وإذ قد أنهينا الكلام على هذه القضية فلننتقل إلى الكلام على بقية الألفاظ والأفعال التي توقع في الكفر عندنا أو عند غيرنا اعتناءً بهذا الباب لخطره، وفي الحقيقة هذا هو المقصود بالكتاب، وما مرّ كالمقدمة له أو السبب الباعث عليه، فنقول: هذا باب واسع وأكثر من اعتنى به الحنفية، ثم أصحابنا كما ستعلمه.
فمن ذلك العزم على الكفر في زمن بعيد أو قريب، أو تعليقه باللسان أو القلب على شيء ولو محالًا عقليًا فيما يظهر، فيكون ذلك كفرًا في الحال، كما نقله الشيخان عن التتمة، وجزم به البغوي وغيره كالحليمي وصححه الروياني، وقول الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم: كل ما لم يحرك به لسانه هو حديث النفس الموضوع عن بني آدم لا يخالف ذلك، خلافًا لمن وهم فيه؛ لأنه محمول على الخاطر الذي لا يستقر كما حمل الأئمة الحديث عليه، وقول أبي نصر القشيري: عندنا لا يتصور العزم على الكفر الذي هو
[ ٧١ ]
الجهل بالله، إذ لا يصح من العالم بالله أن يعزم على الجهل به. يجاب عنه: بأن المراد بالكفر في هذا الباب ما أشعر بالجهل وإن كان قلب من صدر منه شيء مما ذكر، وما يأتي ممتلئًا إيمانًا.
ألا ترى أن الاستهزاء أو الهزل كغيرهما وكذلك الفعل الآتي، فإن أراد أبو نصر أنه وإن عزم لا يكون كافرًا فغير مُسَلَّمٍ له ذلك، بل لا وجه لكلامه حينئذ، وإن أراد أن حقيقة الكفر الذي هو الجهل لا يجامع حقيقة العلم فَمُسَلَّمٌ، لكن لا مدخل لذلك فيما نحن فيه، وفارق ذلك عزم العدل على مقارفَة كبيرة فإنه لا يفسق بأن نية الاستدامة على الإيمان شرط فيه بخلاف نية الاستدامة على العدالة فإنها ليست شرطًا فيها، وكأن وجه ذلك أن الإيمان: التصديق، وهو منتف مع العزم، والعدالة اجتناب الكبائر مع عدم غلبة المعاصي، والنية لا تنافي ذلك وهو ظاهر لا غبار عليه، ومن ثم قال البغوي: لو قال الكافر: آمنت بالله إن شاء الله لم يكن إيمانًا؛ لأن الإيمان لا يتعلق بالشرط، ولو قال المسلم: كفرت إن شاء الله كفر في الحال. انتهى.
ونقل الإمام عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر توريةً كفر ظاهرًا وباطنًا، وأقرهم على ذلك، فتأمله ينفعك في كثير من المسائل، وكأن معنى قصده التورية أنه اعتقد مدلول ذلك اللفظ، وقصد أن يورّي على السامع، وإلا فالحكم بالكفر باطنًا فيه نظر، ولو حصل له وسوسة فتردد في الإيمان أو الصانع أو تعرض بقلبه لنقص أو سب وهو كاره لذلك كراهة شديدة ولم يقدر على دفعه لم يكن علية شيء ولا إثم، بل هو من الشيطان فيستعين بالله
[ ٧٢ ]
على دفعه، ولو كان من نفسه لما كرهه. ذكره ابن عبد السلام وغيره، ومن ذلك اعتقاد ما يوجب الكفر، وإن لم يظهر بقول أو فعل.
ومنها: كل فعل صدر عن تعمد واستهزاء بالدّين صريح، كالسجود للصنم أو الشمس، سواء كان في دار الحرب أم دار الإسلام، بشرط أن لا تقوم قرينة على عدم استهزائه وعذره، وما في الحلية عن القاضي عن النص أن المسلم لو سجد للصنم في دار الحرب لا نحكم بردته، ضعيف، وواضح أن الكلام في المختار.
واستشكل العز بن عبد السلام الفرق بين السجود للصنم وبين ما لو سجد الولد لوالده على جهة التعظيم حيث لا يكفر، والسجود للوالد كما يقصد به التقرب إلى الله تعالى كذلك يقصد بالسجود للصنم كما قال تعالى: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ) الزمر/٣. ولا يمكن أن يقال: إن الله شرع ذلك في حق العلماء والآباء دون الأصنام.
[ ٧٣ ]
قال القرافي في قواعده: كان الشيخ يستشكل هذا المقام ويعظم الإشكال فيه، ونقل هذا الإشكال الزركشي وغيره، ولم يجيبوا عنه، ويمكن أن يجاب عنه بأن الوالد وردت الشريعة بتعظيمه، بل ورد شرع غيرنا بالسجود للوالد كما في قوله تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) يوسف/١٠٠، بناء على أن المراد بالسجود ظاهره، وهو وضع الجبهة على الأرض كما مشى عليه جمع.
وأجابوا عنه بأنه كان شرعا لمن قبلنا، ومشى آخرون على أن المراد به الانحناء، وعلى كل فهذا الجنس قد ثبت للوالد ولو في زمن من الأزمان أو شريعة من الشرائع، فكان شبهة دارئة للكفر عن فاعله بخلاف السجود لنحو الصنم أو الشمس فإنه لم يرد هو ولا ما شابهه في التعظيم في شريعة من الشرائع، فلم يكن لفاعل ذلك شبهة لا ضعيفة ولا قوية فكان كافرًا، ولا نظر لقصده التقرب فيما لم ترد الشريعة بتعظيمه بخلاف من وردت بتعظيمه، فاندفع الإشكال واتضح الجواب عنه كما لا يخفى.
وفي المواقف وشرحها: من صدّق بما جاء به النبي ﷺ ومع ذلك سجد للشمس كان غير مؤمن بالإجماع؛ لأن سجوده لها يدل بظاهره على أنه ليس بمصدق ونحن نحكم بالظاهر، فلذلك حكمنا بعدم إيمانه؛ لأن عدم السجود لغير الله تعالى داخل في حقيقة الإيمان حتى لو علم أنه لم يسجد لها على سبيل التعظيم واعتقاد الإلهية، بل سجد لها وقلبه مطمئن بالتصديق لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله تعالى، وإن أُجري عليه حكم الكافر في الظاهر. انتهى.
[ ٧٤ ]
ثم ما اقتضاه كلامه -أعني الشيخ عز الدين- من أن العلماء كالوالد في ذلك يدل عليه ما في الروضة آخر سجود التلاوة، وعبارته: وسواء في هذا الخلاف وفي تحريم السجود ما يفعل بعد صلاة وغيرها، وليس من هذا ما يفعله كثيرون من الجهلة والظالمون من السجود بين يدي المشايخ، فإن ذلك حرام قطعًا بكل حال سواء أكان إلى القبلة أو لغيرها وسواء قصد السجود لله تعالى أو غفل، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر عافانا الله تعالى منه.
فأفهم أنه قد يكون كفرًا بأن قصد به عبادة مخلوق أو التقرب إليه، وقد يكون حرامًا بأن قصد به تعظيمه أو أطلق، وكذا يقال في الوالد.
فإن قلت: ما ذكرته من الجواب عن الإشكال في الوالد لا يأتي في العلماء؛ لأنه لم ينقل صورة السجود لهم.
قلت: بل يأتي فيهم؛ لأن تعظيمهم ورد به الشرع على أنه ثبت لجنسهم السجود كما في قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) البقرة/٣٤، وآدم صلوات الله عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين كان بالنسبة للملائكة ﵈ هو العالم الأكبر، فثبت لجنس العلماء السجود، فكان شبهة وإن كان المراد في الآية بالسجود الانحناء عند جماعة، وأن آدم ﵊ لم يكن هو المسجود له، وإنما كان قبلة لسجودهم كما أن الكعبة قبلة لسجودنا لصلاتنا.
ومن المكفرات أيضا السحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها، فإن خلا عن ذلك كان حرامًا لا كفرًا، فهو بمجرده لا يكون كفرًا ما لم ينضم إليه مكفر.
ومن ثم قال الماوردي: مذهب الشافعي ﵁ أنه لا يكفر بالسحر ولا يجب به قتله ويسأل عنه، فإن اعترف معه بما يوجب كفره كان كافرًا
[ ٧٥ ]
بمعتقده لا بسحره، وكذا لو اعتقد تأثير السحر كان كافرًا باعتقاده لا بسحره، فيقتل حينئذ بما انضم إليه السحر هذا مذهبنا.
وأطلق مالك وجماعة سواه الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، وأن الساحر يقتل ولا يستتاب سواء أسحر مسلمًا أو ذميًا كالزنديق.
لكن قال بعض أئمة مذهب المالكية: والصواب لا نقضي بهذا حتى يبين معقول السحر إذ هو يطلق على معان مختلفة، وسيأتي بيانها في الخاتمة مع بيان أن الصواب في هذه المسألة مذهبنا كما اعترف به كثير من أصحاب مالك.
ومذهب أحمد في الساحر أقرب إلى مذهب مالك فيه، وسيأتي في الخاتمة أيضا كلام أهل مذهبه في ذلك.
[ ٧٦ ]
ومنها: إلقاء المصحف في القاذورات لغير عذر ولا قرينة تدل على عدم الاستهزاء وإن ضعفت، والمراد بها النجاسات مطلقًا، بل والقذر الطاهر أيضًا كما صرح به بعضهم.
قال الروياني: وكالمصحف في ذلك أوراق العلوم الشرعية، ويؤيده ما يأتي فيمن قال: قصعة ثريد خير من العلم وكتب الحديث، وكل ورقة فيها اسم من أسمائه تعالى أولى بذلك في كون إلقائه في القذر مكفرًا، وهل مراد الروياني بالعلوم الشرعية الحديث والتفسير والفقه وآلاتها كالنحو وغيره، وإن لم يكن فيها آثار السلف، أو يختص بالحديث والتفسير والفقه؟ الظاهر الإطلاق وإن كان بعيد المدرك في ورقة من كتاب نَحوٍ مثلًا ليس فيها اسم معظم. وعبارة الزركشي في هذا المحل: ما ذكره: الرافعي في إلقاء المصحف في القاذورات لا يختص بالمصحف، بل كتب الحديث في معناه، وقد ألحق الروياني به أوراق العلوم الشرعية، ولا شك أن الحديث وما اشتمل عليه اسم من أسماء الله تعالى أعظم. انتهى.
