وبعد أن أكملت هذا التأليف رأيت كتابًا مؤلفا في هذا الباب لبعض الحنفية ساق فيه جميع ما مرّ عن الحنفية وزيادات كثيرة فأحببت ذكرها في هذا
[ ١٣٤ ]
المحل تتميمًا للفائدة، فإنها اشتملت على غرائب وعجائب من ذكر كثير من محاورات الناس في حيز المكفرات، وفي هذا التأليف تسامح فإنه جعله ثلاثة فصول: فصلًا في الألفاظ المتفق على أنها كفر، وفصلًا في ألفاظ اختلف فيها، وفصلًا في ألفاظ يخشى على من تكلم بها الكفر، وحكى في الفصل الأول كثيرًا من المسائل التي مرّ أن الحنفية اختلفوا في أنها كفر أو لا. وفي الفصل الثاني ما أجمع على أنه كفر. وفي الثالث ما هو ظاهر في الكفر على قواعدهم، وستعلم ما في كل ذلك من سياقي لغالب ما فيه وإن مرّ بعضه متعقبًا كلًا من مسائله بما يبين ما فيه وأن القواعد توافقه أو تخالفه.
[ ١٣٥ ]
فمن مسائل الفصل الأول المعقود للمتفق على أنه كفر في زعمه:
أن من تلفظ بلفظ الكفر يكفر وإن لم يعتقد أنه كفر ولا يعذر بالجهل، وكذا كل من ضحك عليه أو استحسنه أو رضي به يكفر انتهى، وإطلاقه الكفر حينئذ مع الجهل وعدم العذر به بعيد. وعندنا إن كان بعيد الدار عن المسلمين بحيث لا ينسب لتقصير في تركه المجيء إلى دارهم للتعلم أو كان قريب العهد بالإسلام يعذر بجهله فيعرّف الصواب، فإن رجع إلى ما قاله بعد ذلك كفر، وكذا يقال فيمن استحسن ذلك أو رضي به.
قال: ومن أتى بلفظ الكفر حبط عمله وتقع الفرقة بين الزوجين ويجدد النكاح برضا الزوجة إن كان الكفر من الزوج، وإن كان من الزوجة تجبر على النكاح وهذا بعد تجديد الإيمان والتبرؤ من لفظ الكفر حتى أن من أتى بالشهادة عادة ولم يرجع عما قال لا يرتفع الكفر عنه، ويكون وطؤه زنا، وولده ولد زنا، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه لو مات على الكفر حبط عمله، ولو ندم وجدد الإيمان لم يحبط عمله ولا يلزمه تجديد النكاح، ولو صلى صلاة الوقت ثم أسلم لم يقضها، وعندنا يقضيها وكذا الحج، فلو أتى بكلمة فجرى على لسانه كلمة الكفر بلا قصد لا يكفر. انتهى.
وما ذكره من الخلاف في إحباط العمل عندنا وعندهم محله في قضاء ما
[ ١٣٦ ]
سبق زمن الردَّة، فعندهم يجب، وعندنا لا يجب لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) البقرة/٢١٧. فقيد الإحباط بالموت على الردة، وبه يتقيد إحباط العمل بالردة في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المائدة/٥. للقاعدة الأصولية أن المطلق يحمل على المقيد لا يقال: التقييد بالموت على الردة في الآية الأولى إنما هو لأجل قوله: (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/٢١٧. لأنا نقول: كونه قيدًا في إحباط العمل محقق، وأما جعله قيدًا لما بعده فهو محتمل، فأخذنا بالمحقق وتركنا المحتمل، على أن الآية الثانية فيها التصريح بالتقييد بالموت من جهة أنه حكم على من كفر بالإيمان بأنه يحبط عمله، وبأنه في الآخرة من الخاسرين، وهذا مستلزم لموته على الكفر، إذ لو أسلم ومات مسلمًا لم يقل في حقه: إنه في الآخرة من الخاسرين، وإنما يقال ذلك للكافر فقط، كما يشهد له استقراء النصوص، ومن ادعى خلافه فعليه البيان، أما بالنسبة لثواب أعماله التي سبقت الردة فإنه يحبط اتفاقًا منا ومنهم، أما عندهم فواضح؛ لأنه إذا وجب القضاء صارت تلك العبادات كأنها لم تفعل، وأما عندنا فكذلك كما نص عليه الشافعي ﵁ في "الأم"، ويفرق على طريقته بين عدم وجوب القضاء وإحباط الثواب بأن ملحظ وجوبه عدم الفعل بالكلية أو وقوعه مع عدم الإجزاء، ولا شيء من هذين هنا؛ لأن الفرض أنه حال إسلامه فعل الواجبات بشروطها فوقعت مجزئة، فلا يجب قضاؤها إلا بنص صحيح صريح في ذلك، وقد عملت أن الآية المقيدة ناصة على خلافه.
وأما ملحظ الثواب فهو القبول بمعنى الإثابة، وبالردة يتبين أن لا قبول لأنه وجدت منه الآن حالة تنافي تأهله للثواب من كل وجه، فسقط حينئذ، وبعد سقوطه الأصل عدم عوده له حتى يدل دليل على عوده بالإسلام، فتأمل هذا الفرق فأنه دقيق، ولم أرَ من حام حوله ولا بأدنى إشارة.
[ ١٣٧ ]
ومحل الخلاف أيضًا فيما قبل الردة كما مرّ، فما مضى عليه فيها يلزمه إعادته مطلقا.
وما ذكره في الفرقة بين الزوجين عندنا فيه تفصيل غير تفصيلهم، وهو أن الردة إن كانت قبل الدخول أبطلت النكاح سواء ارتدا أم أحدهما، معًا أو مرتبًا، لأن النكاح إلى الآن ضعيف لخلوه عن المقصود به وهو الوطء وإن كانت بعده وقف على انقضاء العدة، فإن جمعهما الإسلام قبل انقضائها فالنكاح بحاله وإلا بان انفساخه من حين الردة.
وما قاله في تجديد الإيمان من أنه لا يكفي مجرد لفظ الشهادة، بل لا بدّ معه من التبرؤ، مما كفر به ظاهر موافق لمذهبنا، فينبغي التنبيه لهذه المسألة فإنها مهمة، كثيرًا ما يغفل عنها ويظن أن من وقع في مكفر مما مرّ أو يأتي، يرتفع حكمه عنه بمجرد تلفظه بالشهادتين وليس كذلك، بل لا بدّ مما ذكر.
وما ذكره من أن من سبق لسانه لمكفر لا يكفر ظاهر موافق لمذهبنا أيضا، ومحل ذلك بالنسبة للباطن، أما بالنسبة للظاهر فظاهر ما ذكره أئمتنا في باب الطلاق أنه لا يصدق في ذلك إلا بقرينة.
قال: ومن وصف الله بما لا يليق به أو سخر باسم من أسمائه تعالى أو بأمر من أوامره أو نهي من نواهيه، أو أنكر أمره أو نهيه أو وعده ووعيده، أو قال: فلان في عيني كيهودي في عين الله، أو قال: يد الله وعَنَى الجارحة، أو قال: الله تعالى في السماء أو على العرش، وعنى به المكان، أو ليس له نية، أو قال: ينظر إلينا ويبصرنا من العرش، أو قال: هو في السماء أو على الأرض، أو قال: لا يخلو منه المكان، أو قال: الله فوق وأنت تحته، أو قال: أنصف الله ينصفك يوم القيامة، أو قال: الله قام أو نزل أو جلس للإنصاف انتهى.
وما ذكره أولًا إلى قوله "ووعيده" مرّ عنهم بقيده.
وما ذكره فيمن قال: فلان في عيني إلى آخره من أنه كُفر اتفاقا، في الاتفاق نظر بل لا يصح، وكذا في إطلاق الكفر؛ لأنه إنما يأتي بناءً على تكفير المجسمة والجهوية، ومرّ ما فيه من الخلاف والتفصيل.
[ ١٣٨ ]
وما ذكر في: ليس له نية في الكفر نظر فضلًا عن كونه متفقًا عليه لأن النية القصد.
وقد ذكر النووي عفا الله عنه في شرح المهذب أنه يقال: قصد الله كذا بمعنى أراد، فمن قال: ليس له نية، أي: قصد، فأن أراد أنه ليس له قصد كقصدنا فواضح، وكذا إن أطلق، أو أراد أنه لا إرادة له أصلًا، فإن أراد المعنى الذي يقوله المعتزلة فلا كفر أيضًا، أو أراد سلبها مطلقًا لا بالمعنى الذي يقولونه فهو كفر.
وما ذكره في: أنصف الله ينصفك يوم القيامة، من أنه كفر، فيه نظر ظاهر، لأنه إن أراد به أنك إن أطعته أثابك فواضح أنه غير كفر، وإن أراد حقيقة الإنصاف المشعرة بالاحتياج اتجه الكفر؛ لأن من اعتقد أن الله يحتاج إلى أحد من خلقه فلا شك في كفره، وإن أطلق تردد النظر فيه، والظاهر أنه غير كفر؛ لأن الإنصاف لا يستلزم ذلك، وعلى تسليم أنه يستلزمه فلا بدّ من قصد ذلك اللازم كما عُلم مما مرّ في المجسمة.
قال: أو قال: يا رب اكفنا رأسًا برأس، أو قال: أنا كافر أو بريء من الله أو من النبي أو من القرآن أو من حدود الله تعالى أو من الشرائع أو من الإسلام ولم يعلق بشيء، أو قال: يمينك والضراط سواء، أو قال له خصمه: أحاكمك بحكم الله تعالى، فقال: لا أعرف الحكم، أو ما يجري الحكم هنا، أو ليس هنا حكم ما هنا إلا دبوس، إيش يعمل الحكم هنا. انتهى.
وما ذكره في: يا رب اكفنا رأسًا برأس في كونه كفرًا مطلقًا نظر فضلًا عن كونه متفقًا عليه، فقد نُقل عن الشيخ الأمام أبي محمد الجويني والد إمام الحرمين الذي قيل في ترجمته: لو جاز أن يرسل الله نبيًا في زمن أبي محمد الجويني لكان هو أبا محمد الجويني إنه كان يحيي الليل ثم يقول عند السحر: سواء بسواء أي: لا شيء لي ولا شيء عليّ، ولك أن تفرق بين هذا اللفظ واكفنا رأسًا برأس، بأن ذكر الكفاية يستدعي أنك كما تكفينا نكفيك
[ ١٣٩ ]
ففيه إشعار باحتياج الله ﷾ إلينا، فكأن الحنفية نظروا لذلك، ومع ذلك ففي إطلاق الكفر نظر، بل ينبغي التفصيل بين أنه يريد هذا المعنى فيحكم بكفره، وبين أن يريد اكفنا سواء بسوء: أي لا شيء لنا غير طلب الكفاية كما لا شيء علينا فلا كفر، وكذا إن أطلق؛ لأن اللفظ ليس نصًا في المعنى الأول، ولا ظاهرًا فيه.
وما ذكره فيما بعد ذلك ظاهر وقد مرّ ما يوافقه.
وما ذكره في يمينك والضراط سواء إنما يتجه إن أراد باليمين المقسم به الذي هو اسم من أسماء الله تعالى أو صفة من صفاته، أما لو أقسم بنحو طلاق أو إعتاق فلا كفر كما هو ظاهر، وكذا إن أقسم بالأول وأراد بيمينه فعله الذي هو حلفه دون المحلوف به، ويتردد النظر هنا فيما لو أطلق، وقد أقسم بالأول ويظهر أنه لا كفر، لما علمت أن اليمين مترددة بين الفعل والمحلوف به وتبادرها إلى المحلوف به إن سلم لا يقتضي الحكم بالكفر عند الإطلاق لما علمت من أنها مع ذلك محتملة احتمالًا غير بعيد، وعند وجود الاحتمال الذي هو كذلك لا يتجه الكفر، وذكر اسم نبي أو ملك في اليمين كذكر اسم الله تعالى فيما ذكرته فيه من التفضيل، ولا يمنع من ذلك كراهة الحلف به لأنها لمعنى آخر غير ما نحن فيه.
[ ١٤٠ ]
وما ذكره في: لا أعرف الحكم وما بعده إنما يتجه الكفر فيه عندنا إن أراد الاستهزاء بحكم الله تعالى أو استخفافه.
قال: أو قال: أنت أحب إليّ من الله تعالى أو من النبي أو من الدين، أو قال: لو كنت إلهًا ما أخذت ظلمي منك، أو قال: ظلمني الله أو هو ظالم، أو قال: الله تعالى جعل الإحسان في حق جميع الخلق والسوء في حقي، أو قال: أنا كالإله، أو الله في ست جهات، أو يوجد في كل مكان، أو أنكر الله أو شك فيه أو في آياته أو سخر بها انتهى.
وما ذكره في: أنت أحب إليّ من الله أو من النبي محتمل، وكذا من الدين
[ ١٤١ ]
إن أراد تنقيصه بذلك، بخلاف ما لو أطلق أو أراد الإخبار عن قبح خلق نفسه من أن ميلها إلى ما يضرها أكثر منه إلى ما ينفعها.
وما ذكره من الكفر في بقية الصور واضح وقد مرّ بعضه، نعم ما ذكره في: الله في ست جهات، أو يوجد في كل مكان مرّ أنه لا يأتي إلا على الضعيف من إطلاق كفر المجسمة.
قال أو قال: ذهب بخلدي (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الإخلاص/١. أو قال: أخذت بريقي (ألم) أو قال: يا أقصر من (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر/١ انتهى.
وهذا ما رأيته في النسخة التي اطلعت عليها، وهو كلام مظلم يكاد أن يكون لا معنى له، ولعله تحريف من ناسخ.
ويمكن أن يكون في الأول إشارة إلى أن من قال: وقع بخلدي أي فكري مثل سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كان كافرًا ولا شك في ذلك، لأنه إذا جوَّز على نفسه أنه يأتي بمثل تلك السورة أبطل إعجاز القرآن، وإنكار إعجازه كفر.
وأن يكون في الثاني إشارة إلى ما وقع في شعر بعض المجازفين المشهورين من أنه يريد محبوبه شفاء أول سورة البقرة بأول سورة الأعراف أي شفاء ألمه بالمص من ريق محبوبه فصحف الحروف المقطعة، أوّل الأولى بـ (ألم) وأوّل الثانية بـ (المص) مصدر مص، وهذا تهور فاحش، ومع ذلك إطلاق الكفر فيه بعيد إلا فيمن قال: إن هذا معنى تلك الحروف لأنه حينئذ مكذب ببعض القرآن.
وأن يكون في الثالث إشارة إلى أن من ادعى أن الإعجاز وقع بأقصر من آية (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) وزعم أن هذا كفر ليس في محله، فقد قال بعض الأئمة: إن الإعجاز وقع بآية وهو قول شهير وله وجه ظاهر، فلا يتصور القول بأنه كفر بل يعد من محاسن قائله، وإن كان الجمهور على خلافه.
قال: أو قرأ القرآن على ضرب دف أو مزمار أو غيره انتهى.
