هذا موافق لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣، ١٤]. وهل المراد بدخول الجنة الدخول الأولي، أم المراد الدخول بعد التمحيص من الذنوب؟ هذا يعتمد على صفة الإباء؛ فإن كان الذي أبى، قد أبى الدين من أصله، فإنَّه لا يدخل الجنة قطعًا، ويكون قوله: «كلُّ أمتي» أي: أمة الدعوة، وإن كان الذي أبى، وقع منه إباءً في بعض الأوامر والنواهي، بمعنى المعصية، فيكون قوله: «كلُّ أمتي» أي: أمة الإجابة، فإنَّه يكون تحت المشيئة والإرادة، إن شاء الله عذَّبه بقدر ذنبه ومآله إلى الجنة، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦].
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ برقم (٧٢٨٠).
[ ٣٤ ]
ولفظ (الأمة) يرد على أحد معنيين:
١ - أمة الدعوة: فتشمل كلّ من كان بعده إلى يوم القيامة، كما في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني» (^١) فالأمة في هذا الحديث يراد بها أمة الدعوة؛ لأنَّه جعل فيها اليهودي والنصراني.
٢ - أمة الإجابة: وهم الذين استجابوا للإسلام، ودخلوا في هذا الدين، كقوله: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ» (^٢)