وفهم بعض المتأخرين من هذه العبارة أنها مضعفة لكلام الروياني، وأنت خبير إذا تأملتها رأيت أن الأمر ليس كذلك، وأنه إنما ذكر ذلك تقوية لما ذكره من إلحاق كتب الحديث بالمصحف، فكأنه يقول: هو أولى بالحكم مما ذكره الروياني فتَعين ذكرها كما ذكر الروياني أوراق بقية العلوم الشرعية، وإن كانت داخلة في كلامه، ومن ذلك يعلم أن كل ورقة فيها اسم معظم من أسماء الأنبياء والملائكة يكون كذلك، وأن المراد بالمصحف ونحوه كل ورقة فيها شيء من القرآن أو الحديث أو نحوهما سواء أكتب القرآن للدراسة أم غيرها، وأن هذا المحل فارق فساد بيع ذلك من كافر والدخول به للخلاء لفحش ما هنا.
فإن قلت: الفرق ينافي ما تقرر قولهم: يحرم الاستنجاء بيد فيها خاتم عليه معظم، ولم يجعلوه كفرًا.
قلت: الفرق أن تلك حالة حاجة، وأيضًا فالماء يمنع ملاقاة النجاسة للمعظم،
[ ٧٧ ]
فإن فرض أنه قصد تضمّخه بالنجاسة يأتي فيه ما هنا، على أن الحرمة لا تنافي الكفر كما مر. وكإلقاء المصحف ونحوه في القذر تلطيخ الكعبة أو غيرها من المساجد بنجس، ولو قيل: إن تلطيخ الكعبة بالقذر الطاهر كذلك لم يبعد إلا أن كلامهم ربما يأباه.
قال إمام الحرمين: وفي بعض التعاليق عن شيخي أن الفعل بمجرده لا يكون كفرًا، قال: وهذا زلل عظيم من المُعلّق ذكرته للتنبيه على غلطه انتهى.
وأقره الشيخان على ذلك وهو جدير بالغلط، وإن نقل عن الشيخ أبي محمد أيضا وعن غيره، خلافًا لمن نظر فيه بذلك، وقول الأذرعي: لم لا يؤوّل ويحمل على محمل صحيح لا يخفى على الفقيه استخراجه كأنه يشير به إلى أن حقيقة الفعل لا يمكن أن يكون كفرًا، وإنما الكفر ما استلزمه من التهاون بالدين ونحوه، وهذا تأويل صحيح، وبه يندفع الغلط إلا أن المراد لا يدفع الإيراد.
[ ٧٨ ]
ومنها: القول الذي هو كفر سواء صدر عن اعتقاد أو عناد أو استهزاء، فمن ذلك اعتقاد قدم العالم أو حدوث الصانع أو نفي ما هو ثابت للقديم بالإجماع المعلوم من الدين بالضرورة ككونه عالمًا أو قادرًا، أو كونه يعلم الجزئيات، أو إثبات ما هو منفي عنه بالإجماع كذلك كالألوان أو إثبات الاتصال أو الانفصال له.
فإن قلت: المعتزلة ينكرون الصفات السبعة أو الثمانية ولم تكفروهم.
قلت: هم لا ينكرون أصلها وإنما ينكرون زيادتها على الذات حذرًا من تعدد القدماء فيقولون: إنه تعالى عالم بذاته قادر بذاته وهكذا.
فالجواب عن شبهتهم المذكورة أن المحذور تعدد ذوات قدماء لا تعدد صفات قائمة بذات واحدة قديمة، وكذا يقال في اختلاف الأشاعرة في نحو البقاء والقدم والوجه واليدين. وبهذا إن تأملته تعلم الجواب عن قول العز بن عبد السلام، والعجب أن الأشعرية اختلفوا في كثير من الصفات كالقدم والبقاء والوجه واليدين، وفي الأحوال كالعالمية والقادرية وفي تعدد الكلام واتحاده، ومع ذلك لم يكفر بعضهم بعضًا.
واختلفوا في تكفير نفاة الصفات مع اتفاقهم على كونه حيًا قادرًا
[ ٧٩ ]
متكلمًا واتفقوا على كماله بذلك، واختلفوا في تعليله بالصفات المذكورة انتهى، فأخذ عدم تكفير المعتزلة وغيرهم الذي هو الأصح وإن جرى عليه جماعة، بل نقل عن الأئمة الأربعة أنهم لم يسلكوا اعتقاد بعض في الذات، بل زعموا بذلك أنهم الموحدون المعظمون دون غيرهم.
وأما القدم والبقاء فأمور اعتبارية فلا يلزم على نفيها نقص أيضًا، وكذا نفي الوجه واليدين ونحوهما فاتضح ما مشى عليه الأكثر، وعدم تكفير بعض الأشعرية لبعض، وقد أشار ابن الرفعة إلى مدرك القول بالكفر والقول بعدمه بما حاصله: أن المخالفين لصفات الباري تعالى الذي هو متصف بها إنما لم يحكم بكفرهم؛ لأنهم يعترفون بإثبات الربوبية لذات الله تعالى وهي واحدة، والقول بالكفر نظر إلى أن تغيير الصفات بما لا يعتبر فيه النظر، والعبارة بمنزلة تغيير الذات، فكفروا لأنهم لم يعبدوا الله تعالى المنزه عن النقص؛ لأنهم عبدوا من صفته كذا وكذا، والله ﷾ منزه عن ذلك، فهم عابدون لغيره بهذا الاعتبار. قال: وهذا ما يحكى عن اختيار شيخ الإسلام ابن عبد السلام قدس الله تعالى روحه انتهى.
وميل كلام ابن الرفعة إلى عدم التكفير، وهو كذلك، وإن لزم على هذا الاعتقاد نقص، لأن لازم المذهب غير مذهب كما يأتي، ومن ثم قال الإسنوي: المجسمة ملزمون بالألوان وبالاتصال والانفصال، مع أنا لا نكفرهم على المشهور، كما دل عليه كلام الشرح
[ ٨٠ ]
والروضة في الشهادات. انتهى. وسيأتي الجمع بين هذا وقول النووي في شرح المهذب بكفرهم.
فالحاصل أن من نفى أو أثبت ما هو صريح في النقص كفر أو ما هو ملزوم للنقص فلا، ومعنى إثبات الاتصال والانفصال يرجع إلى قول من قال: الباري تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ومن ثم قال الغزالي: معناه أن مصحح الاتصال والانفصال الجسمية والتحيز وهو محال فانفك عن الضدين، كما أن الجماد لا هو عالم ولا جاهل؛ لأن مصحح العلم هو الحياة فإذا انتفت
[ ٨٢ ]
الحياة انتفى الضدان، وهذا كما ترى ظاهر في تكفير القائلين بالجهة، لكن مشى الغزالي في كتابه: التفرقة بين الإسلام والزندقة، والعز بن عبد السلام في فتاويه الموصلية وغيرهما على عدم كفرهم.
قال ابن عبد السلام: لأن علماء الإسلام لم يخرجوهم عن الإسلام، بل حكموا لهم بالإرث من المسلمين وبالدفن في مقابرهم وتحريم دمهم وأموالهم.
قال الزركشي: وهذا بناه الشيخ على تفسير المتكلمين بالإيمان بما علم من دين محمد ﷺ بالضرورة وعلى هذا العلم بكونه عالمًا بالعلم أو عالمًا بذاته أو كونه مرئيًا أو غير مرئي ليس بداخل في مسمى الإيمان، وكذلك كونه في جهة أو ليس في جهة انتهى.
وبه يتأيد ما قدمته في وجه عدم تكفير المعتزلة ونحوهم.
قال الشيخ: ومن زعم أن الإله ﷾ يحل في شيء من آحاد الناس أو غيرهم فهو كافر، لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسيم على الناس، وأنهم لا يفقهون موجودًا إلى غير جهة بخلاف الحلول، فإنه لا يعم الابتلاء به، ولا يخطر على قلب عاقل فلا يعفى عنه أ. هـ. وكالحلول الاتحاد كما يأتي: والحاصل، أن في كفر سائر الفرق خلافًا بين أئمة السلف والخلف، حرره القاضي عياض آخر الشفاء، ومذهبنا أنه لا يكفر إلا نافي العلم
[ ٨٣ ]
بالجزئيات أو بالمقدور، وزاعم قدم العالم أو بقائه أو الشاك في ذلك، ومنكر البعث أو شيء من متعلقاته كما يعلم مما يأتي عن الروضة عن القاضي عياض، وزاعم الحلول أو الاتحاد ونحوهم كالقائلين بالتناسخ وغيرهم من الطوائف المذكورة في الشفاء وغيرهم، وإنما تركت ذكرهم لأن كفرهم معلوم مما قررته في هذا الكتاب.
ومن ذلك جحد جواز بعثة الرسل أو إنكار نبوة نبي من الأنبياء المتفق على نبوتهم صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين لا كالخضر وخالد بن سنان ولقمان وغيرهم، وكإنكار ذلك الشك فيه، قال الخوارزمي في "كافيه": أو إنكار رسالة واحد من الأنبياء المعروفين. انتهى.
[ ٨٤ ]
وينبغي حمل قوله: المعروفين، على من أجمع المسلمون على رسالتهم، وأراد نفي الرسالة على سائر الأقوال، فإنه قد وقع خلاف في تعريف الرسول.
ومن ذلك أيضًا تكذيب نبي أو نسبة تعمد كذب إليه أو محاربته أو سبه أو الاستخفاف به، ومثل ذلك كما قاله الحليمي ما لو تمنى في وقت نبي من الأنبياء أنه هو النبي دون ذلك النبي، أو في زمن نبينا ﷺ أو بعده أن لو كان نبيًا أو أنه ﷺ لم تكن النبوة به فيكفر في جميع ذلك، والظاهر أنه لا فرق بين تمني ذلك باللسان أو القلب.
تنبيه:
قضية قولهم: "أو تكذيب نبي" أنه لا فرق بين تكذيبه في أمر ديني أو غيره، وهو ما يصرح به كلام العراقي شارح المهذب، لكن كلام غيره ينازع فيه،
[ ٨٥ ]
وأصل ذلك أنهم صرّحوا بأن من خصائصه ﷺ أن يتزوج بلا شهود، لأن اعتبارهم لأمن الجحد وهو مأمون في حقه ﷺ، ثم قالوا: والمرأة لو كذبته لم يلتفت إليها. وقال العراقي المذكور: بل تكفر بتكذيبه. فقضية كلام غيره عدم كفرها لكن كلامه أوجه؛ لأن تكذيبه ولو في الأمر الدنيوي صريح في عدم عصمته عن الكذب وفي إلحاق النقص به وكلاهما كفر، ولا ينافي ذلك ما وقع من بعض جفاة الأعراب مما يقرب من ذلك، لأنهم كانوا معذورين لقرب إسلامهم، وصريح كلامهم هنا أن كون الاستخفاف بالنبي كفرًا لا يختص بنبينا ﷺ.