ومرّ عن الروضة تصويب عدم الكفر.
قال: أو قال: من يقرأ عند المريض (يس) لا يصح. أو قال للقارئ: لا
[ ١٤٢ ]
تقرأ عنده (يس) أو قال: لمن يقرأ القرآن بالاستهزاء (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) القيامة/٢٩. أو ملأ قدحًا فقال: (وَكَاسًا دِهَاقًا) النبأ/٣٤ أو فزع فقال: (فَكَانَتْ سَرَابًا) النبأ/٢٠ أو قال بالاستهزاء عند الوزن أو الكيل: (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) المطففين/٣. أو رأى جمعًا فقرأ باستخفاف: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) الكهف/٤٧. أو قال: اجعل بيننا مثل: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) الطارق/١ وكذا في نظائرها، أو دعي إلى الصلاة فقال: أنا أصلي لأن (الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) العنكبوت/٤٥. أو قال: كل التفشلة لتذهب الريح، قال الله تعالى: (فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) الأنفال/٤٦ انتهى.
وفي الكفر في سورة يس نظر، فضلًا عن كونه متفقًا عليه، بل الصواب أنه لا يكفر إلا إن أراد بذلك الاستخفاف بسورة يس.
وما ذكره في الصور بعدها من الكفر ظاهر بقيده الذي ذكره، وهو أن يستعمل القرآن في غير ما وضع له بقصد الاستخفاف أو الاستهزاء بخلاف استعماله في ذلك لا بهذا القصد لكن لا تبعد حرمته، وليس كالتضمين كما هو ظاهر. على أن جمعًا قالوا بحرمة التضمين أيضًا، كما بينت ذلك بفوائد نفيسة، لا يُستغنى عنها، في شرح العباب قبيل باب الغسل.
قال: أو قال: المصحف آلة الفساد واللهو، أو لم يقر بكتاب الله تعالى، أو قال: القرآن حكايات جبريل، وينكر وحي الرب الجليل، أو شتم ملك الموت، أو لم يقر بالأنبياء والملائكة، أو اغتاب نبيًا أو صغر اسمه أو لم يرض بسنته، أو قال: لو كان فلان نبيًا لا أؤمن به، أو قال: لو أمر الله بكذا لم أفعل، أو قال: لو صارت القبلة إلى هذه الجهة ما صليت إليها انتهى.
وما ذكره في المصحف والقرآن ظاهر جلي، وفي شتم ملك الموت غير
[ ١٤٣ ]
بعيد، ويلحق بالأنبياء والملائكة النبي الواحد إذا أُجمع على نبوته وعلمت من الدين بالضرورة، وكذا في الملك الواحد كجبريل ﵊ وكاغتياب النبي ذكر كل منقص له كما يعلم مما مرّ، ومما يأتي.
وما ذكره في تصغير اسمه مرّ تقييده بما إذا قصد به احتقاره، وفي عدم رضاه بسنته إن أراد به نبينا ﷺ فظاهر؛ لأنه يجب الإيمان بشريعته إجمالًا وتفصيلًا أو غيره من بقية الأنبياء، وهو ما يصرح به كلامه، ففي إطلاق الكفر نظر؛ لأن الإيمان إنما يجب ببقية الأنبياء إجمالًا فقط، فالذي يتجه أنه لا يكفر إلا إن أراد بسنته طريقته، لأن عدم الرضا بطريقته يشمل عدم الرضا بنبوته، وأيضًا فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم متفقون في أصل التوحيد والعقائد، وإنما الخلاف بين شرائعهم في الفروع فقط؛ لأن مدارها على المفاسد والمصالح، وهي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، بخلاف مسائل أُصول الدين فإنها لا تختلف بذلك، فمن ثم لم يختلفوا فيها، وحينئذ فعدم الرضا بطريقة واحد منهم يستلزم عدم الرضا بجميع أصول الدين، لما علمت أن طريق كل واحد منهم مشتملة على جميع تلك الأصول.
وما ذكره في: لو كان فلًان نبيًا والمسألتين بعده مرّ ذلك بما فيه من التقييد والتفصيل فراجعه.
قال: أو قال: لا أعرف النبي إنسيًا أو جنيًا، أو قال استخفافًا: النبي طويل الظفر خَلِقُ الثياب جائع البطن كثير النساء، أو قيل له: قص شاربك فإنه سنة، فقال بالإنكار: لا أفعل، أو كان النبي يحب القرع أو الخل،
[ ١٤٤ ]
فقال: لم أرهما أو لا أرى بينهما شيئًا، أو قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقال آخر: لا حول ما تغني أو ما تنفع، أو إيش تعمل بها، أو لا تغني من جوع ولا عطش، أو لا تؤمن من خوف أو لا تثرد في قصعة انتهى.
والمسألة الأولى تقدمت بما فيها، وكذا الثانية وتقييده لها بالاستخفاف حسن، ولا يشترط الجمع بين الألفاظ التي ذكرها فيها، بل واحد منها أو من غيرها مع الاستخفاف كفر.
وما ذكره في قص الشارب مرّ مثله في نحو: قلم أظفارك بما فيه.
وما ذكره في القرع أي: الدّباء والخل فيه نظر، ويتجه أنه لا كفر إن أراد الإخبار عن طبعه أو أطلق، بخلاف ما لو أراد بعدم محبته لهما أو لأحدهما عدمها، لكونه ﷺ كان يحب ذلك؛ لأن إرادة ذلك فيها استهزاء به ﷺ، واحتقار له.
وما ذكر في: لا حول إلى آخره مرّ تقييده لكن هنا زيادة صور وإلحاقها بها الذي جرى عليه هذا الحنفي ظاهر.
قال: وكذا إذا قال عند التسبيح أو التهليل والتكبير أو الاستغفار أو استماع علم غَضِبًا: سمعت هذه الكلمات كثيرًا، أو قال: باسم الله عند أكل حرام أو شربه، أو سمع الغناء فقال: هذا ذكر الله تعالى، أو سمع الأذان فقال: هذا صوت الحمار أو الجرس، أنا لا أحبه أو سمع حديث: (بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ) فقال: كذب، أو أعاده على وجه الاستهزاء، أو قيل له: قل: لا إله إلا الله فقال: إيش من هذه الكلمات حتى أقول: لا إله إلا الله، أو قيل لفاعل ذنب: قل: أستغفر الله، فقال استخفافا: إيش فعلت حتى أقول: أستغفر الله انتهى.
[ ١٤٥ ]
وقوله "غضبًا" راجع إلى جميع ما بعد كذا، والكفر حينئذ واضح؛ لأن قوله: سمعت هذا كثيرًا مع الغضب يدل بطريق التصريح أو قريب منه على الاستخفاف بالذكر، ولا شك أن الاستخفاف به من حيث هو ذكر كفر.
وشرط الكفر بالبسملة على الحرام أن يقصد الاستخفاف بها، كما علم مما مرّ وبقوله في الغناء: هذا ذكر إن قصد أنه مثله من كل وجه استخفافا بالذكر، فإن أطلق أو قصد أن بينهما مشابهة ما لم يتجه الكفر حينئذ، ومسألة سماع المؤذن مرّت بما فيها لكن في هذه زيادة: أنا لا أحبه، والظاهر أن في الزيادة لا تقتضي الحكم بالكفر مطلقًا، بل لا بدَّ أن يقصد أنه لا يحبه من حيث هو ذكر، فحينئذٍ الكفر محتمل.
وقوله عند سماع ذلك الحديث: كذب، إن أعاد الضمير فيه على النبي ﷺ كفر مطلقًا، وكذا لو أعاده على وجه الاستهزاء، مع علمه بأنه حديث، بخلاف ما لو أعاد الضمير على المتكلم، أو أعاد إلى لفظ الحديث على وجه الاستبعاد لجهله المعذور به فإنه لا يكفر.
وقد وقع قريبًا أن أميرًا بنى بيتًا عظيمًا فدخله بعض المجازفين من أهل مكة فقال: قال ﷺ: (لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ) وأنا أقول: وتشد الرحال إلى هذا البيت أيضًا، وقد سئلت عن ذلك. والذي يتحرر فيه أنه بالنسبة لقواعد الحنفية والمالكية وتشديداتهم يكفر بذلك عندهم مطلقًا، وأما بالنسبة لقواعدنا وما عرف من كلام أئمتنا السابق واللاحق، فظاهر هذا اللفظ استدراك على حصره ﷺ وإنه ساخر به وأنه شرع شرعًا آخر غير ما شرعه نبينا ﷺ وأنه ألحق هذا البيت بتلك المساجد الثلاثة في الاختصاص على بقية المساجد بهذه المزية العظيمة التي هي التقرب إلى الله تعالى بشد الرحال إليها، وكل واحد من
[ ١٤٦ ]
هذه المقاصد الأربعة التي دلّ عليها هذا اللفظ القبيح الشنيع كفر بلا مرية، فمتى قصد أحدها فلا نزاع في كفره، وإن أطلق فالذي يتجه الكفر أيضًا لما علمت أن اللفظ ظاهر في الكفر، وعند ظهور اللفظ فيه لا يحتاج إلى نية كما علم من فروع كثيرة مرّت وتأتي، وإن أُوِّل بأنه لم يرد إلا أن هذا البيت لكونه أعجوبة في بلده يكون ذلك سببًا لمجيء الناس إلى رؤيته، كما أن عظمة تلك المساجد اقتضت شد الرحال إليها قُبِلَ منه ذلك، ومع ذلك فيعزر التعزير البليغ بالضرب والحبس وغيرهما بحسب ما يراه الحاكم، بل لو رأى إفضاء التعزير إلى القتل كما سيأتي عند أبي يوسف لأراح الناس من شره ومجازفته، فإنه بلغ فيهما الغاية القصوى تاب الله علينا وعليه آمين.
وما ذكره من كفر من قيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال ما مرّ، إنما يتضح إن نوى بذلك الاستهزاء أو الاستخفاف نظير ما قاله بعد فيمن قيل له: قل: أستغفر الله.
قال: أو سخر بالشريعة أو بحكم من أحكامها، أو قال بعد فراغ صلاة: عملت سخرة أي: من التسخير في الأعمال الشاقة ظلمًا أو لي زمان ما عملت سخرة، أو قال: أكون قوّادًا إن صليت وطوّلت الأمر على نفسي، أو قال: من يقدر أن يتم هذا الأمر، أو قال: العاقل لا يشرع في أمر لا يقدر أن يتمه، أو قال: الناس يعملون الصلاة لأجلي، أو قال: غسلت رأسي من الصلاة، أو قال: أعطيتها للزراعة حتى يزرعوها، أو قال: أؤخر حتى يجيء رمضان أصلي جميعها،
[ ١٤٧ ]
أو قال: كم صليت ما أصبت خيرًا، أو قال: أبي وأمي كانا يعيشان فلما صليت ماتا، أو قال: الصلاة لا تصلح لي، إذا صليت هلك مالي، أو قال: إن صليت أو لم أصل سواء، أو قال: لا أصلي حتى أجد حلاوة الإيمان. أو قال: كم هذه الصلاة أصلي، وقلبي نفر منها. أو قال بالاستهزاء في رمضان هذه صلوات كثيرة وزيادة. أو قال: صلاة ليست بشيء لو بقيت تحمض أو تنتن أو لا يتغير عجينها، أو قال: هذه فعل الكسلان أو فعلك وليس فعل أحد غيرك. أو قال: ليت رمضان لم يكن فرضًا آخر. أو قال: هذا الصوم نفر قلبي منه وهو ضيف ثقيل انتهى.
وما ذكره من كفر من سخر بالشريعة أو حكم منها اتفاقا ظاهر بخلاف جميع ما ذكره في مسائل الصلاة والصوم، فإن إطلاق الحكم بكفر قائل واحدة من تلك الصور لا يظهر وجهه فضلًا عن كونه متفقًا عليه، بل كثير منها لا وجه للحكم بكفر قائله إلا بنوع تكلف وتعسف.
فالذي يتجه فيمن قال عن الصلاة أو غيرها من الطاقات: إنها سخرة أنه يكفر سواء أراد حقيقة السخرة السابقة أم أطلق، أما الأولى فواضح لأنه نسب الله تعالى إلى الجور والظلم، وأما الثانية فلأن ذلك هو وضع السخرة فلم يحتج إلى قصده، بخلاف ما لو قصد أنه لعدم خشوعه مثلًا لا ثواب له في صلاته فأشبهت السخرة حينئذ، فإنه لا يبعد قبول تأويله.
وفي مسألة القيادة وما بعدها لا يكفر إلا أن قصد بذلك الاستخفاف أو الاستهزاء بالصلاة أو الصيام، أو استحل تركهما أو أحدهما لغير عذر، أو أن الصلاة يتشاءم بها من حيث كونها صلاة، فحينئذٍ يكفر بخلاف ما لو أطلق أو قصد معنى آخر.
[ ١٤٨ ]
ومرّ عن الرافعي مسائل من ذلك عنهم مع تعقبها فلا يغب عنك استحضارها.
قال: أو قيل: لِمَ لم تأمر بالمعروف ولا تنه عن المنكر؟ فقال: إيش عمل بي أو ما يجب، أو قال: هذا فُشار أو غوغاء وهذيان على وجه الإنكار، أو قال: إيش فضولي أنا، أو قيل له: كل حلالًا فقال: الحرام أحب إليَّ، أو قال: هات آكل الحلال أسجد له، أو قال: يجوز لي الحرام، أو قال: ليت الزنا أو اللواط أو الظلم حلال، أو دفع لفقير حرامًا من مال مسلم أو ذمي وهو يعلمه ورجا ثوابه أو دعاء الفقير، أو قال: لم تثبت حرمة الخمر في القرآن أو إيش أعمل بالشريعة وعندي الدبوس، أو قال: وقد أخذ دراهم بقوته: حين أخذت الدراهم أين كانت الشريعة والقاضي؟ أو أنا أريد الذهب والفضة إيش أعمل بهذه الأحكام، أو صدق كلام أهل الأهواء، أو قال: عندي كلامهم كلام معنوي أو معناه صحيح، أو حَسَّنَ رسوم الكفار، أو قال: بارك الله في كذبك. أو قيل له: لا تكذب فقال: قلت من كلمة الإخلاص انتهى.
وما ذكره قبل مسألة التمني في إطلاق الكفر به نظر ظاهر. والذي يتجه في مسائل الأمر بالمعروف أنه لا كفر فيها، إلا إن قال شيئًا من ذلك على وجه
[ ١٤٩ ]
الاستهزاء لما مر أن من سخر بحكم من أحكام الشريعة كفر، لا شك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكم شرعي، فمن قال فيه شيئًا من ذلك استهزاء أو سخرية كفر وإلا فلا، وإن قال ما يجب لأنه غير معلوم من الدين بالضرورة.
والذي يتجه أيضًا في: الحرام أحب إليّ أنه لا يكفر إلا إن أراد أنه يحب سائر أنواع الحرام دون سائر أنواع الحلال الصادق بالمباح والمندوب والواجب.
