤٨
(٤) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٤/ ١٥٩، الطبري: دخائر العقبى: ٤٢٨
[ ٣٦٠ ]
فأصاب أهل ذلك البيت خبل وجنون وبرص وفقر وجذام (١).
وأن قاتل الحسين لما جاء ابن زياد، وذكر له كيفية قتله، وما قال له الحسين، اسودّ وجهه (٢).
والأخبار في ذلك كثيرة، وهو جزاء كل من لطخ يده بدم الصديقين، أو استهزئ وازدرى أهل البيت الطاهرين.
ولذا لما بلغ أم سلمة مقتل الحسين قالت: قد فعلوها، ملأ الله قبورهم - أو بيوتهم - نارًا، ووقعت مغشيا عليها (٣).
ولما تكلم ابن زياد بعد مقتل الحسين قام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، فقال: ويحك يا ابن زياد، تقتلون أولاد النبيين، وتتكلمون بكلام الصديقين، فأمر به ابن زياد فقتل وصلب (٤).
ونقول ما قال جماعة أهل السنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما من قتل الحسين،أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا (٥).
وقال ﵀: والحسين ﵁ أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم،
_________________
(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء:٤/ ١٦١
(٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء:٤/ ١٥٨ الطبري: ذخائر العقبي: ٤٢٧
(٣) ابن كثير: البداية والنهاية: ٨/ ١٩٠
(٤) ابن كثير: البداية والنهاية: ٨/ ١٨٠
(٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٤٨٧
[ ٣٦١ ]
وأهان بذلك من قتله، أو أعان من قتله أو رضي بقتله، وله أسوة حسنة ممن سبقه من الشهداء، فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكانا قد تربيا في عز الإسلام، لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر على الأذى في الله ما نال أهل بيته؛ فأكرمهما الله تعالى بالشهادة؛ تكميلًا لكرامتهما، ورفعًا لدرجتهما. وقتله مصيبة عظيمة، والله سبحانه قد شرع الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى [وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ] البقرة ٥٥ - ٥٧.
ثم قال: ومن أحسن ما يذكر هنا: أنّه قد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث عندها استرجاعًا، كتب الله له مثلها يوم أصيب. هذا حديث رواه عن الحسين ابنته فاطمة التي شهدت مصرعه.
وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام أن بلغ هو هذه السنة عن النبي ﷺ وهو أنّه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها، فيكون للإنسان من الأجر مثل الأجر يوم أصيب بها المسلمون.
وأما من فعل مع تقادم العهد بها، ما نهى عنه رسول الله ﷺ عند حدثان العهد بالمصيبة فعقوبته أشد مثل لطم الخدود وشق الجيوب والدعاء
[ ٣٦٢ ]
بدعوى الجاهلية.
ثم قال: فكيف إذا انضم إلى ذلك ظلم المؤمنين، ولعنهم وسبهم وإهانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه للدين من الفساد وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى (١).
قال الإمام الذهبي: ولما استشار المسلمون عائشة -﵂- في دفن الحسن ﵁ في حجرتها لما مات فقالت: نعم وكرامة، فبلغ ذلك مروان فقال: كذب وكذبت، والله لا يدفن هناك أبدًا، منعوا عثمان من دفنه في المقبرة، ويريدون دفن حسن في بيت عائشة، فلبس الحسين ومن معه السلاح، واستلأم مروان أيضًا في الحديد، ثم قام في إطفاء الفتنة أبو هريرة، أعاذنا الله من الفتن ورضي عن جميع الصحابة فترضى عنهم يا شيعي تفلح، ولا تدخل بينهم، فالله حكم عدل يفعل فيهم سابق علمه، ورحمته وسعت كل شيء، وهو القائل (إن رحمتي سبقت غضبي) و[لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] الأنبياء ٢٣، فنسأل الله أن يعفو عنا وأن يثبتنا بالقول الثابت. آمين (٢).
وأخيرًا: بعد ذكر هذه الوقائع والأحداث والقصص والشواهد، ليس المقصود من إيرادها وسردها إلا شفاء قلوب المؤمنين الصادقين المحبين للصحابة الكرام الأخيار، وآل البيت الأطهار ﵃ وأرضاهم، في
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٤/ ٥١١ وما بعده.
(٢) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٤/ ١٤٢
[ ٣٦٣ ]
بيان نصرتهم، وأوجه الدفاع عنهم، وأن الله ﷾ بالمرصاد لكل طاعن ومستهزئ بأفضل القرون، وأنه سبحانه يدفع عنهم، وينتصر ممن عادهم (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب).
وكذا المنهج النبوي في المنافحة عن الصحابة الكرام، ومن بعده أخذوا هذا المنهج وساروا عليه، ولذا النماذج المذكورة شواهد على ما أقول.
ولسنا هنا فقط في مقام من يسرد الشواهد والنماذج، ويتواكل عليها وعلى أمثالها ويؤثر الدعة والسكون والراحة، بل المقصود الأعظم هو استنهاض الهمم للقيام بالواجب تجاه أصحاب النبي ﷺ بما يجب ويلزم، ولنكن وجهًا من أوجه الدفاع طبعًا بالتي هي أحسن - عن الصحابة الكرام ﵃ أجمعين.
والمحروم من حرم هذا الشرف العظيم وهو الذب عن الصحابة الأطهار، خاصة في الأزمان التي يحصل فيها التطاول عليهم ويكثر.
ويكفي في هذا المقام أن نذكر القوم بقول الحبيب المصطفى والنبي المجتبى ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) (١).
وقال ﷺ: (كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب في الغيبة (٤٨٧٢)
[ ٣٦٤ ]
امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).
وقال ﷺ: (إن من أربى الربا: الاستطالة في عرض المسلم بغير حق) (١).
وقال ﷺ: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدروهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) (٢).
وأي عرض أعظم من عرض أفاضل الخلق وسادات المسلمين وأولياء الله المتقين أصحاب النبي الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ويكفيك أيها الذاب عن الأعراض الطاهرة قول النبي ﷺ: (من حمى مؤمنًا من منافق) أراه قال: (بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلما بشيء يريد شينه به، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال) (٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب في الغيبة (٤٨٦٨)
(٢) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب في الغيبة (٤٨٧٠)
(٣) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب باب من رد مسلم غيبة (٤٨٧٥)
[ ٣٦٥ ]