ومنه يؤخذ إشكال في عد أصحابنا كون الاستخفاف به كفرًا من خصائصه ﷺ.
وقد يجاب أخذًا من استقراء كلامهم بأنهم كثيرًا ما يعدون شيئا من خصائصه ويكون المراد به ما اختص به عما عدا الأنبياء من بقية الأمم، وقد عدوا من خصائصه أيضًا أن من زنى بحضرته ﷺ كفر، ونظر فيه في "الروضة"، ويجاب بأن هذا ظاهر في الاستخفاف فكان كفرًا، ومنه يؤخذ أن غيره من الأنبياء كذلك، ويعود الإشكال والجواب المذكوران.
ومن ذلك أيضًا جحد آية أو حرف من القرآن مجمع عليه كالمعوذتين بخلاف البسملة، أو زيادة حرف فيه مع اعتقاد أنه منه.
[ ٨٦ ]
فإن قلت: قد أنكر ابن مسعود كون المعوذتين قرآنًا فكيف تكفرنا فيهما؟
قلت: قال النووي في المجموع: إن نسبة ذلك لابن مسعود كذب عليه.
فإن قلت: فهل فيه جواب على تقدير الصحة؟
قلت: الجواب عنه أنه لم يستقر الإجماع عند إنكاره على كونهما قرآنًا، وأما الآن فقد استقر وصارت قرآنيتهما معلومة من الدين بالضرورة فكفرنا فيهما، عالمًا كان أو عاميًا مخالطًا للمسلمين أم لا، على أن ما روي من إنكاره إنما هو إنكار
[ ٨٨ ]
لرسمهما في مصحفه لا لكونهما قرآنا كما قاله الشيخ أبو علي بن أبي هريرة، والقاضي أبو بكر الباقلاني؛ لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت في المصحف إلا ما أمر النبي ﷺ بإثباته أو كتبه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به.
وفي وجه حكاه القاضي حسين في تعليقه أنه يلحق بسبّ النبي ﷺ سبّ الشيخين
[ ٨٩ ]
وعثمان
[ ٩٠ ]
وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين فقال: من سب الصحابة فسق، ومن سب الشيخين أو الحسنين
[ ٩١ ]
يكفر أو يفسق وجهان كذا في النسخة وصوابهما الختنين بمعجمة ففوقية فنون يعني عثمان وعليًا رضي الله تعالى عنهما، وعبارة البغوي: من أنكر
[ ٩٢ ]
خلافة أبي بكر يبدع ولا يكفر، ومن سب أحدًا من الصحابة ولم يستحل يفسق.
واختلفوا في كفر من سب الشيخين: قال الزركشي، كالسبكي: وينبغي أن يكون الخلاف إذا سبهما لأمر خاص به، أما لو سبهما لكونهما صحابيين فينبغي القطع بتكفيره، لأن ذلك استخفاف بحق الصحبة وفيه تعريض بالنبي ﷺ.
وقد روى الترمذي: أنه ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: (هَذَانِ السَّمْعُ وَالبَصَرُ). وهكذا القول في شأن غيرهما من الصحابة، وقد ثبت عنه ﵊ أنه قال: (يقول اللَّهَ تعالى: مَنْ آذى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بالمحاربة أو بِالحَرْبِ) وفي رواية: (فَقَدْ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي).
[ ٩٣ ]
ولا شك أنا نتحقق ولاية العشرة، فمن آذى واحدًا منهم فقد بارز الله تعالى بالمحاربة، فلو قيل: يجب عليه ما يجب على المحارب لم يبعد، ولا يلزم هذا في غيرهم إلا من تحققت ولايته بإخبار الصادق انتهى.
وما بحثه من القطع بالتكفير ظاهر نقلًا ومعنى، ومن الإلحاق بالمحارب ظاهر دليلًا لا نقلًا، وسيأتي لذلك بسط آخر. ومن ذلك أن يستحل محرمًا بالإجماع كالخمر واللواط ولو في مملوكه، وإن كان أبو حنيفة لا يرى الحدَّ به؛ لأن مأخذ الحرمة عنده غير مأخذ الحد، أو يحرّم حلالًا بالإجماع كالنكاح، أو ينفي وجوب مجمع على وجوبه كركعة من الصلوات الخمس، أو يعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع كصلاة سادسة بأن يعتقد
[ ٩٤ ]
فرضيتها كفريضة الخمس ليخرج معتقد وجوب الوتر ونحوه، وكصوم شوال.
هذا ما ذكره الرافعي، زاد النووي في الروضة أن الصواب تقييده بما إذا جحد مجمعًا عليه يعلم من دين الإسلام ضرورة، سواء أكان فيه نص أم لا، بخلاف ما لم يعلم ذلك بأن لم يعرفه كل المسلمين، فإن جحده لا يكون كفرًا انتهى.
وما زاده ظاهر، وخرج بالمجمع عليه الضروري استحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، وتحريم نكاح المعتدة، فلا يكفر جاحدهما، كما بينته في شرح الإرشاد، مع بيان أنه هل الكلام في جاحدهما جهلًا أو عنادًا، ومع بيان ردِّ قول البلقيني أن نكاح المعتدة معلوم من الدين بالضرورة وأنه قيد استحلال الدماء والأموال بما لم ينشأ عن تأويل ظني البطلان كتأويل البغاة.
وللضرورة أمثلة كثيرة استوعبتها في الفتاوى.
ومن ذلك أيضًا ما لو أجمع أهل عصر على حادثة فإنكارها لا يكون كفرًا، ومحل هذا كله في غير من قرب عهده بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء وإلا عُرّف الصواب فإن أنكر بعد ذلك كفر فيما يظهر، لأن إنكاره حينئذٍ فيه
[ ٩٥ ]
تضليل للأمة، وسيأتي عن "الروضة" عن القاضي عياض أن كل ما كان فيه تضليل الأمة يكون كفرًا، ثم ما ذكره الشيخان كالأصحاب في استحلال الخمر استبعده الإمام بأنا لا نكفر من ردّ أصل الإجماع، ثم أوَّل ما ذكروه بما إذا صدق المجمعين على أن التحريم ثابت في الشرع ثم حلله فإنه يكون ردًا للشرع، قال الرافعي: وهذا إن صح فليجر مثله في سائر ما حصل الإجماع على افتراضه أو تحريمه فنفاه.
وأجاب عنه أبو القاسم الزنجاني بأن ملحظ التكفير ليس مخالفة الإجماع، بل استباحة ما علم تحريمه من الدين بالضرورة، ولهذا قال ابن دقيق العيد: مسائل الإجماع إن صحبها التواتر كالصلاة كفر منكرها لمخالفة التواتر لا لمخالفة الإجماع، وإن لم يصحبها التواتر فلا يكفر نافيها، وفرّق الزركشي بين تكفير منكر الإجماع أي المجمع عليه وعدم تكفير منكر أصل الإجماع بأن منكر الحكم وافق على كون الإجماع حجة، ثم أنكر أثره المترتب عليه فكفرناه، بخلاف منكر الأصل فإنه لم يوافق على شيء البتة انتهى. وفي فرقه نظر لاقتضائه أن منكر الحكم لا بد أن يسبق منه اعتراف بحجية الإجماع وهو خلاف قضية إطلاقهم، وأن من سبق منه الاعتراف بذلك يكفر وإن لم يكن الحكم ضروريًا أو ليس كذلك، فالذي يتجه هو ما أشار إليه الجواب الأول من أن ملحظ التكفير إنكار الضروري سواء أسبق منه الاعتراف بحجية الإجماع أم لا.
[ ٩٦ ]
فإن قلت: هل بقي من فرق آخر بين إنكار أصل الإجماع حيث لم يكن كفرًا، وإنكار الحكم المجمع عليه الضروري حيث كان كفرًا؟
قلت: نعم، وتقدم قبله مقدمة، وهي أن النظام وغيره إنما أنكروا كون الإجماع حجة زعمًا منهم أنه لا يستحيل الخطأ على أهل الإجماع وأنه لا دليل على عصمتهم قطعًا، إذ ما أستدل به على ذلك يحتمل التأويل، فالإجماع الذي أنكروه هو تطابق العلماء على تفرقتهم وكثرتهم على رأي نظري، وهذا ليس كإنكار الضروري الذي هو تطابقهم على الإخبار عن محسوس على نقل التواتر وذلك قطعي لحصول العلم الضروري به، والقدح فيه يسري إلى إبطال الشريعة من أصلها فتطابق العلماء على رأي واحد نظري لا يوجب العلم القطعي إلا من جهة الشرع فلم يكن إنكار كونه من أصله حجة، ولا إنكار إفادته القطع مع الاعتراف بحجيته مكفرًا على الأصح فإنه بخلاف إنكار الضروري فإنه يجر إلى إنكار الشرع بل الشرائع كلها، فمن ثم كان كفرًا كما تقرر، فاتضح الفرق بين إنكار أصل الإجماع أو كونه حجة قطعية وبين إنكار الضروري، وبما قررته يعلم رد تنظير الغزالي في كفر جاحد المجمع عليه، بأن النظام أنكر كون الإجماع حجه فيصير مختلفا فيه، ووجه رده أن النظام لا ينكر الحكم كما مر، وعلى التنزل فهو بهذا الإنكار مبتدع ضال، فلا نظر لإنكاره ولا لخلافه.
فإن قلت: نافي حكم الإجماع أخف حالًا من جاحد المجمع عليه، لأن الأول ليس معه اعتقاد مخالف بخلاف الثاني فإن الجاحد يقتضي سبق الاعتراف والاعتقاد.
قلت: إذا تأملت ما سبق من التقرير علمت أن الملحظ في التكفير إنما هو
[ ٩٧ ]
إنكار الضروري المستلزم لإنكار الإجماع بخلاف إنكار الإجماع من أصله أو حجيته أو المجمع عليه غير الضروري، فإنه لا يكون كفرا، خلافا لما يوهمه كلام بعض المتأخرين.