والوجه أنه لا يكفر أيضًا بـ: هات آكل الحلال أسجد له؛ لأن نفس السجود لإنسان آخر لا يكون كفرًا مطلقًا، بل في بعض صوره كما صرّح به الأئمة، ومرَّ في ذلك مزيد بحث وتفصيل، فإذا كان هذا في السجود له بالفعل فما ظنك بالعزم عليه، على أن ذلك إنما يراد به الدلالة على استبعاد وجود شخص لا يأكل إلا الحلال الصرف، أو على تعظيمه فلا وجه لإطلاق الكفر به.
والوجه أيضًا أنه لا يكفر من قال: يجوز لي الحرام إلا إن نوى العموم أو الحرام المعلوم من الدين بالضرورة.
وأما مسألة التمني فتقدم الكلام فيها مستوفى.
ورجاء الثواب على الحرام إنما يتجه كونه كفرًا إن أعتقد أنه يثاب على الحرام، من حيث كونه حرامًا لأنه مكذب للنصوص حينئذٍ، بخلاف ما لو نوى أن الثواب من جهة أخرى غير جهة كونه حرامًا فإن ذلك لا محذور فيه، إذ المحققون على أن الصلاة في الدار المغصوبة أو الثوب المغصوب أو الحرير أو نحو ذلك فيها الثواب وإن كانت حرامًا لانفكاك الجهة.
وما ذكره في رجاء دعاء الفقير بعيد، بل لا وجه له فالصواب أنه لا يكفر به.
وكفر زاعم أنه لا نص في القرآن على تحريم الخمر ظاهر، لأنه مستلزم لتكذيب القرآن الناص في غير ما آية على تحريم الخمر.
[ ١٥٠ ]
فإن قلت: غاية ما فيه أنه كذب، وهو لا يقتضي الكفر.
قلت: ممنوع لأنه كذب يستلزم إنكار النص المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم يتجه أنه لو قال: الخمر حرام، وليس في القرآن نص على تحريمه لم يكفر؛ لأنه الآن محض كذب، وهو لا كفر به.
وما ذكره من الكفر في مسألة الشريعة والقاضي والأحكام المذكورات ظاهر إن قال ذلك استهزاء أو استخفافا، وكذا إن أطلق على احتمال فيه لأن اللفظ ظاهر في الاستخفاف أو الاستهزاء.
وما ذكره من الكفر في تصديق أهل الأهواء إنما يتجه إن أراد بهم ما يعم من نكفرهم ببدعتهم، أما من لا نكفرهم فتصديقهم غير كفر.
وما ذكره من الكفر في: بارك الله في كذبك لا يظهر له وجه إلا إن أراد أن الكذب من حيث هو كذب قربة بسائر اعتباراته تطلب البركة فيها من الله تعالى.
وما ذكره في المسألة الأخيرة ظاهر إن أراد أن ما قاله الموصوف بالكذب من أجزاء كلمة الإخلاص بخلاف ما إذا أطلق لأن اللفظ ليس ظاهرًا في الأول، أو أراد الرد على من نسبه للكذب بأن ما يقوله حق، كما أن سورة الإخلاص حق، فإنه لا كفر بذلك، كما هو ظاهر لاحتمال اللفظ لذلك احتمالًا قريبًا.
قال: أو قال: العلم الذي يتعلمونه أساطير وحكايات أو هذيان أو هباء أو تزوير، أو قال: إيش مجلس الوعظ أو العلم، والعلم لا يثرد، أو وَعَظَ على
[ ١٥١ ]
سبيل الاستهزاء، أو ضحك على وعظ العلم، أو قال لرجل صالح: كن ساكنًا حتى لا نقع وراء الجنة، أو قال: إيش هذا القبيح الذي حففت شاربك، أو قال: بئس ما أخرجت السنة. أو قال: الكفر والإيمان واحد، أو لا أرضى بالإيمان، أو لا أدري أين مصير الكافر، أو أهل الأهواء، أو قال: سخيّ أهل الكفار أو أهل الأهواء يدخل الجنة، أو رأى سلطانًا فقال: إله عظيم، أو قال بالفارسية: خداي بزرك وهو يعلم تفسيره انتهى.
وما ذكره من الكفر بتلك الأوصاف التي للعلم ظاهر، لكن إن أراد العلم من حيث هو أو خصوص علم أُصول الدين أو علم التفسير أو الحديث أو الفقه.
وما ذكر في إيش مجلس الوعظ إلى آخره إنما يتجه إن أراد الاستهزاء، وكذا إن أطلق على احتمال قوي فيه لظهور هذا اللفظ في الاستخفاف بمجلس الوعظ أو العلم، وقد مرّ في: قصعة ثريد خير من العلم كلام استحضره هنا.
وما ذكره في الوعظ استهزاء إنما يتجه إن أراد الاستهزاء بالوعظ، وكذا بالوعظ من حيث هو وعظ، أما لو أراد الاستهزاء بالواعظ وبكلماته لا من حيث كونه واعظًا فلا يتجه الكفر حينئذٍ، وكذا يقال في الضحك على الواعظ.
وما ذكره في: كن ساكنًا إلى آخره إنما يتجه أيضًا إن أراد الاستهزاء بالجنة، أو بالعمل المقرب إليها، وإلا فلا وجه لإطلاق الكفر فيه فضلًا عن كونه متفقًا عليه كسابقه ولاحقه.
وما ذكره من الكفر في مسألة الشارب لا يظهر أيضًا إلا أن أراد عيب السنة أو نحوه نظير ما مرّ في قص أظفارك.
وما ذكره من إطلاق الكفر في بئس ما أخرجت السنة والمسائل بعده إلى قولي انتهى ظاهر؛ لأنه صريح في الاستهزاء بالدين.
نعم ما ذكره في أهل الأهواء إنما يصح إن أراد بهم الكفرة وما يعمهم نظير ما مرّ، لا المسلمين منهم.
[ ١٥٢ ]
والظاهر أنه لا يقبل تأويله في كل هذه المسائل؛ لأن لفظها يأباه.
نعم إن قال: لم أرد بقولي: إله عظيم أو خداي بزرك: أي الله كبير إلا أنَّ مُعْطِيَ هذا المُلكِ لهذا الرجل إله عظيم أو الله الكبير، قُبِلَ منه؛ لأن الفرض أنه لم يقل: هذا إله عظيم ولا هذا خداي بزرك، وحيث لم يقل ذلك تقبل إرادته ما ذكر، بل لو قيل: لا ينبغي أن يكفر إلا إن قصد أن قوله: إله عظيم أو خداي بزرك وصف للسلطان الذي رآه لم يبعد.
قال: أو قال له كافر: اعرض عليّ الإسلام، فقال: لا أدري صفة الإيمان، أو قال: اذهب إلى فلان الفقيه، أو أسلم كافر فمات أبوه فقال: ليتني لم أسلم لأجل الميراث، أو نادى مناد: يا كافر، فقال: لبيك، أو قال: أنا كافر إيش عليك، أو قال: عملت بي عملًا حتى كفرت، أو علّم الارتداد للمطلقة بالثلاث لتحل لزوجها بلا محلل ارتد، ولو رضيت هي ارتدت ولم تحل لزوجها، وكذا لو ارتدت ولحقت بدار الحرب، ثم سبيت فاشتراها مطلقها ثلاثًا لم يطأها إلا بالتحليل من مسلم بعد إسلامها عند أهل السنة، خلافًا للروافض والفلاسفة. أو قال لمن أسلم: أي ضرر لحقك في دينك حتى انتقلت عنه إلى دين الإسلام، أو قال: هذا زمان الكفر ما بقي زمان الإسلام، أو قال لولده: ولد الكافر، أو شد في وسطه الزنار باختياره، أو دخل دار الحرب ولبس ثوب الكفار، بخلاف ما لو دخل لتخليص الأسرى وبخلاف ما لو لبس السواد في الدارين؛ لأن لبس السواد حلال والبياض أفضل انتهى.
وما ذكره في المسألتين الأولتين هو المعتمد كما قدمته بما فيه، لما مرّ أنه متضمن للرضا ببقائه على الكفر ولو لحظة، والرضا بالكفر كفر، ومسألة تمني الكفر مرّت أيضًا بما فيها، وكذا مسألة الإجابة بلبيك مرت بما فيها فراجع ذلك.
والكفر في قوله: أنا كافر واضح، وكذا فيما بعدها إلى الفلاسفة، وكفر من
[ ١٥٣ ]
قال لمن أسلم ما ذكر ظاهر إن أراد الرضا ببقائه على الكفر لا مطلقًا كما علم مما مرّ، وإطلاق الكفر فيمن قال: هذا زمان الكفر إلى آخره لا يظهر إلا إن أراد تسمية الإسلام كفرًا أو نحو ذلك، بخلاف ما لو أطلق أو أراد أنه غلب على أهله الكفر، فإن الوجه أنه لا يكفر بذلك، وقوله لولده: ولد الكافر لا يتجه إطلاق الكفر فيه أيضًا، بل لا بدّ أن ينوي بالكافر نفسه، فإن أطلق فالتكفير بعيد، وإن أراد أن يشبه ولد الكافر قُبِلَ ولا كفر.
ومسألة شدّ الزنار تقدمت أيضًا بما فيها.
قال: أو قال: إن أعطاني الله الجنة لا أريدها دونك أو لا أدخلها دونك، أو قال: إن أمرني الله بدخول الجنة معك لا أدخلها، أو قال: إن أعطاني الله الجنة لأجلك أو لأجل هذا العمل لا أريدها، أو أنكر القيامة أو الصراط أو الميزان أو الحساب أو الكتاب أو الجنة أو النار أو المصحف أو اللوح أو القلم أو قال: الله لا يرى أو لا يراه أحد أو شبهه بشيء أو وصفه بالمكان أو الجهات، أو قال: الله تعالى لا يخلق فعل العبد أو أنكر رؤية الله بالعين في الجنة أو شك في رسالة المرسلين، أو شك في ثبوت وعده ووعيده أو وصف محدثًا بصفاته، أو أسمائه، أو قال: لا يضر المسلم ذنب أو رأى خلود المذنب في النار، أو شك في فرائضه، أو أحب ما أبغضه الله تعالى أو رسوله ﷺ أو بالعكس، أو يئس من الثواب أو أمن من العقاب، أو أنكر الحرام والحلال، أو اعتقد قدم الزمان والروح والأفلاك انتهى.
ومسائل دخوله الجنة مرّ عن الروضة أنه صوّب عدم الكفر في بعضها ويقاس به الباقي، ومرّ أيضًا أن الأوجه في ذلك تفصيل فراجعه.
وما ذكره من الكفر بإنكار القيامة واضح كإنكار حشر الأجساد، وأما إنكار
[ ١٥٤ ]
الصراط والميزان ونحوهما مما تقول المعتزلة قبحهم الله تعالى بإنكاره، فإنه لا كفر به. إذ المذهب الصحيح أنهم وسائر المبتدعة لا يكفرون، وإنكار الجنة والنار الآن لا كفر به لأن المعتزلة ينكرونهما الآن، وأما إنكار وجودهما يوم القيامة فالكفر به ظاهر؛ لأنه تكذيب للنصوص المتواترة القطعية، وإنكار المصحف بمعنى القرآن كفر إجماعًا، بخلاف إنكار صحف الأعمال.
وما ذكره في إنكار اللوح والقلم ورؤية الله تعالى مطلقًا أو في الجنة فيه نظر، فإن المعتزلة قائلون بذلك ولم يكفروا به، وتشبيه الله تعالى بحادث أو وصفه بما يستلزم الجهة لا كفر به إلا إن اعتقد ثبوت لازم ذلك له تعالى من الحدوث ونحوه، وزعم أن الله تعالى لا يخلق فعل العبد لا كفر به أيضًا؛ لأنه مذهب المعتزلة نظير ما مرّ.
والشك في رسالة المرسلين صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين، أو رسالة من علمت رسالته منهم ضرورة كفر بلا نزاع، بخلاف الشك في ثبوت وعده أو وعيده، فإن في إطلاق كونه كفرًا نظرًا لا إن جوز شرعًا دخول كافر الجنة أو تخليد مسلم مطيع في النار، ووصف محدث بما يستلزم قدمه، إنما يتضح كونه كفرًا إن اعتقد ذلك اللازم، لما مر أن الأصح أن لازم المذهب ليس بمذهب، لأن القاتل بالملزوم قد لا يخطر له القول بلازمه.
وزعم أنه لا يضر المذنب ذنب أو أنه مخلد في النار لا كفر به؛ لأن الأول مذهب المرجئة، والثاني مذهب المعتزلة، وقد مرّ أنهم لا يكفرون.
[ ١٥٥ ]
والشك في الفرائض الكفر به واضح، لأنه يستلزم الشك في الضروريات المعلومة من الدين، وهو كفر كإنكارها، بخلاف محبة ما أبغضه الله تعالى ورسوله ﷺ أو عكسه، فإنه لا يتجه فيه الكفر إلا إن أحب ذلك من حيث كون الشارع يبغضه أو أبغضه من حيث كون الشارع يحبه، بخلاف ما لو أحبه أو أبغضه لذاته مع قطع النظر عن تلك الحيثية، فإنه لا وجه لإطلاق الكفر حينئذ.
وجرى هذا الحنفي في إطلاق الكفر باليأس والأمن المذكورين على إطلاق الحديث للكفر عليهما، لكن قال أئمتنا وغيرهم: المراد به كفر النعمة أو إن استحل.
وإنكار الحرام والحلال الكفر به ظاهر، ولا خصوصية لهما بذلك، بل من أنكر حكمًا من الأحكام الخمسة الواجب أو الحرام أو المباح أو المندوب أو المكروه من حيث هو كأن أنكر الوجوب من حيث هو، أو التحريم من حيث هو، وكذا الباقي كان كافرًا. أو اعتقد قِدَمَ العالمِ أو بعض أجزائه كفر كما صرّحوا به.
قال: أو قيل له: دع الدنيا لتنال الآخرة. فقال: أترك ذلك بعد سنة، أو قيل له: أتعلم الغيب؟ قال: نعم، أو قال: أنا أعلم بما كان وما لم يكن، أو قال: فلان مات وسلم روجه إليك، أو كان إذا شرع في الفساد قال: تعال حتى نطيب أو نعيش طيبًا، أو قال: إني أحب الخمر ولا أصبر عنها، أو قال: أفعل كل يوم مثلك من الطين، أو قال: أريد خيرًا أو راحة في الدنيا وأدع ما يكون في الآخرة إيش ما يكون، أو قال له: انصرني بالحق، فقال له: أنصرك بالحق وبغير الحق انتهى.
وإطلاقه الكفر في المسألة الأولى فيه نظر، والذي يتجه أنه لا كفر بذلك إلا إن أراد الاستهزاء بالآخرة.
ومسألة علم الغيب مرت بما فيها من الخلاف والتفصيل.
