قال المصنف ﵀: "باب: فضل الإسلام" الفضل: هو الشرف، والزيادة.
و الإسلام لغةً: مأخوذ من الاستسلام، وهو الانقياد والخضوع.
واصطلاحًا، بالمعنى العام هو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، وهو، بهذا الاعتبار، دين الله للناس جميعًا؛ الأولين والآخرين، ليس لله دين سواه. وهو الذي بعث الله تعالى به جميع الأنبياء والمرسلين، فما من نبي، ولا تابع نبي، إلا وهو مسلم بهذا الاعتبار. والدليل على هذا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا
[ ٩ ]
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
فدين الله واحد، هو الإسلام، وعقيدة الأنبياء واحدة، وهي التوحيد، فلا يجوز التفريق بين رسل الله، لأنَّ الله قد جمعهم، ووحَّد دينهم؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وذم الله الذين يفرِّقون بين رسله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥٢].
ولذلك سماهم الله تعالى مسلمين، ووصفهم بالإسلام، وهو الاسم القديم، الباقي، لأولياء الله على مر العصور:
- قال تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢].
- وقال عن إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
- وقال عنه، وعن إسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]- وبرَّأه من اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].
- وقال عن يعقوب ﵇ وبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢ - ١٣٣]
- وقال عن يوسف-﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١].
- وقال عن موسى ﵇ أكبر أنبياء بني إسرائيل: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ
[ ١٠ ]
آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وأدرك هذا المعنى سحرة فرعون، حينما رأوا الحق الصُراح، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، ولما هلك فرعون، أو كاد، فَاهَ بهذا الوصف: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
- وأخبر عن ملكة سبأ أنها قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].
- وأخبر عن حواريي عيسى ﵇-أنهم قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، وفي موضع: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١].
- وقد سمَّى الله تعالى جميع أنبياء بني إسرائيل مسلمين، كما في قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤].
- بل إنَّ مؤمني الجن عبَّروا بهذا التعبير فقالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤].
- وأمر نبيه محمدًا ﷺ بما أمر الله تعالى به الأنبياء والمرسلين، فقال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢]، وفي موضع: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
فهذا الحشد من الآيات يُبيِّن أنَّ لفظ (الإسلام) لفظ قديم، واصطلاح عتيق، لم يأتِ مع بعثة محمد ﷺ، بل هو دين الله للأولين والآخرين، فهذا هو الإسلام بالمعنى العام.
وإنما وقع التنوع في الشرائع، كما قال ﷺ «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» متفق عليه. (^١) والإخوة لعلات، هم أبناء الضرائر.
_________________
(١) (أخرجه البخاري في باب قول الله: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا، برقم (٣٤٤٣)، وأخرجه مسلم في باب فضائل عيسى ﵇، برقم (٢٣٦٥)
[ ١١ ]
ووجه الشبه أن الأنبياء دينهم واحد، وشرائعهم متنوعة، كما أن أبناء الضرائر، أبوهم واحد، وأمهاتهم متعددات.
وأما الإسلام بالمعنى الخاص: فهو ما بعث الله به محمدًا ﷺ-من العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والآداب القويمة، والأخلاق الرفيعة، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. فالإسلام بالمعنى الخاص، هو اللقب الذي غلب على هذه الأمة. فتبيَّن بهذا اتصال حلقات الإسلام، كما قال تعالى عن مؤمني أهل الكتاب: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥١ - ٥٤].
فهذا هو الإسلام الذي عنون له المصنف بقوله: "باب فضل الإسلام" وصدّره بثلاث آيات:
الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]: هذه آية عظيمة، وهي من آخر ما نزل على النبي ﷺ، فيها امتنان بليغ من الله تعالى على هذه الأمة؛ بإكمال الدين، وإتمام النعمة، فعن طارق بن شهاب، أن يهوديًا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت، معشر اليهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: وأيُّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر ﵁: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة (^١). وفي رواية: "نزلت ليلة جمع" أي: ليلة المزدلفة، وهي عشية يوم عرفات "ونحن مع رسول الله ﷺ بعرفات" (^٢).
قال الإمام النووي ﵀: "ومراد عمر ﵁ أنا قد اتخذنا ذلك اليوم
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب التفسير برقم (٣٠١٧).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب التفسير برقم (٣٠١٧).
[ ١٢ ]
عيدًا من وجهين: فإنَّه يوم عرفة، ويوم جمعة، وكلٌّ منهما عيد لأهل الإسلام" (^١).