ومما يوضح هذا المقام أن من أنكر ما عرف بالتواتر فإن لم يرجع إنكاره إلى إنكار شريعة من الشرائع كإنكاره غزوة تبوك أو وجود أبي بكر وعمر وقتل عثمان وخلافة علي وغير ذلك مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكاره جحد شريعة لا يكون إنكار ذلك كفرًا. إذ ليس فيه أكثر من الكذب والعناد كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل ومحاربة علي من خالفه.
نعم إن اقترن بذلك اتهامه للناقلين، وهم المسلمون أجمع، كفر كما في "الشفاء" وغيره لسريانه إلى إبطال الشريعة، وليس هذا كمنكري أصل الإجماع، لأنه لا يتهم جميع المسلمين بل ولا بعضهم، وإنما ينكر اجتماعهم وتوافقهم على شيء، وإن رجع إنكاره إلى إنكار قاعدة من قواعد الدين أو حكم من أحكامه، كإنكار الخوارج حديث الرجم فإن كان لإنكارهم الرجم كفروا،
[ ٩٨ ]
لأنه حكم من أحكام الشريعة مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، وإن أنكروا واقعته واعترفوا بأن الرجم ثابت في هذه الشريعة بدليل آخر لم يكفروا، ما لم يقترن بذلك اتهامهم للناقلين وهم المسلمون أجمع.
وإذا تدبرت هذا الذي قررته واستحضرت قواعدهم ظهر لك أنه أحق بالاعتماد والتصويب مما ذكره بعض المتأخرين وغيرهم في هذا المحل، وسيأتي بهذا المبحث زيادة تحقيق وتنقيح.
وفي تعليق البغوي: من أنكر السنن الراتبة أو صلاة العيدين يكفر، والمراد إنكار مشروعيتها لأنها معلومة من الدين بالضرورة، لو أنكر هيئة الصلاة زعمًا منه أنها لم ترد إلا مجملة وهذا الصفات والشروط لم ترد بنص جلي متواتر كفر أيضا إجماعا كما يؤخذ من كلام الشفاء.
قال القمولي: ومن ذلك أي جحد الضروري أن يعتقد في شيء من المكوس أنه حق. قال: ويحرم تسميتها بذلك انتهى.
وقضيته أن مجرد تسمية الباطل حقًا لا يطلق أنه كفر، وهو ظاهر في نحو هذه المسألة مما فيه ضرب من التأويل، وهو أخذ الإمام له على نية الزكاة، أما فيما لا تأويل فيه بوجه فينبغي أن يكون تسميته حقًا كفرًا.
[ ٩٩ ]
ومن المكفرات أيضًا أن يرضى بالكفر ولو ضمنًا كأن يسأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه كلمة الإسلام فلا يفعل، أو يقول له: اصبر حتى أفرغ من شغلي أو خطبتي لو كان خطيبًا، أو كأن يشير عليه بأن لا يسلم وإن لم يكن طالبًا للإسلام فيما يظهر، وكلام الحليمي الآتي قريبًا قد يدل على أن إشارته عليه بأن لا يسلم إذا كانت لكونه عدوه فيشير عليه بما يكرهه، وهو الكفر، ويمنعه عما يحبه وهو الإسلام لم يكفر، وفيه نظر، والذي يظهر أنه يكفر بذلك، وإن قصد ما ذكر بأنه كان متسببًا في بقائه على الكفر، وليست هذه كمسألة الحليمي الآتية خلافًا لما توهمه؛ لأن تلك فيها مجرد تمنٍ فقط. وهذه فيها تسبب إلى البقاء على الكفر أو يشير على مسلم بأن يرتد، وإن كان مريدًا للردة، كما هو ظاهر، أو يكرهه على الكفر على الأصح أو يطلب منه أو من كافر الكفر كما صرح به الإمام حيث قال في يهودي تنصر: ففي قول يطالب بالإسلام، أو العود إلى ما كان عليه، والتعبير عن هذا القول يحتاج إلا تأنق، فلا ينبغي أن يقال هو مطالب بالإسلام أو بالعود إلى التهود فإن طلب الكفر كفر. انتهى.
بخلاف ما لو قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر: لا رزقه الله الإيمان، فإنه لا يكون كفرًا على الأصح، لأنه ليس رضًا بالكفر، وإنما هو دعاء عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه.
هذا ما ذكره الشيخان، وأنت خبير من قولهما: لأنه ليس رضًا بالكفر إلى آخره أن محل ذلك ما إذا لم يذكر ذلك رضًا بالكفر وإلا كفر قطعًا، والذي يظهر من فحوى كلامهما أنه لو أطلق، ولم يقله على جهة الرضا بالكفر، ولا على جهة تشديد العقوبة عليه لا يكون كافرًا وهو ظاهر.
ولو رضي كافر بالإسلام أو أكره كافرًا آخر عليه أو عزم عليه في المستقبل لم يكن بذلك مسلمًا، ويفرق بما مر في العزم على الكفر والعزم على فعل كبيرة.
وليس من الرضا بالكفر أن يدخل دار الحرب ويشرب معهم الخمر ويأكل لحم الخنزير؛ إذ ارتكاب كبائر المحرمات ليس كفرًا ولا ينسلب بها
[ ١٠٠ ]
اسم الإيمان، بل اسم المدح كتقي أو ديّن وولي ومخلص وموفق على الإطلاق، فإذا مات فاسقًا لم يخلد في النار، خلافًا للخوارج، فأنهم يحكمون بكفره، وللمعتزلة فإنهم يقولون: إنه فاسق ليس بمؤمن ولا كافر، والفسوق عندهم منزلة بين الإيمان والكفر، ومنعا وصفه باسم مدح مما ذكر مطلقًا أو مقيدًا.
تنبيه:
ما ذكر في مسألة عدم التلقين، وفي الإشارة هو ما نقله الشيخان في "الروضة" وأصلها عن المتولي وأقره، وهو المعتمد، وبه جزم البغوي.
وأما ما في باب الغسل من المجموع من أن الصواب أنه ارتكاب معصية عظيمة، فضعيف، بل الصواب الأول، كما قاله الزركشي خلافًا لقول الأذرعي، والتصويب ظاهر في ما سوى إشارته بأن لا يسلم، وممن جزم أيضًا بالكفر في ذلك الفخر الرازي.
[ ١٠١ ]
ونقل عن بعض العلماء أنه ينبغي له أن لا يطول المدة في كلمة لا، ليحصل الانتقال من الكفر إلى الإيمان على أسرع الوجوه.
وما ذكر في مسألة: لا رزقه الله الإيمان استشكل بما إذا قال لمسلم: يا كافر بلا تأويل.
ويجاب بأن الكفر ثم إنما جاء من تسمية الإسلام كفرًا كما مر، وهذا ليس فيه ذلك، وبهذا يزيد اتجاه ما قدمته من أنه لو طلب ذلك رضا بالكفر كان كافرًا، ويؤديه أيضًا ما دل عليه كلام الحليمي من أنه لو تمنى مسلم كفر مسلم فإن كان ذلك كما يتمنى الصديق لصديقه ما يستحسنه كفر، لأن استحسان الكفر كفر، وإن كان كما يتمنى العدو لعدوه ما يستعظمه لم يكفر، فإذا أسلم عدوه الكافر فحزن المسلم لذلك، وتمنى أنه لم يسلم وود لو عاد إلى الكفر، لا يكفر لأن استقباحه الكفر هو الذي يحمله على أن يتمناه له، واستحسانه الإسلام هو الذي يحمله على أن يكرهه له، وإنما يكون تمني الكفر كفرا على وجه الاستحسان له، وقد تمنى موسى على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام ألا يؤمن فرعون وزاد على التمني فدعا الله بذلك بقوله: (رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) يونس/٨٨، فلم يضره ذلك ولا عاتبه الله تعالى عليه ولا زجره عنه انتهى، لكن في الاستدلال نظر، لأن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، ولأنه يجوز أن موسى
[ ١٠٢ ]
صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة والسلام على عدم إيمانهم فسأله قصدًا، والكلام فيمن انطوت عاقبته.
وقد يجاب: بأنه وإن كان شرعًا لمن قبلنا إلا أنه لم يرد في شرعنا ما يخالفه فيكون حجة على الخلاف، وبأن الأصل في السؤال طلب حصول ما ليس بحاصل، فلا نظر للاحتمال المذكور، على أنه ورد في القصة ما يخالفه وهو أن الإجابة لم تقع إلا بعد أربعين سنة من السؤال، فقوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) يونس/٨٩ امتنان عليهما بالإجابة، وما كان واقعًا قبل الإجابة في علم السائل لا يمتن عليه بأنه استجيب له فيه.
[ ١٠٣ ]
فإن قلت: ما تقرر أولًا في مسألة سلبه الإيمان أو: لا رزقه الله الإيمان ينافيه ما اقتضاه كلام الإحياء من أنه لو لعن كافرًا معينًا في وقتنا كفر، ولا
[ ١٠٤ ]
يقال: يلعن لكونه كافرًا في الحال، كما يقال للمسلم: ﵀ لكونه مسلمًا
[ ١٠٥ ]
في الحال وإن تصور أن يرتد، لأن معنى: ﵀، ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة، ولا يقال: ثبت الله الكافر على الكفر الذي هو سبب اللعنة؛ لأن هذا سؤال الكفر الذي هو سبب اللعنة وهو في نفسه كفر انتهى.
قال الزركشي عقبه: فتفطن لهذه المسألة فإنها غريبة، وحكمها متجه، وقد زلّ فيه جماعة انتهى.
قلت: لا منافاة لما قررته ثانيًا من التفصيل الذي ينبغي أن يجري مثله هنا، كما أنه ينبغي أن يجري مثل هذا ثمَّ، فيقال: إن أراد بلعنة الله الدعاء عليه بتشديد الأمر أو أطلق لم يكفر، وإن أراد سؤال بقائه على الكفر أو الرضا ببقائه عليه كفر، وفي: سلبه الله الإيمان لمسلم، ولا رزقه الله الإيمان لكافر إن
[ ١٠٦ ]
أراد سؤال الكفر للمسلم أو البقاء عليه للكافر أو رضي بذلك كفر، وإن أراد الدعاء بتشديد العقوبة أو أطلق فلا، فتدبر ذلك حق التدبر، فإنه تفصيل متجه قضت به كلماتهم.