[ ١٥٦ ]
وإطلاقه الكفر في بقية المسائل كلها فيه نظر، والوجه أنه لا كفر بشيء من ذلك إلا إن أراد بقوله: فلان مات الخ ما يقوله أهل التناسخ فإن القول به كفر، وإلا إن أراد بقوله: تعالوا حتى نطيب .. إلى آخره استباحه الفساد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، وبقوله: أحب الخمر استباحتها من حيث هي بسائر اعتباراتها، وبقوله: أفعل مثلك من الطين أن له قدرة على الخلق بمعنى الإيجاد، وبقوله: أريد خيرًا .. الخ الاستخفاف بالآخرة، وبقوله: أنصرك بغير الحق استحلال ذلك من حيث هو، فالكفر في جميع هذه الصور عند إرادة ما ذكرناه أو نحوه واضح، بخلافه عند التأويل بمعنى صحيح، وكذا عند الإطلاق، فإنه لا وجه للكفر بشيء من ذلك.
قال: الفصل الثاني: في الاختلاف لو قال: أنا بريء من الله تعالى إن فعلت كذا ثم فعل حنث ولا يكفر، وكذا لو قال: إن فعلت كذا فأنا كافر ففعله، وقيل: إن كان عالما لا يكفر، وإن كان جاهلا يكفر في الماضي والمستقبل، ولو رضي بكفر غيره قال بعضهم: يكفر، وكذا لو قال: الله تعالى يظلمك كما ظلمتني، أو قال: يعلم الله أني لم أفعل كذا وهو قد فعله، أو قال لخصمه: لا أريد يمينه بالله، بل أريد بالطلاق، أو قيل له: أحسن كما أحسن الله إليك، فقال: ماذا أعطاني، أو قال: المعوذتان ليستا من القرآن، أو قال: لشَعرَ النبي ﷺ شُعَيرًا، أو قال: لو لم يأكل آدم الحنطة ما وقعنا في هذا البلاء، أو ادعى النبوة فطلب
[ ١٥٧ ]
آخر منه معجزة أو ردّ حديث النبي ﷺ، أو قال بعد أكل الحرام أو شربه: الحمد لله، أو قيل له: قل: لا إله إلا الله فقال: لا أقول، أو قيل له: صلّ، قال: لا أصلي أو أصلي بغير طهارة، أو قيل له: أدّ الزكاة فقال: لا أؤدي، أو قال: الصوم يضر، أو قال الفقيه وجهًا شرعيا، ً فقال: هذا الذي قلت عمل السفهاء، أو قالت المرأة لزوجها: يا كافر، فقال: لم صحبتني أو إن كنت هكذا لا تسكني معي، أو وضع على رأسه قلنسوة المجوسي وغيره بلا ضرورة، أو قال: المجوسي خير من النصراني، أو النصراني خير من المجوسي وغيره، أو قال: آخذ حقي يوم المحشر، فقال: إيش شغلي مع المحشر، أو قال: أين تجدني في ذلك المجمع؟ أو قال: أعطني حقي وإلا آخذ منك يوم القيامة عشرين، أو قال عند المبايعة: الكفر خير مما يفعل، أو قال: أطيب الحلال أن لا أصلي، أو سجد للسلطان أو غيره أو قبّل الأرض، قيل: وهو قريب من السجود، أو قال: ما دام هذا المذهب معي ما يعود لي رزقي، ففي هذه المسائل قيل: يكفر، وقيل: لا يكفر انتهى.
ومذهبنا أن من قال: إن فعلت كذا فهو كافر إن أراد التعليق كفر حالًا، أو تبعيد نفسه لم يكفر، وكذا إن أطلق، ويسن له أن يستغفر الله تعالى، وأن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، خروجًا من خلاف من قال بكفره بذلك.
وما ذكره في الرضا بكفر الغير من الخلاف فيه، ينافيه جزمه بالكفر فيما لو قال له كافر: اعرض عليّ الإسلام، فقال: اذهب إلى فلان الفقيه، وليس علة الكفر ثَمَّ إلا رضاه ببقائه عليه تلك المدة، فالصواب أن الرضا بكفر الغير كفر.
وكذا ما ذكره من الخلاف في: الله تعالى يظلمك كما ظلمتني ينافيه ما قدمه من الاتفاق على كفر من قال: ظلمني الله، إلا أن يفرق بأن هنا يحتمل أنه من باب المشاكلة نحو: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) آل عمران/٥٤. والذي يتجه
[ ١٥٨ ]
أنه إن نوى هنا بـ: يظلمك الله: يخلص حقي منك، وإنما سماه ظلمًا للمشاكلة لا يكفر، وكذا إن أطلق للقرينة، بخلاف ما إذا أراد حقيقة الظلم لاستحالته على الله تعالى، إذ هو إما مجاوزة الحد أو التصرف في ملك الغير وكل منهما محال، أما الأول فلأنه تعالى ليس فوقه من يحدّ له شيئًا، وأما الثاني فلأن العالم كله ملك الله تعالى، وإضافة الأملاك إلى غيره إنما هو بطريق الصورة دون الحقيقة، ثم رأيتني فيما سبق ذكرت في هذه ما يقتضي الكفر عند الإطلاق ولعل ما هنا أقرب.
ومرّ أن الرافعي حكى عنهم كفر من قال: الله يعلم أني دائمًا أذكرك بالدعاء وهو صريح في كفر من قال: الله يعلم أني ما فعلت كذا وقد فعله؛ لأنه نسب الله تعالى إلى الجهل؛ لأنه نسب إليه أنه يعلم الشيء على خلاف الواقع.
ومرّ أن الصحيح فيمن قال: لا أريد يمينه بالله، بل بالطلاق أنه لا يكفر. نعم إن أراد بذلك الاستخفاف باسم الله تعالى كفر كما هو واضح.
والذي يتجه في: ماذا أعطاني أنه لا يكفر به إلا إن قاله استخفافا بالنعمة من حيث نسبتها إلى الله تعالى.
وإنكار المعوذتين وتصغير نحو شعره ﷺ مّر الكلام فيهما.
والذي يتجه في: لو لم يأكل آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام الحنطة .. الخ أنه لا يكون كفرًا إلا إن قصد بذلك تنقيصه ﷺ.
وواضح تكفير مدعي النبوة ويظهر كفرُ مَنْ طلب منه معجزة؛ لأنه بطلبه لها منه مجوز لصدقه مع استحالته المعلومة من الدين بالضرورة. نعم إن أراد بذلك تسفيهه وبيان كذبه فلا كفر.
[ ١٥٩ ]
وردّ حديثه ﷺ إن كان من حيث السند فلا كفر به مطلقًا أو من حيث نسبته له ﷺ كفر مطلقًا كما هو ظاهر فيهما.
وقوله: الحمد لله، بعد تناول الحرام يأتي فيه ما مرّ في التسمية على نحو الخمر، ويحتمل الفرق.
ويتجه في: لا أقول ولا أصلي ولا أزكي ولا أصوم، أو الصوم يضر، ولا أحج، أنه لا كفر فيها إلا إن أراد الاستخفاف بكلمة الشهادة أو بالصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج.
وحكم الصلاة بلا طهر مرّ بتفصيله.
ويظهر في: هذا الذي قلت عمل السفهاء أنه لا كفر به إلا إن أراد الاستخفاف بالحكم الشرعي من حيث كونه حكمًا شرعيًا، وفي قول الزوج: إن كنت .. إلى آخره أنه لا كفر به أيضًا إلا إن قصد التعليق، أو قال ذلك رضا بوصفها له بكافر.
ووضع قلنسوة المجوسي مرّ حكمه وما فيه.
وكذا: المجوسي خير من النصراني وما بعده مرّ حكمه أيضًا.
ويظهر أنه لا يكفر بإيش شغلي مع المحشر إلا إن قصد الاستخفاف به.
ولا بـ: أين تجدني .. الخ إلا إن أراد أن الله تعالى لا يقدر على أن يجمعه به في ذلك اليوم، بخلاف ما إذا أراد أن له ذنوبًا يذهب به بسببها إلى النار ابتداء فلا يجتمع به.
والقول بالكفر في أعطني حقي وإلا آخذ منك .. الخ لا وجه له.
ومن قال: الكفر خير مما يفعل إن أراد أن بالكفر خيرًا ولو بوجه ما كان كافرًا، وإلا فلا.
ومن قال: أطيب الحلال أن لا أصلي: الظاهر أنه يكفر به لأنه جعل ترك
[ ١٦٠ ]
الصلاة من حيث هي من الحلال، بل أطيبه، وهذا كفر بلا نزاع لأن فيه إنكارَ وجوبِ الصلاةِ الشاملة للخمس وذلك كفر.
والسجود للسلطان أو غيره مر حكمه وما فيه.
وعجيب من هذا المصنف حيث حكى فيما مر الاتفاق على كفر من قال: هات آكل الحلال أسجد له، وحكى الخلاف في السجود نفسه للسلطان أو غيره مع أن هذا فيه السجود الحقيقي بخلاف ذلك. والوجه أنه لا كفر بتقبيل الأرض ولا بما بعده.
[ ١٦١ ]
قال: الفصل الثالث: فيما يخشى عليه من الكفر: إذا شتم رجلًا اسمه من أسماء النبي ﷺ فقال: يا ابن الزانية وهو ذاكر النبي ﷺ، أو قال له فقيه وجهًا شرعيًا فقال: هذا عمل الفقهاء ويعمل معي عمل السفهاء، أو بغض عالمًا من غير سبب ظاهر، أو سمع الأذان أو القرآن الكريم فتكلم بكلام الدنيا، أو قال للقراء: هؤلاء آكلو الربا، أو قال لصالح: وجهه عندي كوجه الخنزير، أو قال: أريد المال سواء كان من حلال أو حرام، أو قال: أحب أيهما أسرع وصولًا، أو قال: ما نقص الله من عمر فلان زاده الله في عمرك، أو قال: من ليس له درهم لا يساوي درهمًا، ففي هذه المسائل يخشى عليه الكفر انتهى.
ووجه خشية الكفر في كل هذه الصور أن كلًا منها يحتمله لكن احتمالًا بعيدًا، فربما مال خاطره إلى ذلك الاحتمال فيكون حينئذ كافرًا، وبهذا يعلم أن ما في معنى هذه الصور من كل ما يحتمل الكفر احتمالًا بعيدًا يكون مثلها، فينبغي تجنب التلفظ بجميع ذلك أي: يندب تارة كتجنب كلام الدنيا عند سماع القرآن أو الأذان، ويجب أخرى كأكثر الصور الباقية.
[ ١٦٢ ]
قال: فصل آخر في الخطأ: لو قال: الله يطلع من السماء أو من العرش، أو قال: بين يدي الله، أو قال: يا رب لا ترضَ بهذا الظلم، أو قال: فلان قضاء سوء، أو قال: أعطيت واحدًا وأخذته من واحد، أو قال: تأخذ ممن له واحد، ولا تأخذ ممن له عشرة، أو قال: الفقر شقاوة. فهذه المسائل خطأ لا يكفر به، والله تعالى الهادي إلى الصواب انتهى.
وجعله ما في الفصل الثالث مما يخشى منه الكفر دون ما في هذا الفصل فيه نظر، فإن هذه الصور التي في الرابع أقرب إلى احتمال الكفر من الصور التي في الثالث، فخشية الكفر فيها أقرب، على أنه قدم في الفصل الأول المعقود لما هو كفر اتفاقًا -بحسب زعمه- كفرَ من قال: الله ينظر إلينا ويبصرنا من العرش، وهذه مثل: الله يطلع من السماء أو من العرش، فجعله في تلك كفرًا اتفاقًا، وهذا غير كفر اتفاقا كما أفهمه صنيعه، فإنه لم يجعلها في الفصل الثاني المعقود لبيان ما اختلف في أنه كفر، وظاهر أن المسألتين حكمهما واحد، وأن التفرقة بينهما التي زعمها هذا المصنف عجيبة.
وإذا انتهى الكلام على ما في كتابه هذا، فلنرجع إلى سَوْقِ بقية كلام الروضة الذي انفرد به عن الرافعي فنقول:
في الروضة فروع زائدة عن "الشفاء" فنسوقها بلفظها، ثم نتكلم على ما فيها. وعبارته: قلت: قد ذكر القاضي الإمام الحافظ أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى في آخر كتابه "الشفاء" بتعريف حقوق نبينا المصطفى صلوات الله تعالى وسلامه عليه
[ ١٦٣ ]
جملة من الألفاظ المكفرة غير ما سبق نقلها عن الأئمة أكثرها مجمع عليه، وصرح بنقل الإجماع فيه:
فمنها: أن مريضًا شفي ثم قال: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر ﵄ لم أستوجبه، فقال بعض العلماء: يكفر ويقتل؛ لأنه يتضمن النسبة إلى الجور. وقال آخرون: لا يتحتم قتله ويستتاب ويعزر، وأنه لو قال: كان النبي ﷺ أسود أو توفي قبل أن يلتحي، أو قال: ليس بقرشي فهو كافر لأنه وصفه بغير صفته ففيه تكذيب به، وأن من ادعى أن النبوة مكتسبة أنه يبلغ بصفاء القلب إلى مرتبتها، أو ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدَّعِ النبوة، أو ادعى أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها ويعانق الحور فهو كافر بالإجماع قطعًا، وأن من دافع نص الكتاب أو السنة المقطوع بها المحمول على ظاهره فهو كافر بالإجماع وأن من لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شكَّ في تكفيرهم أو صحح مذهبهم فهو كافر، وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده، وكذا يقطع بتكفير كل قائل قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة. وكذا من فعل فعلًا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله كالسجود للصليب أو النار أو المشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها، وكذا من أنكر مكة والبيت أو المسجد الحرام
[ ١٦٤ ]
أو صفة الحج، وأنه ليس هذه الهيئة المعروفة أو قال: لا أدري أن هذه المسماة بمكة هي مكة أم غيرها، فكل هذا وشبهه لا شك في تكفير قائله إن كان ممن يظن به علم ذلك وطالت صحبته للمسلمين، فإن كان قريب عهد بالإسلام أو بمخالطة المسلمين عرّفناه بذلك ولا يعذر بعد التعريف، وكذا من غيَّر شيئًا من القرآن، أو قال: ليس بمعجز، أو قال: ليس في خلق السموات والأرض دلالة على الله تعالى، أو أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو اعترف بذلك، ولكن قال: المراد بالجنة والنار والبعث والنشور والثواب والعقاب غير معانيها، أو قال: الأئمة أفضل من الأنبياء والله تعالى أعلم، انتهى كلام الروضة المنقول عن الشفاء بالمعنى من محال متعددة، وإلا فصاحب الشفاء لم يسقه كذلك، وهو كلام نفيس مشتمل على فوائد بتأملها يُعْلَم تقييد كثير مما سبق، ولم يرجح النووي عفا الله تعالى عنه شيئاّ من الخلاف في المسألة الأولى. أعني مسألة المريض إذا شفي، والذي رجحه المحب الطبري أنه لا يكفر. والحق عندي أن يفصّل فيقال: إن أراد بذلك أن الله شدّد عليه لذنوب سلفت له أو نحو ذلك لم يكفر، وإن أراد أنه لم يفعل معه الأصلح في حقه، فإن
[ ١٦٥ ]
كان مع اعتقاد أن ما فعله معه جور كفر، أو أنه تعالى لا يجب عليه الأصلح أو أطلق لم يكفر. وفي الشفاء عن ابن أبي زيد قيل هذه المسألة: لو لعن رجلًا ولعن الله ﷿ وقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزلّ لساني قتل بظاهر كفره، ولا يقبل عذره، وقضية مذهبنا قبوله.
وما قاله في المسألة الثانية متجه أيضًا لكن محله كما يعلم من آخر كلامه فيمن طالت صحبته للمسلمين حتى ظُنِّ به علم ذلك.
وبه يعلم رد ما مرّ عن ابن عبد السلام عن أبي حنيفة وقوّاه من أن من قال: أؤمن بالنبي وأشك في أنه المدفون بالمدينة أو الذي نشأ بمكة لا يكفر؛ لأنه وإن كان معلومًا بالضرورة إلا أنه ليس من الدين؛ لأنا لم نتعبد به فيكون جاحده كجاحد بغداد ومصر انتهى.
ووجه ردّهَ أن الشك في ذلك من المخالط للمسلمين يستلزم تضليل الأمة وغير ذلك من العظائم في الدين، وظاهر كلام النووي عفا الله تعالى عنه والقاضي رحمه الله تعالى أن مجرد الكذب عليه ﷺ في صفة من صفاته المعلومة يقينًا يكون كفرًا، وسببه ما مرَّ من أن إنكارها يتضمن التكذيب به، لكن قال بعض المتأخرين: كلام القاضي يوهم أن مجرد الكذب عليه ﷺ في صفة من صفاته كفر يوجب القتل، وليس كذلك بل لا بدّ من ضميمة ما يشعر بنقص في ذلك كما في مسألتنا؛ لأن الأسود لون مفضول انتهى.
وإذا تأملت ما علل به القاضي الذي نقله عنه النووي عفا الله تعالى عنه وأقره علمت أن الوجه أنه لا فرق، على أن إثبات صفة له ﷺ وافرة لا تكون إلا مشعرة بنقص لأن صفاته ﷺ لا يتصور أكمل منها، بل كل ما أثبت له غيرها كان نقصًا بالنسبة
[ ١٦٦ ]
لها فالاعتراض حينئذ ليس في محله. وذكر القاضي: أن إنكار كونه ﷺ كان بتهامة يكون كفرًا، ثم نقل عن بعض أئمة مذهبه أن تبديل صفته ﷺ ومواضعه كفر وهذا يشمل إنكار الهجرة وكونه كان أولًا بمكة وآخرًا بالمدينة وغير ذلك مما يشاكله وهو متجه.
ومحل ما قاله في المسألة الثالثة ما إذا زعم أنه يوحى إليه بنزول ملك عليه، وإلا فالذي ينبغي أنه لا يكفر.
والظاهر أن ما زعمه من دخول الجنة ماضيًا أو حالًا أو مستقبلًا قبل موته مرة أو أكثر، سواء ضم إلى ذلك الأكلَ أو المعانقةَ المذكورين أم لا يكون كفرًا، وإن كان ربما يتوهم متوهم من كلام الروضة عن القاضي خلاف ذلك، والظاهر أيضًا أن معنى قوله المحمول على ظاهره أي بالإجماع، وقد يستفاد ذلك من كلام الروضة بجعل قوله متعلقًا به أيضًا، وقوله: وإن من لم يكفر إلى آخره ذكر فيه الإجماع وجعله حجة على كفر من ذهب إلى أنه لا حجة لله تعالى على كثير من العامة والنساء والبله ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم إذا لم يكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال، ثم قال: وقد نحا الغزالي قريبًا من هذا المنحى في كتابه "التفرقة" انتهى.
وما نسبه إلى الغزالي صرّح الغزالي في كتابه الاقتصاد بما يرده، وعبارته التي أشار إليها القاضي على تقدير كونها عبارته، وإلا فقد دسّ عليه في كتابه عبارات حسدًا لا تفيد ما فهمه القاضي ولا تقرب مما ذكره، وعبارته: وصِنْفٌ بلغهم اسم محمد ﷺ ولم يبلغهم مبعثه ولا صفته، بل سمعوا أن كذابًا يقال له: فلان ادعى النبوة فهؤلاء عندي من الصنف الأول: لم يسمعوا اسمه أصلًا،
[ ١٦٧ ]
فإنهم لا يسمعون ما يحرك داعية النظر انتهى. فانظر كلامه تجده إنما عذرهم لعدم بلوغ دعوته ﷺ لهم، وهذا لا ينجو منحى ما ذكره القاضي.
وقد قال ابن السبكي وغيره: لا يبغض الغزالي إلا حاسد أو زنديق.
واعلم أن ابن المقري ذكر في روضه أن من لم يكفر طائفة ابن عربي كان كمن لم يكفر اليهود والنصارى، وهذا منه قدح في ابن عربي وطائفته كابن الفارض وغيره ورمي لهم بالكفر لمعتقدهم، بل ولمن لم يكفرهم بالكفر،
[ ١٦٨ ]
ولقد بالغ في ذلك بما لا دليل له عليه ولا مستند يرجع إليه، وقد ردّ عليه ما قاله شيخنا خاتمة المتأخرين زكريا الأنصاري في شرحه للروض، ورددت عليه ما قاله بأبسط مما ذكره شيخنا في إفتاء طويل سطرته في الفتاوى، وبينت فيه أنهم علماء عارفون بالله تعالى وبأحكامه، لكن اغترّ كثير من الجهلة ببعض كلماتهم فضلوا ضلالا ًمبينا، ولعل ابن المقري أشار إلى هؤلاء بقوله: طائفة ابن عربي، ولم يقل: ابن عربي لكن في عباراته من القبح ما لا يخفى.
ويؤخذ من قول الروضة: وكذا يقطع بتكفير كل قائل قولًا يتوصل به إلى
[ ١٦٩ ]
تضليل الأمة أو تكفير الصحابة رد ما وقع في الأمالي المنسوبة إلى الشيخ عز الدين بن عبد السلام من أن من كفر أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا رضي الله تعالى عنهم لا يكفر، وإن كان إسلامهم معلومًا بالضرورة؛ لأن جاحد الضرورة لا يكفر على الإطلاق، وإلا لكفرنا من جحد بغداد انتهى.
ووجه رده أن تكفير هؤلاء الأئمة يستلزم تضليل الأمة، وربما يستلزم أيضًا إنكار صحبة أبي بكر، وقد مرَّ أن إنكارها كفر، فزعْم كُفرِه ﵁ يكون كفرا بالأولى، ومن ثم قال الزركشي: والظاهر أن هذا مكذوب به على الشيخ انتهى.
وقد يجاب عنه بأن الذي يفهم من كلامهم أن تكفير جميع الصحابة كفر؛ لأنه صريح في إنكار جميع فروع الشريعة الضرورية فضلًا عن غيرها بخلاف تكفير طائفة منهم، كما يصرح به ما مرّ عن شرح مسلم من أن المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون والمحققون عدم تكفير الخوارج المكفرين للمؤمنين، ومما يصرح به أيضًا كلام السبكي في فتاويه، فإنه اختار أن مكفر أبي بكر أو أحد من الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة كافر، وأن كل ما ذكر اختيار له أخذه من رواية عن مالك في كفر الخوارج لتكفيرهم للمؤمنين، ونازع النووي عفا الله تعالى عنه فيما مرّ عنه وأطال فيه بما يعلم من فحواه أنه اختيار له خارج عن مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقد سقت حاصل كلامه هذا في كتابي "الصواعق المحرقة" وبينت ما فيه، وبهذا كله يتأيد رد كلام الشيخ عز الدين فافهم ذلك فإنه مهم.
[ ١٧٠ ]
وحذف من الروضة قول القاضي بعد أن قال: وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثًا مجمعًا على نقله مقطوعًا به مجمعًا على حمله على ظاهره، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم كأنه لما قدمْته فيه من التفصيل بين أن ينكروا حديثه ويعترفوا به، أو ينكروه من أصله، وظاهر كلام القاضي هذا أنهم ينكرونه من أصله وحينئذ فلا شك في كفرهم، وما ذكره من السجود للصليب ونحوه مرّ في السجود للصنم ونحوه ما يوافقه.
وما ذكره في المشي إلى الكنائس مرّ ما قد يخالفه فيمن شد الزنار على وسطه إلا أن يفرق بأن الهيئة الاجتماعية من التزيي بزيهم والمشي معهم إلى كنائسهم قاضية برضاه بكفرهم أو تهاونه بدين الإسلام، أو بأنه معهم على دينهم، وكل ذلك كفر كما مرّ مبسوطًا.
وما ذكره في إنكار مكة إلى آخره ظاهر، وقد مرّ ما يؤيده ويشهد له.
وما ذكره بقوله: إن كان ممن يظن به علم ذلك .. الخ ظاهر متجه، وينبغي بل يتعين طرده في جميع ما مر من المكفرات.
وقوله: أو قال: ليس بمعجز بذاته، وإنما هو لكون الله تعالى صرف القوى
[ ١٧٣ ]
عن معارضته كفر، والتصريح بكفره مشى عليه الحنابلة، وكلام القاضي هذا الذي أقره النووي عفا الله تعالى عنه قد يؤيده. والذي يظهر لي عدم كفره؛ لأن هذا لا يترتب عليه طعن
[ ١٧٤ ]
في الدين ولا تكذيب لضروري من ضرورياته، بخلاف منكر الإعجاز من أصله، ثم رأيت بعض المتكلمين على الشفاء حكى ذلك قولا في معنى الإعجاز، وحينئذ فتكفير قائل ذلك بعيد.
ووقع بتونس سنه أربع وثمانين وسبعمائة أن رجلا قال لآخر: أنا عدوك وعدو نبيك فعقد له مجلس فأفتى بعض أئمة المالكية بأنه مرتد يستتاب وأخذ كفره من قوله تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ) البقرة/٩٨. وأفتى بعضهم بأن كفرَه كفرُ تنقيص فلا يستتاب، وأخذ ذلك مما في الشفاء من أن امرأة سبت النبي ﷺ فقال: (مَنْ يَكْفِينِي عَدُوّتي؟) فقتلت، ومن كون خالد رضي الله تعالى عنه قتل من قال له عن النبي ﷺ: صاحبكم،
[ ١٧٥ ]
ومن إفتاء ابن عتاب بقتل من قال: إن سألت أو جهلت فقد سأل وجهل نبيك.
واعترضه بعض أئمتهم ممن مال إلى الأول بأن الأول نص في أن كل سابّ عدو ولا شك فيه، وإنما الكلام في عكس هذه القضية وهي لا تنعكس بنفسها، بل قوله: أنا عدوك وعدو نبيك ربما أشعر بترفيع المقول له ذلك؛ لأنا نجد الوضعاء يجعلون لأنفسهم منزلة بذلك، يقول الواحد منهم: أنا عدو الأمير والأمير عدو لي، وقصده به رفع نفسه؛ لأنه في نسبة من يعادي الأمير، وبأن قتل خالد لمن ذكر مذهب صحابي، على أن عمر رضي الله تعالى عنه ودى القتيل من بيت المال ورأى أن قتله غير صواب، وبأن إفتاء ابن عتاب إنما هو لأن ما ذكر في قضيته صريح في التنقيص، فالتحقيق أن قاتل ما مر مرتد لا متنقص، هذا كله على قواعدهم من التفرقة بينهما. أما على قواعدنا فالذي يظهر أنه ردة، وفي الشفاء أيضا يكفر من ذهب إلى أن في كل جنس من الحيوان نذيرا أو نبيا من القردة والخنازير والدواب وغيرها ويحتج بقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) فاطر/٢٤. إذ ذاك يؤدي إلى أن توصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة، وفيه من الازدراء من هذا المنصب المنيف ما فيه، مع إجماع المسلمين على خلافه وتكذيب قائله.
ويكفر أيضا من قال: ليس في معجزاته ﷺ حجه له، ومن كذب بشيء مما صرح به في القرآن من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، أو جحد التوراة والإنجيل وكتب الله المنزلة أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها، ومن نودي، فأجاب بـ لبيك اللهم لبيك، فإن اعتقد تنزيل المنادي منزلة الرب كفر، وإلا فلا.
[ ١٧٦ ]
وفيه أيضا مسائل أخرى حسنة تركها النووي للعلم بها مما مرّ، لكن لما كان في أخذها من ذلك نوع خفاء أحببت ذكرها لتصير واضحة بينة مع زيادة فوائد أخرى لا تعلم مما مر.
فمن ذلك أن من سبّ نبيا عليه أفضل الصلاة والسلام -ويلحق به في جميع ما يذكر غيره من الأنبياء المتفق على نبوتهم- أو عابه أو الحق به نقصا في نفسه أو في نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، أو عرض به أو شبهه بشيء على طريق السب والازدراء أو التصغير بشأنه أو الغض منه، أو العيب له، أو لعنه أو دعا عليه، أو تمنى له مضرة أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بمستحق من الكلام وهجر ومنكر من القول وزور، أو عيّره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه كان كافرا بالإجماع كما حكاه جماعة، وحكاية ابن حزم
[ ١٧٧ ]
الخلاف فيه لا معول عليها سواء أصدر منه جميع ذلك أو بعضه فيقتل، ولا
[ ١٧٨ ]
تقبل توبته عند أكثر العلماء، وعليه جماعة من أصحابنا، بل ادعى فيه الشيخ أبو بكر الفارسي الإجماع، وسيأتي بسط الكلام فيه.
[ ١٧٩ ]
وليس من تنقيص النسب ما وقع من الاختلاف في إسلام أبويه كما لا يخفى، وقد قتل خالد بن الوليد ﵁ تعالى عنه من قال له عن النبي صاحبكم، وعد هذه الكلمة تنقيصا له صلى الله علية وسلم.
ويدل لما قدمته من إلحاق سائر الأنبياء به صلى الله وسلم في ذلك ما في الشفاء: أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة، وقد ذكر ذلك آخره فقال: وحكم من سب سائر
[ ١٨٠ ]
أنبياء الله تعالى وملائكته واستخف بهم وكذبهم فيما أتوا به، أو أنكرهم أو جحدهم حكم نبيا ﷺ على سياق ما قدمناه.
وفيه عن مالك: من قال: رداء النبي ﷺ أو إزاره وسخ، وأراد به عيبه قتل، ويؤخذ منه أنه لو أطلق ذلك أو قصد الإخبار عن تواضعه ﷺ لا يكفر، وهو ظاهر في إرادة التواضع ومحتمل عند الإطلاق؛ لأنه ليس صريحا في النقص، وإذا قلنا بعدم الكفر، فظاهر أنه يعزر التعزير البليغ لذكره ما يوهم نقصا.