واستشكل الفخر الرازي ما ذكر في ارتكاب الكبائر من أنه ليس كفرًا بأن الأعمال عند الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه من الإيمان، فكيف لا ينتفي
[ ١٠٧ ]
عند انتفائها؟ لأن المجموع المركب من أمور إذا انتفى واحد منها لا بدّ وأن ينتفي ذلك المجموع، فإذا كان العمل داخلًا في حقيقة الإيمان فلا بد من انتفائه في حق الفاسق.
وحاول ابن التلمساني الجواب فقال: والظن بالشافعي أنه لم يحكم على الفاسق بخروجه عن الإيمان، لكن لا يلزم من عدم الحكم بالخروج عن الإيمان الحكم بعدم خروجه عن الإيمان، بل من الجائز أنه لم يحكم بالخروج ولا بعدمه، وإن كان يلزم من قوله: إن الإيمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة، الحكم بالخروج لكن ضمنًا لا صريحًا.
وأما المعتزلة، فقد طردوا أصلهم؛ لأنه لما كان العمل عندهم داخل في حقيقة الإيمان قالوا: الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر.
قال الزركشي: وهذا الجواب لا ينفع في هذا المضيق ولعل الله ييسر حله. انتهى.
وأقول: قد يسر الله تعالى حله بما هو جلي وهو أن يقال في جوابه: إن الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: الإيمان يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها، فإن أريد الإيمان الكامل كانت الأعمال داخلة في مسماه، ولزم انتفاؤه بانتفائها أو انتفاء بعضها، وصدق حينئذ على الفاسق أنه ليس بمؤمن بهذا الاعتبار، وإن أريد الإيمان المتكفل بالنجاة من النار المشار إليه بقوله تعالى:
[ ١٠٨ ]
(أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن الإِيمَان) فالأعمال ليست داخلة في مسماه، إذ هو التصديق بالقلب مع النطق باللسان بشرطه، فلا يلزم من انتفائها انتفاؤه، ويصدق على الفاسق أنه مؤمن من أهل الجنة، فعلم أن مبنى الأشكال على نوع من المغالطة وزيادة الإبهام، وأن الشافعي رضي الله تعالى عنه لم يقل بأن الإيمان بسائر أنواعه عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة، أعني التصديق بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح، خلافًا لما يوهمه كلام ابن التلمساني السابق، وأنه لا يلزم على كلامه رضي الله تعالى عنه ما ذكره ابن التلمساني لا ضمنًا ولا صريحًا.
[ ١٠٩ ]
واعلم أن الشيخين قالا: في كتب أصحاب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه اعتناء تام بتفصيل الأقوال والأفعال المقتضية للكفر، وأكثرها مما يقتضي إطلاق أصحابنا الموافقة عليه، واعترضهما الزركشي أخذًا من كلام شيخه الأذرعي وغيره بأن أكثرها مما يجب التوقف فيه، بل لا يوافق أصل أبي حنيفة، فإنه صحَّ عنه أنه قال: لا أكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ولا يجوز الإفتاء بذلك لا على مذهب الشافعي لسكوت الرافعي عنه، ولا على مذهب أبي حنيفة لأنه ذلك مخالف لعقيدته، ومن قواعده أن معنا أصلًا محققًا وهو الإيمان، فلا نرفعه إلا بيقين مثله يضاده، وغالب هذه المسائل موجودة في كتب الفتاوى للحنفية ينقلونها عن مشايخهم وكان المتورعون من متأخري الحنفية ينكرون أكثرها ويخالفونهم، ويقولون: هؤلاء لا يجوز تقليدهم لأنهم غير معروفين بالاجتهاد، ثم لم يخرّجوها على أصل أبي حنيفة؛ لأنه خلاف عقيدته، وليتنبه لهذا وليحذر من يبادر إلى التكفير في هذه المسائل منا ومنهم، فيخاف عليه أن يكفر؛ لأنه كفَّر مسلمًا، ونحن لا نكفر إلا من شاق النبي ﷺ وأنكر ما يعلم بالضرورة من شرعه أنه من الدين انتهى.
ولا يخفى عليك أن الشيخين هما الحجة وعلى ما قالاه المعوّل وإن تُعقبا بمثل هذه الكلمات.
والعجب من المتعقبين لذلك والقائلين لهذه الكلمات حيث وافقوا الشيخين على أكثرها، بل وقالوا في كثير مما قال النووي وحده أو مع الرافعي أنه ليس بكفر أن الصواب أنه كفر، وستعلم ذلك جميعه إن صدق تأملك مما سأمليه
[ ١١٠ ]
عليك مما تقر به عينك ولا تجده في كتاب غير هذا الكتاب، فإن أكثر ما مرّ وما يأتي لم أرَ أحدًا تعرض له، والحمد لواهب القوى والقدرة سبحانه، عليه أتوكل، وإليه أنيب.
حيث سكتا على شيء من هذه المسائل صحت نسبته لمذهب الشافعي، وجاز الإفتاء به ما لم يتفق المتأخرون على خلاف ما سكتا عليه، فحينئذ للمفتي أن يفتي بما اتفقوا عليه. وأما مذهب أبي حنيفة وكونه يقتضيها أو لا فلا شغل لنا به.
فمن تلك المسائل: ما لو سخر باسم من أسماء الله تعالى، أو بأمره أو بوعده أو وعيده كذا نقلاه عنهم وأقراه وهو ظاهر جليّ، إلا أن محل ما ذكر كما يعلم مما يأتي فيمن لا يخفى عليه نسبة ذلك إليه ﷾ ولا سيما الأسماء المشتركة فيستفسر ويعمل بتفسيره.
ومنها: لو قال: لو أمرني الله بكذا لم أفعل، أو لو صارت القبلة في هذه الجهة ما صليت إليها كذا نقلاه عنهم أيضًا وأقراه، وبحث الأذرعي أنه يأتي فيهما التفصيل الآتي في إن أعطاني الله الجنة، وهو قريب وإن أمكن الفرق.
ومنها: لو قال: لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها، أقرهم الرافعي، زاد في الروضة قلت: مقتضى مذهبنا والجاري على القواعد أنه لا يكفر وهو الصواب انتهى. وفصَّل غيره بين أن يقوله استخفافًا أو إظهارًا للعناد فيكفر، وإلا فلا وهو متجه ويؤيده ما يأتي في مسألة: قلم أظفارك.
[ ١١١ ]
ومنها: لو قال لغيره: لا تترك الصلاة فإن الله يؤاخذك، فقال: لو آخذني الله بها مع ما فيّ من المرض والشدة ظلمني، أو قال المظلوم: هذا تقدير الله تعالى، فقال الظالم: أنا أفعل بغير تقدير كفر.
ولو قال: لو شهد عندي الملائكة والأنبياء بكذا ما صدقتهم كفر، كذا نقلاه عنهم وأقراه، وهل لو قال: الملائكة فقط أو الأنبياء فقط يكفر أيضًا؟ الذي يظهر نعم؛ لأن ملحظ الكفر كما لا يخفى نسبة الأنبياء أو الملائكة إلى الكذب.
فإن قلت: جرى خلاف في العصمة؟
قلت: أجمعوا على العصمة من الكذب ونحوه، والذي يظهر أيضًا أنه لو قال: الرسل بدل الأنبياء كان كذلك، وهل قوله: لو شهد عندي جميع المسلمين ما صدقتهم كذلك أو لا؟ الذي يظهر: نعم، لما مرّ من أن الشرع دل على عصمتهم من الاتفاق على الكذب.
ومنها: لو قيل له: قلم أظفارك فإنه سنة رسول الله ﷺ فقال: لا أفعل وإن كان سنة كفر، أقرهم الرافعي، زاد النووي في الروضة: المختار أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد الاستهزاء انتهى. وما اختاره متعين، وكقص الأظفار حلق الرأس كما صرّح به الرافعي عنهم وأقرهم لكن محله إن كان في نسك، وإلا فلا، لاختلاف العلماء في كراهته.
[ ١١٢ ]
ومنها: قال الشيخان عنهم: واختلفوا فيما لو قال: فلان في عيني، كاليهودي والنصراني في عين الله أو بين يدي الله تعالى، فمنهم من قال: هو كفر، ومنهم من قال: إن أراد الجارحة كفر، وإلا فلا.
قالوا: ولو قال: إن الله تعالى جلس للإنصاف أو قام للإنصاف فهو كفر.
واختلفوا فيما إذا قال طالب اليمين خصمه، وقد أراد الخصم أن يحلف بالله تعالى: لا أريد الحلف بالله تعالى، إنما أريد الحلف بالطلاق والعتاق، والصحيح أنه لا يكفر.
واختلفوا فيمن ينادي رجلًا اسمه عبد الله وأدخل في آخره الكاف التي تدخل للتصغير بالعجمية، فقيل: يكفر، وقيل: إن تعمد التصغير كفر، وإن كان جاهلًا لا يدري ما يقول أو لم يكن له قصد لا يكفر.
واختلفوا فيمن قال: رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت، وأكثرهم على أنه لا يكفر انتهى كلام الشيخين رحمهما الله تعالى.
والمشهور من المذهب كما قاله جمع متأخرون أن المجسمة لا يكفرون، لكن أطلق في المجموع تكفيرهم، وينبغي حمل الأول على ما إذا قالوا: جسم لا كالأجسام. والثاني على ما إذا قالوا: جسم كالأجسام، لأن النقص اللازم على الأول قد لا يلتزمونه، ومرّ أن لازم المذهب غير مذهب، بخلاف الثاني فإنه صريح في الحدوث والتركيب والألوان والاتصال فيكون كفرًا؛ لأنه أثبت للقديم ما هو
[ ١١٣ ]
منفي عنه بالإجماع، وما علم من الدين بالضرورة انتفاؤه عنه ولا ينبغي التوقف في ذلك، وبذلك يعلم أنه لا يطلق الكفر ولا عدمه في مسألة فلان في عيني إلى آخره ومسألة القيام والجلوس المذكورين والتفصيل المنقول في مسألة التصغير هو الذي يتجه، والأوجه ما قاله أكثرهم في مسألة رؤية ملك الموت.
ومنها: قال الرافعي عنهم: قالوا: ولو قرأ القرآن على ضرب الدف والقضيب أو قيل له: تعلم الغيب؟ فقال: نعم فهو كفر.
واختلفوا فيمن خرج لسفر فصاح العقعق فرجع هل يكفر انتهى.
زاد في الروضة: قلت: الصواب أنه لا يكفر في المسائل الثلاث انتهى.