وفيه عن القابسي من قال فيه ﷺ: الحمال يتيم أبي طالب قتل والظاهر أن مذهبنا لا يأبى ذلك، لما في عبارته من الدلالة على الازدراء، فأن ذكر يتيم أبي طالب فقط لم يكن صريحا في ذلك فيما يظهر. نعم إن كان السياق يدل على الازدراء كان كما لو جمع بين اللفظين.
[ ١٨١ ]
وفيه عن ابن أبي زيد: من قال: صفته ﷺ كصفة رجل قبيح الوجه واللحية، قتل، ومذهبنا قاض بذلك.
وفيه عن صاحب سحنون في رجل قيل له: لا وحق رسول الله، فقال: فعل الله برسول الله كذا وكذا، وذكر كلاما قبيحا، ثم قال: أردت برسول الله العقرب أنه لا يقبل دعواه التأويل، ومذهبنا لا يأبى ذلك، وعن ابن عتاب في عشار قال لرجل: أد واشك إلى النبي ﷺ، وقال: إن سألت أو جهلت فقد جهل وسئل، أنه يقتل، ومذهبنا قاض بذلك أيضا، بل الذي يظهر أن مجرد قوله: أد واشك إلى النبي ﷺ بقصد عدم المبالاة كفر أيضا.
[ ١٨٢ ]
وعن فقهاء الأندلس أنهم أفتوا بقتل من سماه ﷺ يتيما وختن
[ ١٨٣ ]
حيدرة، وزعم أن زهده لم يكن قصدا، لو قدر على الطيبات أكلها، ومذهبنا لا ينافي ذلك، بل زعمه ما ذكر في الزهد ينبغي أن يكون كافيا في كفره، وهو ظاهر لنسبة النقص إليه ﷺ، وعن ابن المرابط من قال: إنه ﷺ هزم يستتاب، فأن تاب وإلا قتل؛ لأنه تنقيص، إذ لا يجوز عليه ذلك، وقضية مذهبنا أنه لا يكفر بذلك إلا إن قاله على قصد التنقيص؛ لأنه ليس صريحا فيه؛ لأن الهزيمة قد تكون من الجبلات البشرية، فأن لم يقصد ذلك لم يكفر، لكن يعزر التعزير الشديد.
قال القاضي عياض بعد ذكر ما تقدم وغيره: وكذالك أقول: حكم من غمصه أو عيّره برعاية الغنم أو بالسهو أو بالنسيان أو السحر، أو ما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه، أو أذى من عدوه أو شدة في زمنه أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل انتهى.
وما ذكره ظاهر لقصد النقص وهو كفر كما مر.
ثم قال: من تكلم غير قاصد للسب ولا معتقد له في جهته ﷺ بكلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه أو نفي ما يجب له مما هو في حقه ﷺ نقيصة مثل أن ينسب إليه إتيان كبيرة أو مداهنة في تبليغ الرسالة،
[ ١٨٤ ]
أو في حكم بين الناس، أو نقص في مرتبته أو شرف نسبه أو وفور علمه أو زهده، أو يكذب بما اشتهر به من أمور أخبر بها عليه أفضل الصلاة والسلام وتواتر الخبر بها عنه عن قصد لرد خبره، أو يأتي بسفه من القول أو نوع من السب في جهته، وان ظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه، إما لجهالة حملته على ما قاله، أو لضجر أو سكر اضطره إليه، أو قلة مراقبة وضبط للسانه، فحكمه القتل دون تلعثم، إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان، ولا بشيء مما ذكرناه إذا كان عقله في فطرته سليما، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، وبهذا أفتى الأندلسيون على من نفى الزهد عنه ﷺ كما مر انتهى.
وما ذكره ظاهر موافق لقواعد مذهبنا، إذ المدار في الحكم بالكفر على الظواهر، ولا نظر للمقصود والنيات ولا نظر لقرائن حاله.
نعم يعذر مدعي الجهل، إن عذر لقرب إسلامه، أو بعده عن العلماء، كما يعلم مما قدمته عنه في الروضة، ويعذر أيضا فيما يظهر بدعوى سبق اللسان بالنسبة لدرء القتل عنه، وان لم يعذر فيه بالنسبة لوقوع طلاقه وعتقه، والفرق أن ذلك حق الله تعالى وهو مبني على المسامحة بخلاف هذين.
ولو قال: فعل رسول الله ﷺ الرياء، فإن أراد الرياء المحرم الذي هو كبيرة فقد ذكره القاضي، أو أطلق، أو أراد به إظهار خلاف ما يبطن لم يكفر كما هو ظاهر، لكنه يعزر التعزير البليغ، وقوله: وتواتر الخبر بها عنه: أي: لفضا وهو موجود، خلافا لمن زعمه نفيه، أو معنى ولا نظر في ذلك، خلافا لمن زعمه، ولو كان في ضيق من حبس أو فقر، وقصد بالتلفظ بمكفر مما مر أو غيره أن يقتل ليستريح لا حقيقة المكفر، فهل هو كافر باطنا أو نقول: هذه قرينة تنفي الكفر عنه باطنا كل محتمل، ولعل الثاني أقرب.
[ ١٨٥ ]
وحكى عن أئمة مذهبه خلافا فيمن أغضبه غريمه فقال له: صل على النبي محمد ﷺ، فقال: لا صلى الله على من صلى عليه، فقيل: ليس بكفر؛ لأنه إنما شتم الناس، وليس ثم قرينة تصرف الشتم له ﷺ ولا إلى الملائكة الذين يصلون عليه، وقيل: كفر، واللائق بقواعدنا الأول؛ لأن اللفظ ليس صريحا في شتم الملائكة ولا الذات المقدسة، وإنما هو ظاهر في شتم نفسه إن صلى أو غيره من الناس، مع عدم الكفر يعزر التعزير البليغ.
وعن القابسي يتوقف فيمن قال: كل صاحب فندق -أي: خان- قرنان ولو كان نبيا مرسلا. قال: فيستفهم: هل أراد صاحب الفنادق الآن؟ فليس فيهم نبي مرسل فيكون أمره أخف، ولكن ظاهر لفظه العموم انتهى، والأوجه أن اللفظ ليس صريحا في ذم الأنبياء ولا سبهم فلا يكفر بمجرد هذا اللفظ، بل يعزر التعزير الشديد.
وعن ابن أبي زيد أن من قال: لعن الله العرب أو بني إسرائيل، أو بني آدم، وقال: لم أرد الأنبياء، بل الظالمين لم يكفر بل يعزر، وكذالك لو قال: لعن الله من حّرم المسكر، وقال: لم أعلم من حّرمه، وكذا لو لعن حديث: (لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ) ولعن من جاء به، وكان ممن يعذر بالجهل وعدم معرفة السنن؛ لأنه لم يقصد بظاهر حاله سب الله تعالى ولا سب رسوله ﷺ، وإنما لعن من حرمه من الناس انتهى.
[ ١٨٦ ]
وهو ظاهر، ولا بد من تقييد لاعن محرم المسكر بأن يكون ممن يجهل ذلك أيضا، ويعذر بالجهل به، بأن كان قريب الإسلام، ولم يكن مخالطا للمسلمين، وإلا فتحريمه معلوم من الدين بالضرورة كما مر، ولو كان لعنه من جاء بالحديث المذكور بعد قول أحد له: هذا قاله النبي ﷺ ونحو ذلك كان ذلك كفرا، ولا يقبل قوله: ما أردته؛ لأن لفظه ظاهر في تكذيبه فليتب، وإلا قُتل.
وذكر فيما قال لآخر: يا ابن ألف خنزير أنه لا يكفر، وإن شمل هذا اللفظ جماعة من الأنبياء ما لم يعلم أنه قصد سبهم.
وما ذكره في ظاهر؛ لأن ظاهر هذا اللفظ المبالغة في سب المخاطب دون غيره، لكن يعزر ويبالغ في تعزيره.
وظاهر كلامه أن من قال لهاشمي: لعن الله بني هاشم، وقال: أردت الظالمين منهم، أو قال لمن يعلم أنه من ذريته ﷺ قولا قبيحا في آبائه أو من نسله أو ولده لا يقبل تخصيصه بإرادة غير النبي صلى الله عليه سلم من غير قرينة، وهو محتمل لعموم لفظه، لكن الأقرب إلى قواعدنا قبوله مطلقا؛ لأن اللفظ بوضعه لا ينافي تلك الإرادة، لكن يبالغ في تعزيره.
وحكى عن بعض أئمته فيمن قال لآخر: لعنه الله إلى آدم أنه يقتل، وقضية قواعدنا بخلافه، لما قدمته من أن لفظه ليس صريحا في سب نبي، لاحتماله إلى أن يلقى آدم في القيامة، بل لو قال: لعن الله آباءه إلى آدم كان عدم التكفير أقرب أيضا، إن ادعى إرادة غير الأنبياء منهم، لاحتمال ما ادعاه، وعدم صريح يدل على خلافه، ولا يقال: كلامه يتناول آدم للخلاف المشهور في دخول الغاية.
وعن مشايخه خلافا فيمن قال لشاهد عليه بشيء قال له: تتهمني، الأنبياء
[ ١٨٧ ]
يتهمون فكيف أنت؟ فقيل: يقتل لبشاعة لفظه، وقيل: لا، لاحتمال أن يكون خبرا عمن اتهمهم من الكفار، وهذا الثاني هو الأوجه.
وعن شيخه أنه عزر من سب رجلا، ثم قصد كلبا فضربه برجله، وقال: قم يا محمد وما دل عليه كلامه من عدم كفره بذلك هو الصواب.
وميل كلامه رحمه الله تعالى بل صريحه عدم الكفر في مسائل ليس فيها قصد نقص ولا ذكر عيب، لكن فيها ذكر بعض أوصافه، واستشهاد ببعض أحواله عليه الصلاة السلام الجائزة عليه على سنة ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو على التشبه به أو عند مظلمة نالته أو تنقيص حصل له ليس على طريق الناس والتحقيق: بل على مقصد الرفع لنفسه أو غيره أو على سبيل التمثيل وعدم التوقير لنبيه ﵊ أو قصد الهزل.
فمن تلك المسائل أن يقول: إن قيل فيَّ السوء فقد قيل في النبي، وإن كُذّبت فقد كُذب الأنبياء، أو إن أذنبت فقد أذنبوا، أو أنا أسلم من الألسنة ولم يسلموا، أو صبرت كما صبر أولو العزم أو كصبر أيوب، وهل يحرم ذكر ذلك؟
[ ١٨٨ ]
الذي يظهر أنه إن قصد به الترفع وأنه شاركهم في أصل هذه الفضائل كان حراما شديد التحريم، وإن قصد هضم نفسه على طريق المبالغة بمعنى أنه لا نسبة لي بإتباعهم، وقد وقع لهم ذلك فوقوعه لي أولى، لم يكن حراما، وعلى هذا يحمل ما وقع لبعض الأكابر من استشهادهم على ما حصل لهم بنحو هذه الكلمات في خطب كتبهم وغيرها.
نعم قوله: إن أذنبت فقد أذنبوا شديد التحريم لا يجوز الاستشهاد به بحال.
ومنها: ما يقع في إشعار المتعجرفين في القول المتساهلين في الكلام كقول المتنبي:
[ ١٨٩ ]
أنا في أمة تداركها الله غريب كصالح في ثمود
وكلامه محتمل لقصده تشبيه حاله في الغربة بحال صالح ﵊، فيكون من قصد الترفع، أو تشبيه حال من هو فيهم بحال ثمود من المشاق وعدم الطواعية له، فيكون مستلزما للترفع وصريحا في سبهم، وعلى كل فهو غير كافر، ونحوه قول ابن نبيه:
في حُسْن يوسفَ إلا أنه ملك فلا يباع ببخس النقد معدود
ومنها: قول أبي العلاء:
[ ١٩٠ ]
كنت موسى وافته بنت شعيب غير أن ليس فيكما من فقير
ولا يستنكر كلامه هذا الدال على الإزراء والتحقير لموسى ﷺ، فإنه كان زنديقا كافرا، وقد أتى في كثير من شعره بصرائح الكفر، وقد نحا نحوه في زيادة القبح والتصريح بالكفر في شعره ابن هانئ الأندلسي، ومن كلام أبي العلاء الذي ليس صريحا في الكفر قوله:
[ ١٩١ ]
لولا انقطاع الوحي بعد محمد قلنا محمد من أبيه بديل
هو مثله في الفضل إلا أنه لم يأته برسالة جبريل
وإنما لم يكن كفرا؛ لأن ظاهر قوله إلا .. إلى آخره أن الممدوح نقص لفقد ذلك، فإن أراد أنه استغنى عن ذلك فلا يحتاج إليه في المماثلة كان أقرب إلى الكفر، بل كفرا، ونحوه في القبح قول الآخر:
وإذا ما رفعت راياته صفقت بين جناحي جبرئين
ونحوه أيضا قول حسان الأندلسي في محمد بن عباد المعتمد ووزيره أبي بكر بن زيدون:
[ ١٩٢ ]
كأن أبا بكر أبو بكر الرضا وحسان حسان وأنت محمد
[ ١٩٣ ]
وليحذر الشاعر وغيره من ارتكاب هذه القبائح الشديدة الوزر العظيمة الإثم، فإنها ربما جرت إلى الكفر، نعوذ بالله تعالى من ذلك.
ولم يزل المتقدمون والمتأخرون ينكرون مثل هذا ممن وقع منه، فمما أنكر على أبي نواس قوله:
فإن يك باقي سحر فرعون فيكم فإن عصا موسى بكف خصيب
[ ١٩٤ ]
ووجه الإنكار عليه أن عصا موسى إنما تتصرف بحقيقتها من الإضافة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن كان إنما أراد بها نجما معروفا، فإنها اسم له، وكف الخصيب بالمعجمة قيل: وبالمهملة: اسم لنجم أيضا.
ومما كفر به قوله في محمد الأمين وتشبيهه إياه بالنبي ﷺ قوله:
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها خلقا وخُلقا كما قُدَّ الشراكان
وهو وإن كان في غاية القبح إلا أنه لا يكون كفرا على قضية مذهبنا إلا إن قصد المشابهة المطلقة، ومما أنكر عليه أيضا قوله:
[ ١٩٥ ]
كيف لا يدنيك من أمل من رسول الله من نفره
لأن من واجب تعظيمه ﷺ أن يضاف إليه ولا يضاف.
ومنها: ما نقله عن مالك من تأديب من عيّر بالفقر، فقال: قد رعى النبي ﷺ الغنم؛ لأنه عرّض بذكره ﷺ في غير موضعه، قال مالك: ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا: قد أخطأت الأنبياء قبلنا.
ونقل عن سحنون: لا ينبغي أن يصلى على النبي ﷺ عند التعجب إلا على طريق الثواب والاحتساب تعظيما له كما أمرنا الله تعالى.
ومنها: ما نقله عن القابسي فيمن قال لقبيح: كأنه وجه نكير، ولعبوس: كأنه وجه مالك الغضبان أنه لم يكفر، إذ لا تصريح فيه بسب المَلك، وإنما السب فيه للمخاطب، بل يعاقب العقاب الشديد، فإن قصد ذم الملك قتل، وما ذكره ظاهر، ويؤخذ من كلامه أن ذم بعض الملائكة وتنقيصهم كذم
[ ١٩٦ ]
الأنبياء وتنقيصهم وهو ظاهر، ثم رأيته صرح بذلك في آخر الكتاب وقد قدمته عنه.
ثم قال: وهذا كله فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة والنبيين، أو على معين ممن حققنا كونه من الملائكة والنبيين ممن ذكره الله تعالى في كتابه، وحققنا علمه بالخبر المتواتر أو المشهور المتفق عليه بالإجماع القاطع كجبريل وميكائيل ومالك وخزنة الجنة وجهنم، والزبانية وحملة العرش المذكورين في القرآن من الملائكة، ومن سمى فيه من الأنبياء، وكعزرائيل
[ ١٩٧ ]
وإسرافيل ورضوان والحفظة، ومنكر ونكير من الملائكة المتفق على قبول الخبر بهم، فأما من لم يثبت الإخبار بتعيينه، ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة والأنبياء كهاروت وماروت في الملائكة، والخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان، فليس الحكم في شأنهم، والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه، إذ لم يثبت لهم تلك الحرمة، ولكن يزجر من ينقصهم انتهى كلامه.
[ ١٩٨ ]
وهو ظاهر جلي، وبه يعلم خطأ من قال: إن ما يحكيه المفسرون في قصة هاروت وماروت في آيتهما في سورة البقرة كفر، وليس كما زعم، ولقد وقع بذلك في ورطة عظيمة، وإن كان جليلا، فقد حكى هذه القصة أكابر من المفسرين كابن جرير الطبري والإمام البغوي وغيرهما، ومن ثم انتصر لهم بعض المتأخرين من المحدثين، وخرّج هذه القصة بأسانيد صحيحة، وردّ على من خالف في ذلك فجزاه الله على ذلك خيرا.
[ ١٩٩ ]
وقد قال القاضي: من أنكر نبوة أحد ممن ذكر، وهو من أهل العلم لا حرج عليه لاختلاف العلماء في ذلك.
وعن القابسي أيضا أن شابا عرف بالخير قال لمن قال له: إنك أميّ: أليس كان النبي ﷺ أميّا لم يكفر بذلك، وإن أخطأ في الاستشهاد، لأن الأمية شرف له ﷺ ونقص لغيره.
ومنها: ما نقله عن شيخه فيمن قال لمن تنقصه: إنما تريد نقصي بقولك: وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ أنه لا يكفر، خلافا لمن أفتى بقتله، لأنه لم يقصد السب.
[ ٢٠٠ ]
وللقاضي رحمه الله تعالى تفصيل حسن في حاكي السب ونحوه، وهو إن ذكره: إن كان على وجه التعريف بقائله والإنكار عليه فقد يجب وقد يندب.
وقد أجمع السلف والخلف على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم لبيانها وردها.
وإن كان على وجه الحكايات والإسماع والظرف وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمين وهو الكلام الجامع لاختلاف الدلالات حسنا وقبيحا، إذ الغث الهزيل ونوادر السخفاء والخوض في قيل وقال، وما لا يعني، فكل هذه ممنوع منه، وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض.
وقد سأل رجل مالكا عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال مالك: كافر اقتلوه، فقال: إنما حكيته عن غيري فقال مالك: إنما سمعناه منك، وهذا منه رحمه الله تعالى على طريق الزجر، وإن كان على وجه الاعتبار له، أو أظهر استحسانه، أو كان مولعا بمثله حفظا ودراسة وتطلبا له وبرواية أشعار هجوه ﵊ وسبه، فهو كالساب ولا ينفعه نسبته إلى غيره فيبادر بقتله.
وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حفظ شطر بيت مما هجي به ﷺ كفر، وأجمعوا على تحريم رواية ما هجي به النبي ﷺ وكتابته وقراءته انتهى.
وما ذكره من المبادرة بقتله أي: إن لم يتب، ومن الكفر ظاهر عند الرضا
[ ٢٠١ ]
بذلك واستحسانه لا إن قصد به غير ذلك، وما ذكره من الإجماع محله في روايته لغير غرض مسوّغ لذلك.
ثم ذكر تفصيلا آخر فيمن ذكر ما يجوز عليه ﷺ أو اختلف في جوازه عليه، وما يلحقه من الأمور البشرية ويمكن إضافتها إليه، أو مما امتحن به وصبر عليه، أو ما يعرف به ابتداء حاله وسيرته وما لقيه من قومه، وهو أن ذلك إن كان على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء، وما يجوز عليهم، فلا حرج فيه، بل يكون حسنا إن كان من أهل العلم وفهماء طلبة أهل الدين ممن يفهم مقاصده، ويجتنب ذلك مع من عساه لا ينفعه أو يخشى به فتنة، فقد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف، وإن كان على غير وجهه، وعلم منه بذلك سوء مقصده لحق ما تقدم من السب ونحوه، وكذلك ما ورد من أخباره وأخبار سائر الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام مما ظاهره مشكل لاقتضائه أمورا لا تليق بهم بحال، ولا يتحدث منها إلا بالصحيح، ولقد كره مالك رضي الله تعالى عنه التحدث بها إذ أكثرها لا محمل تحته، وإنما أوردها ﷺ لقوم عرب يفهمون كلام العرب على وجهه حقيقة ومجازا واستعارة وغيرها، وإنما أشكلت على قوم جاؤوا بعد ذلك غلبت عليهم العجمة.
وما اقتضاه كلامه من حرمة ذكر ما مرّ للعوام ظاهر إن ظن بقرينة حالهم تولد فتنة لهم منه أو استخفاف أو نحوهما، وإلا فالذي ينبغي الكراهة.
[ ٢٠٢ ]
هذا، وفي الأنوار من كتب أئمتنا المتأخرين مسائل أخرى غير ما مر فلنذكرها وإن كان في ضمنها ما علم مما مرّ.
وهي أن إلقاء المصحف في المكان القذر كإلقائه في القاذورات، وأن سب الملك كالنبي، وأن من استخف بالمصحف أو التوراة أو الإنجيل أو الزبور كفر، وأنه لو قال: ليست المعوذتان من القرآن اختلف في كفره، وقال بعضهم: إن كان عاميا كفر أو عالما فلا، وأنه لا يكفر بالإقامة في بيعة أو كنيسة، وأنه يكفر من قال: إن الولي أفضل من النبي، أو المرسل إليه أفضل من الرسول أو أعز أو أعلى مرتبة، وأنه لو أنكر السنن الراتبة أو صلاة العيدين كفر، وأنه لو استحل إيذاء أحد من الصحابة، أو نفى علم الله بالمعدوم أو بالجزئيات كفر، واستحلال إيذاء غير الصحابة يكفر أيضا كما هو ظاهر مما مرّ، وأن من أنكر خلافة الصديق مبتدع لا كافر، ومن سب الصحابة أو عائشة رضي الله تعالى عنهم من غير استحلال فاسق.
واختلفوا فيمن سب أبا بكر وعمر. قال غيره: وفي كفر من سب الحسنين رضي الله تعالى عنهما وجهان، وأنه لو قال: الروح قديم، أو قال: إذا ظهرت الربوبية زالت العبودية، وعنى بذلك رفع الأحكام، أو قال: إنه فني من صفات الناسوتية إلى اللاهوتية، أو قال: إن صفاته تبدلت بصفات الحق،
[ ٢٠٣ ]
أو قال: إنه يرى الله تعالى عيانا في الدنيا ويكلمه شفاها، أو أن الله يحل في الصور الحسان، أو قال: إن الحق يطعمه ويسقيه، وأسقط عنه التمييز بين الحلال والحرام، وأنه يأكل من الغيب ويأخذ منه، أو قال: أنا الله أو هو أنا، أو قال: دع الصلاة والزكاة والصوم والقراءة وأعمال البر، الشأن في عمل الأسرار، أو قال: سماع الغناء من الدين وأنه أنفع للقلوب من القرآن، أو قال: العبد يصل إلى الله تعالى من غير طريق العبودية، أو قال: وصلت إلى رتبة تسقط عني التكليف، أو قال: الروح نور الله فإذا اتصل النور بالنور اتحد، كفر في جميع هذه المسائل.
بخلاف ما لو قال: وصلت إلى رتبة خلصت من رقية النفس وعتقت منها فإنه لا يكفر لكنه مبتدع مغرور، وكذا لو قال: أنا أعشق الله أو يعشقني، والعبارة الصحيحة: أحبه ويحبني، أو قال: يلهمني الله ما أحتاج إليه من أمر ديني، فلا أحتاج إلى العلم والعلماء، بل هو مبتدع كذاب، ومن أظهر السكر والوجد، ولا يستقيم ظاهره، ولا تتقيد جوارحه بالورع، فهو مغرور بعيد من الله تعالى، ومن تخلى واعتزل وترك الجماعات بلا عذر شرعي فمبتدع لا يقبل الله منه الزهد، ومن ادعى الكرامات لنفسه بلا غرض ديني فكاذب يلعب به الشيطان، ومن قال في غير الغلبات: ما بقي لسوى الحق فيّ موضع، فهو بعيد من الله تعالى مبتدع، انتهى حاصل ما في الأنوار.
والوجه كفر منكر المعوذتين إذا كان مخالطا للمسلمين؛ لأن ذلك لا يخفى على أحد منهم.
والذي يتجه أيضا كفر من أنكر سنة راتبة مجمعا عليها معلومة من الدين بالضرورة كما يدل له قوله: أو صلاة العيدين، لكن إنكار أحدهما كذلك، خلافا لما يوهمه قوله: السنن الراتبة، وقوله: العيدين، بل يكفي في الكفر إنكار سنة واحدة بالشروط المذكورة، وأن محل تكفير المستحل إيذاء الصحابة، ما لم يكن عن تأويل ولو خطأ، لأنه ظني، فله شبهة ما تمنع الكفر، وأنه لا يشترط في كفر من زعم أنه يرى الله عيانا في الدنيا ويكلمه شفاها اجتماع هذين،
[ ٢٠٤ ]
خلافا لما توهمه عبارة الأنوار، بل يكفر زاعم أحدهما، ثم رأيت الكواشي صرح في تفسيره بكفر معتقد الرؤية بالعين، وهو صريح فيما ذكرته، لكن عندي في إطلاق ذلك نظر، والذي يتجه حمله على رؤية أو كلام متضمن للإحاطة بذاته تعالى، لما مرّ أن الأصح أنا لا نكفر الجهوية ولا المجسمة، إلا إن صرّحوا باعتقادهم للوازم قولهم في الحدوث أو ما هو نص فيه كاللون والتركيب والاحتياج، فتأمل ذلك.
وكذا يكفر زاعم إسقاط التمييز عنه بين الحلال والحرام.
أو أن الله يطعمه ويسقيه، أو أنه يأكل من الغيب ويأخذ منه، ولا يشترط اجتماع هذه الثلاثة، خلافا لما يوهمه كلام الأنوار أيضا، وكذا القائل: دع الصلاة .. إلى آخر ما مرّ فيه، لا يشترط في تكفيره بذلك جمعه بين تلك الأمور، بل يكفي: دع الصلاة مثلا، الشأن في عمل السر، وكذا زاعم أن سماع الغناء من الدين، وأنه أنفع من القرآن الكريم لا يشترط في تكفيره جمعه بين هذين، بل يكفي أحدهما، وهذا الذي تعقبته به جميعه، لم أرَ من نبه على شيء منه، لكنه ظاهر للمتأمل فليتنبه لذلك.
[ ٢٠٥ ]
ووقع للرافعي كلمات بالعجمية، ترجمها بعض فقهاء الأعاجم، ومرّ منها جملة، وحاصلها وإن مرّ كثير منها:
أن من قال: عمل الله في حقي كل خير وعمل الشر مني، كفر، ونظر فيه الرافعي بقوله تعالى: (وَمَا؟ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَة فَمِن نَّفسِكَ) النساء/٧٩ والنظر واضح فالصواب عدم الكفر. إذ هذا من بعض اعتقادات المعتزلة، وهم لا يكفرون على الصحيح.
وأن من قال: أنا الله، على سبيل المزاح كفر، وأنه لو قال قائل: كان رسول الله ﷺ إذا أكل لحس أصابعه، فقال آخر: هذا غير أدب كفر، وأن من قال: يد الله طويلة فقيل: لا يكفر وقيل: إن أراد الجارحة كفر انتهى.
ومر الخلاف في كفر المجسمة.
وأنهم اختلفوا في كفر من قال لغيره: الله يظلمك كما ظلمتني أو الله يعلم أني أحزن لحزنك وأفرح لفرحك مثل ما أحزن لحزن نفسي وأفرح لفرحها انتهى.
والذي يتجه ترجيحه في الأول أنه إن أراد نسبة حقيقة الظلم على الله تعالى كفر وإلا فلا، وفي الآخرين إن أراد حقيقة الدوام في أولاهما أو حقيقة المماثلة في ثانيتهما كفر، لأنه نسب إلى علم الله تعالى غير الواقع، ومن اعتقد أنه تعالى يعلم الواقع على غير ما هو عليه فلا شك في كفره، لأن هذا العلم عين الجهل، ونسبة الجهل إلى الله تعالى كفر اتفاقا، وأما إذا أراد بذلك المبالغة فإنه لا يكفر به.
[ ٢٠٦ ]
وأنه لو قيل له: ألا تقرأ القرآن أو ألا تصلي؟ فقال: شبعت من القرآن أو من الصلاة كفر انتهى.
والذي يتجه أن محل الكفر هنا إن أراد الاستخفاف بالقرآن أو بالصلاة وإلا فلا، لأن ذلك قد يعبر به عن وقوع ملل في النفس وإبائها عن تحمل ثقل الطاعات من غير استخفاف بها.
وأنه لو قيل له: صل، فقال: العجائز يصلون عنا، أو الصلاة المعمولة وغير المعمولة واحدة، أو صليت إلى أن ضاق قلبي. أو قيل له: صل حتى تجد حلاوة الصلاة، فقال: لا تصل أنت حتى تجد حلاوة ترك الصلاة، أو قيل لعبد: صل فقال: لا أصلي فإن الثواب لمولاي كفر المجيب بما ذكر في الجميع انتهى.
وله وجه في غير الأخيرة، فإن ذلك ظاهر في الاستخفاف والاستهزاء بالصلاة، والفرق بين قوله فيما مرّ: شبعت، وقوله هنا: إلى أن ضاق قلبي ظاهر، فإن الشبع من الشيء لا يستلزم ذمه بوجه، بل يستلزم مدحه، إذ لا يشبع إلا من الحسن غالبا بخلاف ضيق القلب، فإنه إنما يعبر به عن القبيح، ففيه غاية الذم والاستخفاف، وأما الأخيرة أعني قول العبد ما مرّ، فلا دلالة فيما قاله على الاستخفاف والاستهزاء، ومن ثم صرح في الأنوار بعدم الكفر فيها وهو الأوجه.