واعترض تصويبه في الثانية لتضمن قوله: نعم، تكذيب النص وهو قوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ) الأنعام/٥٩. وقوله ﷿: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) الجن/٢٦ - ٢٧. ولم يستثن الله غير الرسول.
ويجاب بأن قوله ذلك لا ينافي النص، ولا يتضمن تكذيبه لصدقه بكونه يعلم الغيب في قضيته، وهذا ليس خاصًا بالرسل، بل يمكن وجوده لغيرهم من الصديقين على أن في الآية الثانية قولًا أن الاستثناء منقطع، فيكون الرسل كغيرهم، وعلى كل فالخواص يجوز أن يعلموا الغيب في قضية أو قضايا كما وقع لكثير منهم واشتهر، والذي اختص تعالى به إنما هو علم الجميع وعلم مفاتح الغيب المشار إليه بقوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) الآية. لقمان/٣٤.
[ ١١٤ ]
وينتج من هذا التقرير أن من ادعى علم الغيب في قضية أو قضايا لا يكفر،
[ ١١٥ ]
وهو محمل ما في الروضة، ومن ادعى علمه في سائر القضايا كفر، وهو محمل ما في أصلها إلا أن عبارته لما كانت مطلقة تشمل هذا وغيره ساغ للنووي الاعتراض عليه، فإن أطلق فلم يرد شيئًا، فالأوجه ما اقتضاه كلام النووي من عدم الكفر، ثم رأيت الأذرعي قال: والظاهر عدم كفره عند الإطلاق في جميع الصور سوى مسألة علم الغيب انتهى.
ومراده بجميع الصور: مسألة الطالب ليمين خصمه وما بعدها، وما ذكره في الإطلاق وفي مسألة علم الغيب فيه نظر ظاهر، بل الأوجه ما قدمته من عدم الكفر.
ومنها: قوله لو كان فلان نبيًا ما آمنت به، وقوله: إن كان ما قاله الأنبياء صدقًا نجونا فيكفر، كذا أقراه. قال الإسنوي: الذي شاهدته بخط المصنف
[ ١١٦ ]
آمنت بدون "ما" النافية قبلها وهو كذلك في بعض نسخ الرافعي وفي بعضها ما آمنت بإثبات "ما" وهو الصواب انتهى.
وما ذكر أنه الصواب ظاهر، ويفرق بينهما بأن الأول فيه تعليق الإيمان به على تعليق كونه نبيًا وهو تعليق صحيح لما فيه من تعظيم مرتبة النبوة، وفي الثانية تعليق عدم الإيمان به على كونه نبيًا ففيه تنقيص لمرتبة النبوة، حيث أراد تكذيبها على تقدير وجودها، وهذا فرق صحيح لا غبار عليه، والذي يظهر أنه لو قال: إن كان ما قاله النبي ﷺ الفلاني صدقًا نجوت أو كفر مكذبه أو نحو ذلك يكون كفرًا أيضًا، ولا يشترط ذكر جميع الأنبياء ولا أن يكون ما قاله ذلك النبي ﷺ يقطع بأنه عن وحي.
فإن قلت: للأنبياء الاجتهاد، وجرى قول في أنه يجوز عليهم الخطأ في الاجتهاد، فإذا قال ذلك في شيء يحتمل كونه ناشئا عن اجتهاد لا وحي كيف يكفر به؟
قلت: القول بعدم الكفر حينئذ وإن كان له نوع من الظهور، لكن القول بالكفر أظهر؛ لأن الإتيان بـ "إن" التي هي للشك والتردد في هذا المقام يشعر بتردده في تطرق الكذب إلى ذلك النبي، وهذا كفر، على أن القول بجواز الخطأ عليهم في اجتهادهم قول بعيد مهجور فلا يلتفت إليه، وعلى التنزل فقوله: إن كان صدقًا يدل كما تقرر على تردد في الكذب وهو غير الخطأ، لأن الخطأ هو ذكر خلاف الواقع مع عدم التعمد بخلاف الكذب، فإنه يدل شرعًا على الإخبار بخلاف الواقع تعمدًا فنتج الكفر بذلك، وإن قلنا بهذا القول البعيد المهجور، لأن قوله: إن كان صدقًا لا ينافي بناءه عليه لما تقرر واتضح ولله الحمد.
ومنها: قوله لا أدري أكان النبي ﷺ إنسيًا أم جنيًا أو قال: إنه جُنّ أو صغر عضوًا من أعضائه على طريق الإهانة، كذا أقراه، واعترضا بأن الحليمي صرّح بخلاف ذلك في الأولى حيث قال: من آمن به ﵊ وقال: لا أدري أكان بشرًا أم ملكًا أم جنيًا لم يضره ذلك إن كان ممن لم يسمع شيئًا من
[ ١١٧ ]
أخباره ﷺ سوى أنه رسول الله ﷺ، كما لو لم يعلم أنه كان شابًا أو شيخًا مكيًا أو عراقيًا عربيًا أو عجميًا، لأن شيئًا من ذلك لا ينافي الرسالة لإمكان اجتماعهما بخلاف من قال: آمنت بالله ولا أدري أهو جسم أم لا؛ لأن الجسم لا يمكن أن يكون إلها انتهى.
وفي أمالي الشيخ عز الدين عن أبي حنيفة أن من قال: أؤمن بالنبي ﷺ وأشك في أنه المدفون بالمدينة وأنه الذي نشأ بمكة، أو أؤمن بالحج إلى البيت وشك في أنه البيت الذي بمكة لا يكون كافرًا في جميع ذلك. قال الشيخ: والحق التفصيل فنكفره في البيت دون ما عداه وذلك لأنه لا يكون كافرًا إلا بما علم أنه من الدين بالضرورة لا بما علم سواء أكان من الدين أو لا، وكون النبي ﷺ مدفونًا بالمدينة ونشأ بمكة أمر معلوم بالضرورة ولكنه ليس من الدين بالضرورة، لأنا لم نتعبد به فيكون جاحده كجاحد بغداد ومصر فإنه يكون كاذبًا لا كافرًا، وأما البيت فإن الأمة أجمعت على التكليف بعين هذا البيت ومتعلقه من الدين، لأنه إما شرط في الحج أو ركن فيه، وأيا ما كان يكون من الدين فجاحده يكون جاحدًا لما علم من الدين بالضرورة فيكون كافرًا انتهى.
وسيأتي عن الروضة عن القاضي عياض ما يردّ كلامه كما ستعلمه، وجزم بعض المتأخرين بتكفير من اعترف بوجوب الحج، ولكن قال: لا أدري أين مكة ولا أين الكعبة ولا أين البلد الذي يستقبله الناس ويحجونه، هل هي البلدة التي حجها رسول الله ﷺ؟ ووصف الله تعالى في كتابه لأنه مكذب إلا أن يكون هذا الشخص قريب العهد بالإسلام ولم يتواتر بعد عنده. قال: ولسنا نكفره لإنكاره التواتر، فإنه لو أنكر بعض غزوات النبي ﷺ أو نكاحه بنت عمر
[ ١١٨ ]
أو وجود أبي بكر وخلافته لم يلزم منه كفر، لأنه ليس مكذبًا بأصل من أصول الدين يجب التصديق به، بخلاف الحج والصلاة وأركان الإسلام انتهى.
وأنت خبير من قول الحليمي إن كان لم يسمع شيئًا من أخباره ﷺ ومما يأتي ثم، ومن قول هذا المتأخر إلا أن يكون هذا الشخص قريب العهد بالإسلام، ولم يتواتر بعد عنده أن محل ما قاله الشيخان من تكفير من قال: لا أدري أكان النبي إنسيا أو جنيًا فيمن هو مخالط للمسلمين، لأن قوله ذلك ينبئ عن تكذيبه للقرآن والسنة والإجماع بخلاف قريب العهد الذي لم يكن مخالطًا للمسلمين، فإنه لا يكفر بالتردد في شيء مما مرّ ولا بإنكاره، كما يؤخذ مما يأتي عن الروضة عن القاضي عياض لعذره، وهل قول المخالط للمسلمين لا أدري أكان شيخًا أو شابا، ً مكيًا أو عراقيًا، عربيًا أو عجميا، ً أو أنه الذي نشأ بمكة أو دفن بالمدينة يتأتى فيه التفصيل، أو لا يكفر به مطلقًا؟ للنظر فيه مجال، وقضية كلام الحليمي الأول وقضية كلام ابن عبد السلام الثاني، وقد يوجه بأن التردد في ذلك لا يترتب عليه تكذيب القرآن بخلاف التردد في كونه إنسيًا أم جنيًا.
فإن قلت: ينافي ذلك ما سيأتي عن الروضة عن القاضي عياض أن من قال: كان النبي ﷺ أسود أو توفي قبل أن يلتحي أو قال: ليس بقرشي كفر لأنه وصفه بغير صفته ففيه تكذيب له.
[ ١١٩ ]
قلت: يمكن الفرق بأنه هنا لم يجزم بذلك، وإنما تردد فيه بخلافه ثم فإنه جزم بذلك، وجزمه يستلزم التكذيب لمن هو بغير تلك الصفة، بخلاف التردد في ذلك، ومن ثم لو جزم بما ذكر هنا كان كافرًا قياسًا على ذلك، لكن سيعلم مما يأتي ثم أن الأوجه أنه حيث كان مخالطًا للمسلمين حتى ظن به علم ذلك كفر بإنكار ذلك وبالتردد فيه.
ومنها: قال الشيخان عنهم: واختلفوا فيما لو قال كان أي: النبي ﷺ طويل الظفر، واختلفوا فيمن صلى بغير وضوء متعمدًا أو مع ثوب نجس أو إلى غير القبلة، زاد في الروضة: قلت: مذهبنا ومذهب الجمهور لا يكفر إن لم يستحله. انتهى، واعترضه الإسنوي وغيره بأنه لا ينبغي أن يكفر وإن استحل ذلك، لما نقله في المجموع عن جمع من المجتهدين أن إزالة النجاسة
[ ١٢٠ ]
في الصلاة سنة لا واجبة، والاعتراض متجه للخلاف المذكور، بل ذلك قول مشهور في مذهب مالك فليس مجمعًا عليه فضلًا عن كونه معلومًا من الدين بالضرورة.