وأنه لو سمع خصمه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: إيش يكون لا حول، أو إيش تعمل أو نحو ذلك كفر انتهى.
قلت: وكأن وجهه أن هذا فيه استخفاف بحول الله وقوته ونسبة الله تعالى إلى العجز وهو ظاهر فيمن عرف معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قائل ذلك إما جاهل لا يعرف معنى هذه الكلمة، فينبغي فيه ألا يطلق القول بكفره، بل يعرف معناها فإن عاد عالما لما قاله كفر، وإلا فلا.
وأنه لو سمع مؤذنا فقال: هذا صوت الجرس كفر انتهى.
وفي إطلاق الكفر هنا نظر، والذي يتجه أنه لا يكفر إلا إن قصد بذلك الاستخفاف أو الاستهزاء بالأذان نفسه.
[ ٢٠٧ ]
وأنه لو قيل لظالم: اصبر حتى المحشر، فقال: أي شيء في المحشر كفر، وأنه لو قيل له: فلان يأكل حلالا، فقال: أحضره حتى أسجد له كفر انتهى.
وفي إطلاق الكفر هنا نظر، إذ غاية العزم للسجود لإنسان أنه كالسجود لا على السجود له بالفعل، وقد صرَّحوا بأن سجود جهلة الصوفية بين يدي مشايخهم حرام، وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر، فعلم من كلامهم أن السجود بين يدي الغير منه ما هو كفر، ومنه ما هو حرام غير كفر، فالكفر أن يقصد السجود للمخلوق، والحرام أن يقصده لله تعالى معظمًا به ذلك المخلوق من غير أن يقصده به أو لا يكون له قصد.
وأنه لو رجع من مجلس عالم فقالت زوجته: لعنة الله على كل عالم كفرت انتهى.
ويتوجه أن محله فيمن أرادت حقيقة العموم الشامل للأنبياء أو أطلقت، بخلاف من أرادت نوعًا غير ذلك.
وأنه لو أمره آخر بحضور مجلس العلم، فقال: أي شيء أعمل بمجلس العلم كفر انتهى.
وفي إطلاق الكفر هنا نظر، ويتجه أن محله فيمن أراد الاستخفاف أو الاستهزاء، لأن اللفظ يحتمل غيرها، وليس ظاهرًا فيهما.
وأنه لو قال لفقيه: هذا هوسي كفر انتهى.
وفيه نظر، اللهم إلا أن يستخف أو يهزأ به من حيث الفقه الذي هو متلبس به، فلا شك في كفره حينئذٍ.
وأنه لو أعطى خصمه فتوى علم فألقاها بالأرض، وقال: أي شيء هذا الشرع كفر، وأنه لو قال لزوجته: يا كافرة أو يا يهودية فقالت: أنا كما قلت كفرت، وأنه لو قيل لمرتكب الصغائر: تب إلى الله تعالى، فقال: أي شيء عملت حتى أتوب كفر انتهى.
وفي إطلاق الكفر في هذه الأخيرة نظر لاحتمال أن يريد أنها تكفر باجتناب الكبائر كما قال به جماعة، بل هو الأصح، وتكفيرها بذلك لا ينافي وجوب
[ ٢٠٨ ]
التوبة منها كما هو ظاهر، لأن التكفير من أمور الآخرة التي لا تظهر فائدتها إلا ثم، بخلاف وجوب التوبة فإنه من أُمور الدنيا وترتبط به أحكام دنيوية، فاختلفا فائدة وأحكامًا فلا يلزم من التكفير سقوط وجوب التوبة، وإذا احتمل اللفظ ما ذكر احتمالًا ظاهرًا لم يحسن إطلاق القول بالكفر، فالذي يتجه أنه لا يكفر إلا إن أراد أنه لم يعمل معصية من أصلها، لما مرَّ أن إنكار المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة كفر، كبيرة كان أو صغيرة.
وأنه لو قال: فلان كافر وهو أكفر مني كان إقرارًا بالكفر، انتهى حاصل مما وقع في العزيز بالعجمية، وترجم عنه بما مرّ مما علمت ما في أكثره من النظر وترجيح خلاف إطلاقه فتأمل ذلك واعتن به فهمًا وحفظًا فإنه مهم، والعجب من القمولي وغيره حيث نقلوا ذلك، ولم يعترضوه بشيء مع ظهور ما قدمته فيه.
[ ٢٠٩ ]
فرع:
قال بعض المالكية أيضًا: من قال: إن كان قيل في حقي أو حق فلان أو إن جرى له كذا، فقد قيل في حق الأنبياء أو جرى لهم حرم عليه إطلاق ذلك، لأن ما انتقص به بضيفه للأنبياء فيؤدب، وفهم بعضهم من كلام الشفاء السابق أنه يكفر بذلك، وليس كما فهم.
وقد قال الغزالي أول منهاجه ردًا على من تكلم في كلامه: وأي كلام أفصح من كلام رب العالمين، وقد قالوا أساطير الأولين، وقد قال الإمام الكبير إمام أصحابنا أبو منصور البغدادي أنه قال في جواب من طعن في الشافعي رضي الله تعالى عنه بأنه لم يكمل اجتهاده لتوقفه في الراجح من القولين له، وليس الشافعي أجل من رسول الله ﷺ. وقد توقف في قذف الرجل زوجته حتى نزلت آية اللعان.
[ ٢١٠ ]
وقال: الشيخ أبو إسحاق ردًا على من طعن على الأشعري وأصحابه: وإذا كان النبي ﷺ مع معجزاته لم يخل من عدو منافق وحاسد فاسق ينسب إليه ما ليس عليه، فغيره أولى وأحرى أن لا يسلم من ذلك.
[ ٢١١ ]
ولما حكى اليافعي ما مرَّ قال: وليس في مذهبنا ما يوافق القول بالتفكير لا تصريحًا ولا تلويحًا، وليس لمن قال به دليل، وتعليله بأن القصد التشبيه والانتقاص فاسد، إذ لا يقصد ذلك من في قلبه إسلام، بل المراد: كيف لا يتكلم في حقير مثلي وقد تكلم في الأكابر؟ قال بعض المتأخرين: بل إطلاق التحريم في ذلك بحسب مذهبنا منظور فيه انتهى.
والوجه عدم التحريم حيث كان المراد ما قاله اليافعي أو أطلق.
[ ٢١٢ ]
وإذ قد علمت أكثر المكفرات عند الحنفية والمالكية، فلنذكر لك طرفًا من المكفرات عند الحنابلة سواء وافقوا ما مرّ أو خالفوه.
وحاصل عبارة الفروع أن مما يكون كفرًا جحد صفة له تعالى اتفق على إثباتها، أو بعض كتبه أو رسله أو سبه أو رسوله، أو ادعاء النبوة، أو بغض الرسول أو ما جاء به، وترك إنكار كل منكر بقلبه، وجحد حكم ظاهر مجمع عليه والشك فيه ومثله لا يجهل، وبعضهم يكفر جاحد تحريم النبيذ وكل مسكر، ومن ذلك أن يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم قالوا: إجماعا، أو يسجد لنحو شمس أو يأتي بفعل أو قول صريح في الاستهزاء أو توهم أن من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم من قاتل مع الكفار أو أجاز ذلك، قيل: أو كذب على نبي، أو أصر في دارنا على خمر أو خنزير غير مستحل، ولا كفر بجحد قياس اتفاقًا بل بسنة راتبة، وخالف فيه جماعة من التابعين والعراقيين. ومن أظهر الإسلام وأسر الكفر فمنافق كافر كابن أبي سلول، وإن ظهر أنه قائم بالواجب وفي قلبه أنه لا يفعل فمنافق كقوله تعالى في ثعلبة:
[ ٢١٣ ]
(وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ ضله) الآية. التوبة/٧٥. وفي كفره وجهان: والراجح أن ما كان من النفاق في الأفعال لا كفر به كالرياء للناس.
ومنهم من كفر الحجاج لإخافته المدينة وانتهاكه حرم الله
[ ٢١٥ ]
وحرم رسوله، فأورد عليه يزيد ونحوه، ومن ثم كان الراجح ما نص عليه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه وأصحابه من عدم الكفر وحرمة اللعن، خلافًا لابن الجوزي منهم وغيره، ولا يكفر حاكي كفر سمعه من غير اعتقاده، ولعله إجماع.
[ ٢١٦ ]
وفي الانتصار: من تزيا بزي الكفار من لبس غيار أو شد زنار أو تعليق صليب بصدره حَرُم ولم يكفر، وميل كلام بعضهم إلى الكفر، وفي الفصول: إن شهد عليه أنه كان يعظم الصليب مثل أن يقبله أو يتقرب بقربانات أهل الكفر ويكثر من دخول بيعهم وبيوت عباداتهم احتمل أنه ردة، وهو الأرجح؛ لأن المستهزئ بالكفر يكفر، ولأن الظاهر أنه يفعل ذلك عن اعتقاد.
وجزم ابن عقيل بأن من اتهم القرآن أو غمصه أو طلب أن يناقضه، أو ادعى أنه مختلف فيه أو مختلق أو مقدور على مثله، ولكن الله منع قدرتهم كفر، بل هو معجز بنفسه والعجز شمل الخلق. انتهى حاصل كلام الفروع.
وبتأمله يعلم أنه موافق لما قدمناه من مذهبنا وغيره في أكثر ما ذكر.
وعندهم أن ترك الصلاة كفر إن دعي إليها وامتنع دون غيرها من العبادات.
واعلم أن الدعاء ينقسم إلى كفر وحرام وغيرهما.
فما هو كفر أن يسأل نفي ما دل السمع القاطع على ثبوته، كاللهم لا تعذب من كفر بك، أو اغفر له أو لا تخلد فلانا ً الكافر في النار، لأن ذلك طلب لتكذيب الله تعالى فيما أخبر به، وهو كفر، وكأن يسأل الله تعالى أن يريحه من البعث حتى يستريح من أهوال يوم القيامة، لما ذكر قبله، ومنه أن يطلب ثبوت ما دلّ السمع القاطع على نفيه، كاللهم خلد فلانًا المسلم عدوّي في النار، ولم يرد
[ ٢١٧ ]
سوء الخاتمة، أو يطلب أن الله يحييه أبدًا حتى يسلم من سكرات الموت، أو أن الله يجعل إبليس محبًا له وناصحًا لبني آدم أبد الدهر حتى يقل الفساد.
هذا والتكفير بجميع ما ذكر ذكره القرافي. ولك أن تقول: لعله مبني على أن لازم القول قول، وقد مرّ أن لازم المذهب ليس بمذهب، فعليه لا كفر بمجرد هذه الأقوال إلا إن أراد مع ذلك عدم حقيقة ما دل على الوقوع أو عدمه أو أنه يتطرق إليه الكذب، أو شك في ذلك.
أما إذا لم يكن له قصد أو أراد أن الله لا يجب عليه شيء، فلا ينبغي أن يكون كفرا.
ثم رأيت بعض أئمة مذهب القرافي، قال عقب كلامه المذكور: ولك أن تقول هذا: من طلب ما لا فائدة في طلبه من حيث العلم بحصول ذلك، ولا كفر يلزم منهما وليس إلزام الكفر بأولى من إلزام طلب العبث، بل إلزام هذا أولى، استصحابا للإيمان المعلوم منه بأشياء كثيرة وبالصريح انتهى.
وهو حسن، ومما يكون من الدعاء كفرًا أيضًا أن يطلب الداعي نفي ما دلَّ العقل القطعي على ثبوته مما يخل بإجلال الربوبية، كأن يسأل الله تعالى سلب علمه حتى يستتر العبد في قبائحه، أو سلب قدرته حتى يأمن المؤاخذة، أو ثبوت ما دلَّ القاطع العقلي على نفيه مما يخل بإجلال الربوبية كأن يعظم شوق الداعي إلى ربه فيسأله أن يحل في شيء من مخلوقاته حتى يجتمع به، أو أن يجعل التصرف في العالم بما أراد.
قال القرافي: وقد وقع هذا لجماعة من جهلة الصوفية، ويقولون: فلان أعطي كلمة "كن" فيكون ويسألون أن يعطوا كلمة "كن" التي في قوله تعالى: (إِنَّمَا
[ ٢١٨ ]
أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يس/٨٢. وما يعلمون معنى هذه الكلمة في كلام الله تعالى، ولا يعلمون ما معنى إعطائها إن صح أنها أعطيت، ومقتضى هذا الطلب الشركة في الملك، وهو كفر، والحلول كفر، أو أن يجعل بينه وبينه نسبًا يشرف به على العالم؛ لأنه طلب استيلاء وهو كفر.
وما ذكره في هذه الأنواع صحيح لما مرَّ أن من شك في سلب صفات الله تعالى الذات عنها، أو أنه تعالى يحل في شيء أو يحل فيه شيء أو أن له ولدًا أو أنه يلد أو يولد كفر، وسؤال شيء من ذلك إنما ينشأ عن تجويز وقوعه وهو كفر، لكن ما ذكره عن الصوفية فيه نظر؛ لأنه لا يلزم عليه نسبة النقص إليه تعالى فضلًا عن كونه مصرحًا بذلك، فالصواب فيه عدم الكفر.
ثم رأيت بعض أئمة مذهبه قال: قلت: إلزامه الكفر للصوفية من حيث قولهم: أعطي فلان كلمة "كن" غير صحيح، فإن هذا الكلام يصدق على من خرق الله تعالى له العادة مرة أو مرتين، بأن طلب من ربه شيئًا أوْهم بشيء فتصور مطلوبه على وفق مراده بغير تدريج، بل دفعة، وهذا القدر صحيح وجوده، ولا يلزم منه الشركة لله تعالى في الملك ولا بأكثر من ذلك انتهى وهو حسن.
قال القرافي: واعلم أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليس عذرًا عند الله تعالى، لأن القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف رفعه لا يكون حجة للجاهل على الله تعالى.
ثم قال: نعم، الجهل الذي لا يمكن المكلف رفعه بمقتضى العادة يكون عذرًا، كما لو تزوّج أخته يظنها أجنبية، وأصل هذا الفساد الداخل على الإنسان في هذه الأدعية إنما هو الجهل، فاحذر منه واحرص على العلم فهو النجاة كما أن الجهل هو الضلال انتهى.
[ ٢١٩ ]
وقد ذكر بعد ذلك انقسام الدعاء إلى محرّم وغيره، وأطال فيه بما في بعضه نظر، ولا غرض لنا في ذكره في هذا الكتاب، وقد ذكرت جملًا من أحكام الدعاء في كتابي (شرح مختصر الروض) آخر باب صفة الصلاة، فانظره إن أردت فإنه جمع في ذلك فأوعى، أسأل الله تعالى قبوله وتيسير إتمامه في عافية بلا محنة، آمين.
[ ٢٢٠ ]