قال الأذرعي: وينبغي أن يستثني أيضًا صلاة الجنازة فقد ذهب الشعبي
[ ١٢١ ]
وغيره من السلف إلى جوازها بغير وضوء، ونسب للشافعي رضي الله تعالى عنه وإن كان غلطًا، ولم يتعرض الشيخان ولا غيرهما فيما رأيت للراجح في المسألة الأولى أعني قوله: طويل الأظفار، والذي يظهر أنه إن قال ذلك احتقارًا له ﷺ واستهزاء به أو على جهة نسبة النقص إليه كفر، وإلا فلا ويعزر التعزيز الشديد.
ومنها: لو تنازع اثنان فقال أحدهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال الآخر: لا حول لا تغني من جوع، كفر، ولو سمع أذان المؤذن فقال: إنه يكذب كفر، أو قال: وهو يتعاطى قدح الخمر أو يقدم على الزنا: بسم الله استخفافا باسم الله تعالى كفر، كذا أقراه، واعترضا بأن أبا حنيفة صح عنه أنه قال: لا أكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، وهذا الاعتراض في غاية السقوط، أما أولًا فلأنا وإن سلمنا أن أبا حنيفة وإن صرح بكونه غير كفر كذا لا ينظر إليه؛ لأن الشيخين -وكفى بهما حجة- رضياه، وأما ثانيًا فإن كلام أبي حنيفة لا ينافي ذلك، لما مر من أن الاستخفاف بنحو أمره تعالى أو تصغير اسمه كفر عندهم، فأوّلى الاستخفاف باسمه على أن قول أبي حنيفة المذكور ليس من خواص مذهبه، بل مذهبنا كذلك أيضا، والتكفير هنا لم يأت من حيث ارتكابه لذنب، بل من حيث استخفافه باسم الله تعالى المستلزم للاستخفاف به تعالى، وهذا لا يتوقف أحد في التكفير به.
[ ١٢٢ ]
ومنها: لو قال: لا أخاف القيامة، كفر، كذا أقراه، ومحله إن قصد الاستهزاء. أما إذا أطلق أو لمح سعة عفو الله تعالى ورحمته وقوة رجائه فلا يكفر.
ومنها: قالا عنهم: واختلفوا فيما لو وضع متاعه في موضع، وقال: سلمته إلى الله تعالى، فقال له آخر: سلمته إلى من لا يتبع السارق إذا سرق، ولم يرجحا شيئا، والذي يظهر أنه إن قال ذلك على جهة نسبة العجز إليه ﷾ كفر، وإن أراد سعة حلمه تعالى على السارق، أو أطلق لم يكفر، ثم رأيت الأذرعي قال: الظاهر أنه لا يكفر عند الإطلاق، وقوله: لا يتبع السارق أي لستره إياه ونحو ذلك، نعم إن ظهرت منه قرينة استخفاف فالتكفير ظاهر انتهى.
ومنها: لو حضر جماعة وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبيهًا بالمذكرين فسألوا المسائل وهم يضحكون ثم يضربونه بالمجراف، أو تشبيها بالمعلمين فأخذ خشبة وجلس القوم حوله كالصبيان فضحكوا واستهزؤوا، أو قال: قصعة من ثريد خير من العلم كفر. زاد في الروضة قلت: الصواب أنه لا يكفر في مسألتي التشبيه انتهى. ولا يغتر بذلك وإن فعله أكثر الناس حتى من له نسبة إلى العلم، فإنه يصير مرتدًا على قول جماعة، وكفى بهذا خسارًا وتفريطًا.
وظاهر كلام النووي رحمه الله تعالى التقرير على المسألة الثالثة، ولا يبعد أن يقيد بما إذا قصد الاستهزاء بالعلم بسائر أنواعه، أو أراد أنها خير من كل علم، لشموله العلم بالله وصفاته وأحكامه. أما لو أراد العلوم التي لا تتعلق بالله تعالى وصفاته وأحكامه، فلا ينبغي أن يكون ذلك كفرًا لأنه لا يلزم عليه الاستهزاء بالدين ولا تنقيصه، بخلاف ما إذا أطلق أو أراد العلم المتعلق بالله أو بصفاته أو بأحكامه لأن ذلك نص في الاستهزاء بالعلم وبالدين فكان كفرًا.
[ ١٢٣ ]
ومنها: ما لو دام مرضه واشتد فقال: إن شئت توفيتني مسلما وإن شئت توفيتني كافرًا كفر، وكذا لو ابتلي بمصائب فقال: أخذت مالي وأخذت ولدي وكذا وكذا وماذا تفعل أيضًا، أو ماذا بقي لم تفعله، ووجه الأول ما مرّ من أن تمني الكفر والرضا به كفر، ووجه الثاني نسبة الله ﷾ إلى الجور.
ومنها: لو غضب على غلامه أو ولده فضربه ضربًا شديدًا، فقال له رجل: لست بمسلم فقال: لا، متعمدًا كفر، ولو قيل له: يا يهودي يا مجوسي، فقال: لبيك، كفر، زاد النووي عفا الله تعالى عنه قلت: في هذا نظر إذا لم ينو شيئًا انتهى، والنظر واضح، والأوجه أنه إن نوى إجابته أو أطلق لم يكفر، وإن قال ذلك على جهة الرضا بما نسبه إليه كفر، ثم رأيت الأذرعي قال: والظاهر أنه لا يكفر إذا لم ينو غير إجابة الداعي، ولا يريد الداعي بذلك حقيقة الكلام، بل هو كلام يصدر من العامي على سبيل السبَّ والشتم للمدعو، ويريد المدعو إجابة دعائه بلبيك طلبًا لمرضاته انتهى.
ومنها: لو أسلم كافر فأعطاه الناس أموالًا، فقال مسلم: ليتني كنت كافرًا فأسلم فأُعطى. قال بعض المشايخ: يكفر. زاد النووي عفا الله عنه. قلت: في هذا نظر؛ لأنه جازم بالإسلام في الحال والاستقبال وثبت في أحاديث صحيحة في قصة أسامة ﵁ حين قتل من نطق بالشهادتين فقال له ﷺ: (كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قال: "حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ
[ ١٢٤ ]
يومئذ". ويمكن الفرق بينهما انتهى. وما أشار إليه أخيرًا من الفرق بين الصورتين هو الظاهر المعتمد، فإن ما هنا فيه تصريح بتمني الكفر للدنيا، وأما أسامة ﵁ فلم يتمنه، وإنما ودّ أنه لم يكن أسلم إلا ذلك اليوم حتى إنه لم يكن يقتله لأنه لم يكن حزينًا عليه، أو أن الإسلام يَجُبّ ما قبله فيسلم من تلك المعصية العظيمة، وليس في ذلك شهوة الكفر ولا تمنيه فيما مضى البتة، لأن سبب ودّه ما تقرر، وكأنه استصغر ما كان منه من الإسلام والعمل الصالح قبل ذلك في جنب ما ارتكبه من تلك الجناية، لما حصل في نفسه من شدة إنكار النبي ﷺ وغضبه.
ومنها: قال الشيخان نقلًا عنهم: لو تمنى أن لا يحرم الله الخمر، وأن لا يحرم الله المناكحة بين الأخ والأخت لا يكفر، ولو تمنى أن لا يحرّم الله تعالى الظلم أو الزنا أو قتل النفس بغير حق كفر، والضابط أن ما كان حلالًا في زمان فتمنى حله لا يكفر، لو شد الزنار على وسطه كفر، واختلفوا فيمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه. والصحيح أنه لا يكفر، ولو شد على وسطه حبلًا فسئل عنه فقال: هذا زنار فالأكثرون على أنه لا يكفر، ولو شدّ على وسطه زنارًا ودخل دار الحرب للتجارة كفر، وإن دخل لتخليص الأسرى لم يكفر، زاد في الروضة، قلت: الصواب أنه لا يكفر في مسألة التمني وما بعدها إذا لم تكن نية انتهى.
[ ١٢٥ ]
أي فحيث لم ينوِ بتمنيه ذلك جميعه سواء أكان حلالًا في ملة أم لا ما يجر إلى الكفر من نسبة الله ﷾ إلى الجور وعدم العدل ونحو ذلك بتحريمه ذلك علينا لم يكفر وإلا كفر، وتمني تغيير الأحكام، حرام كما صرّح به الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم، وحيث لبس زي الكفار سواء دخل دار الحرب أم لا بنية الرضا بدينهم، أو الميل إليه أو تهاونًا بالإسلام كفر وإلا فلا، واعترض ما ذكره النووي في مسألة زي الكفار بأن القاضي حسينًا نقل عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه لو سجد لصنم في دار الحرب لم يحكم بردته وإن لبس زي الكفار في دار الإسلام حكم بردته، ونقل في المطلب عن القاضي الارتداد في المسألتين؛ لأن الظاهر أنه لا يفعله إلا عن عقيدة، ويجاب بحمل هذا الإطلاق على التفصيل الذي أشار إليه النووي، وقد بينته، وقولي فيه: أو تهاونًا بالإسلام هو ما صرح به الخوارزمي في "كافيه" حيث قال: لو وضع على رأسه غيار أهل الذمة تهاونًا بالإسلام صار كافرًا انتهى.
وفهم ابن الرفعة من قول الرافعي السابق، والصحيح أنه إشارة إلى وجه في القلنسوة وليس كما فهم، فإن الرافعي إنما حكى الخلاف فيه عن الحنفية وهذه الفروع كلها من كتبهم، ولم ينقل منها شيئًا عن الأصحاب.
[ ١٢٦ ]
قال الأذرعي: وأعلم أن أكثر العامة يسمون ما يشد به الإنسان وسطه من حبل ونحوه زنارًا، ولا يتخيل في إطلاق هذا منهم كفر انتهى.
ومنها: قال الشيخان عنهم: لو قال: معلم الصبيان اليهود خير من المسلمين بكثير؛ لأنهم يقضون حقوق معلمي صبيانهم كفر، قالوا: ولو قال: النصرانية خير من المجوسية كفر، ولو قال: المجوسية شر من النصرانية لا يكفر، زاد النووي: قلت: الصواب لا يكفر بقوله: النصرانية خير من المجوسية إلا أن يريد أنها دين حق اليوم انتهى. وظاهر كلامه تقرير الرافعي على تقريره لهم في كفر المعلم، لكن ينبغي أن محله ما إذا قصد الخيرية المطلقة فإن أراد الخيرية في الإحسان للمعلم ومراعاته لم يكفر، وإن أطلق فهو محل نظر، والأقرب عدم الكفر.
ومنها: قالا عنهم: قالوا: لو عطس السلطان، فقال له رجل: يرحمك الله، فقال آخر: لا تقل للسلطان هذا، كفر الآخر، زاد النووي قلت: الصواب لا يكفر بمجرد هذا انتهى، ووجهه أنه إنما أنكر عليه من حيث عدم تعظيمه للسلطان، بل هذا هو الظاهر، فإن كان الإنكار من حيث إن السلطان غني عن الرحمة أو نحو ذلك كان كفرًا كما لا يخفى.
ومنها: قالوا: لو سقى فاسق ولده خمرًا فنثر قرناؤه الدراهم والسكر كفروا. قال: قلت: الصواب أنهم لا يكفرون.
ومنها: لو قيل لعبد صلِّ، فقال: لا أُصلي، فإن الثواب يكون لمولاي كفر، أقرهم الرافعي وفيه نظر، ولا يبعد أن الصواب أنه لا يكفر إلا إن قصد مع ذلك الذي اعتقده نسبة الله تعالى إلى الجور أو نحو ذلك.
[ ١٢٧ ]
ومنها: قالا عنهم: قالوا: ولو قال كافر لمسلم: اعرض عليَّ الإسلام، فقال: حتى أرى أو اصبر إلى الغد، أو طلب عرض الإسلام من واعظ، فقال: اجلس إلى آخر المجلس، كفر، وقد حكينا نظيره عن المتولي، قالوا: ولو قال لعدوه: لو كان نبيًا لم أؤمن به، أو قال: لم يكن أبو بكر الصديق ﵁ من الصحابة كفر.
قالوا: ولو قيل لرجل: ما الإيمان؟ فقال: لا أدري، كفر، ولو قال لزوجته: أنت أحب إليَّ من الله تعالى كفر.
وهذه الصور تتبعوا فيها الألفاظ الواقعة في كلام الناس وأجابوا فيها اتفاقًا واختلافًا بما ذكر، ومذهبنا يقتضي موافقتهم في بعضها، وفي بعضها يشترط وقوع اللفظ في معرض الاستهزاء انتهى كلام الشيخين.
وقد قدمنا ما يحتاج إلى التنبيه عليه حكمًا وتفصيلًا، ونقدًا وردًّا، واتفاقًا واختلافًا في جميع المسائل السابقة ولله الحمد.
وبقي الكلام في هذه المسائل الأخيرة، فأما مسألة تأخير عرض الإيمان فقد مرَّ تحقيقها عند ذكر كلام المتولي، وأما مسألة لو كان نبيًا لم أؤمن به، فقد مرَّت أيضًا والتكفير فيها واضح؛ لأنه رضي بتكذيب النبي، وأما ما قالوه في إنكار صحبة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فظاهر، بل ليس ذلك من خصوصياتهم حيث ينقل عنهم فقط، فقد نص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه كما حكاه العبادي
[ ١٢٨ ]
وحكاه أيضًا الخوارزمي في كافيه، وعبارته: لو أنكر كون أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه صحابيًا كان كافرًا، نص عليه الشافعي ﵁ لأن الله تعالى قال: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ) التوبة/٤٠. وصريح كلامهم أن إنكار صحبة غير أبي بكر ﵁ لا يكون كفرًا، لكن اختار بعضهم أن إنكار صحبة غيره المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة كفر.
ويجاب بأن شرط إنكار المجمع عليه الضروري أن يرجع إلى تكذيب أمر يتعلق بالشرع، كما في إنكار مكة بخلاف إنكار ما لا يتعلق بذلك كما مر ذلك مستوفى، وإنكار صحبة غير أبي بكر لا يتعلق به ذلك بخلاف إنكار صحبة أبي بكر؛ لأن فيها تكذيبا للقرآن، وقد مرَّ ما يؤيد ذلك، ويأتي ما يؤيده أيضًا.
قال في الكافي أيضًا: ولو قذف عائشة ﵂ صار كافراَ بخلاف غيرها من الزوجات؛ لأن القرآن الكريم نزل ببراءتها انتهى.
[ ١٢٩ ]
وأما ما قالوه فيمن قال له: ما الإيمان إلى آخره؟ فاعترض بأن الصواب مخالفتهم فيه، لأن كثيرًا من العوام جبلت فطرتهم على الإيمان ولا ينقدح لهم عبارة عنه، وقد قال الغزالي في كتابه التفرقة: ذهبت طائفة إلى تكفير عوام المسلمين لعدم معرفتهم أصول العقائد بأدلتها، وهو بعيد نقلًا وعقلًا، وليس للإيمان عبارة عما اصطلح عليه النظار، بل نور يقذفه الله تعالى في القلب لا يمكن التعبير عنه كما قال تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) الأنعام/١٢٥. وقد حكم النبي ﷺ بأنه من تكلم بلفظ التوحيد أجري عليه أحكام المسلمين، فثبت أن مأخذ التكفير من الشرع لا من العقل؛ لأن الحكم بإباحة الدم والخلود في النار شرعي لا عقلي خلافًا لما ظنه بعض الناس.
وبقي في الرافعي فروع أُخرى مما نقله عن الحنفية حذفها من الروضة؛ لأنها بالفارسية، وقد نقل القمولي تعريبها عن بعض فقهاء الأعاجم، فنذكر تعريبها معقبين كلا منها بما يقيده أو يضعفه أو يوضحه.
فمنها: لو قال: عمل الله في حقي كل خير وعمل الشر مني كفر، ونظر فيه الرافعي بقوله: (وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) النساء/٧٩. والنظر واضح حيث أطلق أو قصد أنه يخلق أفعال نفسه بالمعنى الذي تقوله المعتزلة، أما إن أراد استقلاله بالخلق، فلا شك في كفره.
ومنها: لو قال لزوجته: أنت ما تؤدين حق الجار. فقالت: لا. فقال: أنت ما تؤدين حق الله. فقالت: لا كفرت انتهى، والوجه خلافه إلا إن أرادت بذلك جحد سائر الواجبات.
ومنها: لو قال جوابًا لمن قال: كان رسول الله ﷺ إذا أكل لحس أصابعه، هذا غير أدب، كفر، وقد يوجه بأن هذا إنكار لسنة لعق الأصابع ورغبة
[ ١٣٠ ]
عنها، فيأتي فيه ما مرّ فيمن قيل له: قصّ أظفارك فقال: لا أفعل، رغبة عن السنة.
ومنها: لو قال جوابًا لمن قال: فلان بين يدي الله: يد الله طويلة، فقيل: يكفر. وقيل: إن أراد الجارحة كفر، وإلا فلا. وقد مر الكلام في المجسمة فيأتي هنا إن أراد الجارحة، أما لو أطلق، أو لم يردها فلا يكفر.
ومنها: لو قال: الله في السماء فقيل: يكفر، وقيل: لا، وقد مرَّ أن القائلين بالجهة لا يكفرون على الصحيح، نعم إن اعتقدوا لازم قولهم من الحدوث أو غيره كفروا إجماعًا.
ومنها: لو قال: الله ينظر من السماء أو من العرش أو الله يظلمك كما ظلمتني كان حكمه كسابقه، أما في غير الآخرة فواضح لأنه مجسم أو جهوي، وأما في الأخيرة فالكفر فيها واضح، نعم. إن أول تأويلًا قريبًا احتمل أن يقال بعدم كفره.
[ ١٣١ ]
ومنها: لو قال: الله يعلم أني دائمًا أذكرك بالدعاء أو أني بحزنك وفرحك مثل ما أنا بحزني وفرحي، أو قال لمن قال له: ألا تقرأ القرآن أو ألا تصلي؟: إني شبعت من القرآن أو من فعل الصلاة أو: إلى متى أعمل هذا؟ أو العجائز يصلون عنا أو الصلاة المعمولة وغير المعمولة واحد، أو صليت إلى أن ضاق قلبي أو قال لمن قال له: صل حتى تجد حلاوة الصلاة: صل أنت حتى تجد حلاوة ترك الصلاة، أو قال وهو قن: لا أصلي فإن الثواب لمولاي وفي الحكم بالكفر في جميع هذه المسائل نظر، والأوجه خلافه ما لم يرد بقوله: العجائز يصلون عنا أو بقوله: المعمولة وغير المعمولة واحد عدم وجوبها عليه، لما مرّ أن إنكار الصلاة أو نحو سجدة منها كفر. ولو أراد الاستخفاف بشيء مما قاله في المسائل كلها كفر.
ومنها: لو قال لمحوقل: لا حول أي شيء يكون؟ أو أي شيء يعمل؟ كفر، والكفر له وجه قياسًا على ما مرّ في: لا حول لا يغني من جوع إلا أن يفرق بأن تلك أقبح.
ومنها: لو قال عند سماع المؤذن: هذا صوت الجرس كفر، وفيه نظر، والأوجه خلافه إلى إن أراد تشبيه الأذان بناقوس الكفر.
ومنها: لو قال ظالم لمن قال له: اصبر إلى المحشر: أي شيء في المحشر؟ كفر وهو ظاهر إن أراد به الاستخفاف.
[ ١٣٢ ]
ومنها: لو قالت لزوجها وقد رجع من مجلس العلم: لعنة الله على كل عالم كفرت، وفيه نظر، والأوجه خلافه ما لم ترد الاستغراق الشامل لأحد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
ومنها: لو ألقى فتوى أعطاها له خصمه وقال: أي شيء هذا الشرع كفر وهو ظاهر إن أراد الاستخفاف، ويحتمل الإطلاق لأن قرينة رميها تدل على الاستخفاف.
ومنها: ما لو قالت لزوجها وقد قال لها: يا كافرة: أنا كما قلت، وهو ظاهر، ولا يتأتى فيه التفصيل فيمن أجاب من ناداه بيا يهودي كما هو ظاهر.
ومنها: لو قال لمن قال له وهو يرتكب الصغائر: تب إلى الله تعالى: أي شيء عملت حتى أتوب كفر، وفيه نظر ظاهر فالأوجه خلافه.
ومنها: لو قال: فلان كافر وهو أكفر مني كفر وهو ظاهر؛ لأنه أقر بالكفر على نفسه.
ومنها: لو قال لمحوقل: لا حول لا يسير في الزبدية، أو العلم لا يسير فيهم بريدًا، أو قال لمن أمره بحضور مجلس العلم: أي شي اعمل بمجلس العلم؟ أو قال: اذهب اعمل بالعلم، العلم في الزبدية، أو قال في حق فقيه: هذا هوسي، وفي إطلاق الكفر بجميع ذلك نظر فالأوجه أنه لا كفر عند الإطلاق.
[ ١٣٣ ]