قال المصنف ﵀: "باب: وجوب الاستغناء بمتابعته" الضمير في قوله:
_________________
(١) (جاء في النص المحقق في مجموعة أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (باب وجوب الاستغناء بمتابعته) وعلق عليه عبارة "يعني القرآن"، وقال محققوه: هكذا ورد في مخطوطة الشيخ محمد بن عبد اللطيف. وفي مخطوطة عبد الرحمن الحصين: (وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه)، وفي مخطوطة المفتي: (وجوب الاستغناء بمتابعته عن كل ما سواه).
(٢) أخرجه أحمد ط الرسالة، برقم (١٥١٥٦)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٨٣٦). ولم نجده في النسائي، كما قال المصنف.
(٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٤٧) والبغوي في شرح السنة برقم (١٢٦).
(٤) شعب الإيمان برقم (٤٨٣٦) ومصنف عبد الرزاق الصنعاني برقم (١٠١٦٤).
[ ٥٤ ]
"بمتابعته" يعود إلى غير مذكور، وهوالقرآن، كما تدل االنصوص التي أوردها المصنف، وقد وقع في بعض النسخ تفسير الضمير ب"الكتاب"، وفي بعضها: "يعني القرآن. والمقصود: أنَّه يُستغنى بالقرآن العظيم عما سواه. وعلى تقدير أن العبارة "بمتابعته الكتاب" فالتقدير: بمتابعة المسلم الكتاب.
والمراد بالاستغناء: الاكتفاء، فلا يحتاج لسواه. وقد ورد في الحديث: «ليس منَّا من لم يتغنَّ بالقرآن» (^١)، قال بعض شرَّاح الأحاديث: إن معنى: (يتغنى) يستغني (^٢)، فيجب أن يستغني بالقرآن.
وحمله أكثرهم على القراءة بلحن وترتيل (^٣). قال النووي: "والصحيح: أنه من تحسين الصوت، ويؤيده الرواية الأخرى: «يتغنى بالقرآن يجهر به» (^٤) " (^٥).
قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ القرآن العظيم متضمن لبيان كل شيء، لكن لا يلزم من ذلك أن يتضمن بيان التفاصيل في مختلف الفنون والعلوم، وإنما يتضمن القواعد، والأسس، والأصول التي يندرج تحتها ما لا حصر له من الفروع. مثال ذلك:
- قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] هذه آية جامعة، فيها أصل عظيم، وحافز للمسلمين على اتخاذ جميع أسباب القوة التي يتمكنون بها من نشر الدين.
- قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: ١٣] برقم (٧٥٢٧).
(٢) فسره بذلك سفيان بن عيينة. ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ٢٥٨) وفتح الباري لابن حجر (٩/ ٦٨).
(٣) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٣/ ٣٦٨) وشرح النووي على مسلم (٦/ ٧٩).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن برقم (٧٩٢).
(٥) شرح النووي على مسلم (٦/ ٧٩).
[ ٥٥ ]
[المائدة: ٢] فكل برٍّ وتقوى يندرج تحت هذه الآية، وكل إثم وعدوان يندرج تحت الجملة الثانية.
فالمقصود أنَّه لا يدع شاذة ولا فاذة إلا وقد بيَّنها، والسنة مكمِّلة للقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]، وقد قال أبو ذر ﵁: "لقد تركنا محمد ﷺ، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا" (^١). ثم تجد بعض السفهاء، وقاصري النظر، وعديمي العقل، والعلم، يقول قائلهم: ما دخل الدين في كذا؟ وما شأن الدين في كذا؟ وكأنَّما الدين، في نظره، يقبع في زاوية من زوايا الحياة! كلا! الدين يملأ جميع مناحي الحياة ويستوعبها، فلا يوجد شيء من أمور الحياة إلا وقد بيَّنه، ولا يحلُّ أنَّ نستعيض عن دين الله الحق، الصافي، بما اختلط وتكدر وحُرِّف.
وأما قصة عمر ﵁ فقد رواها جمع من المحدثين، بسياقات مختلفة، وحسنها الألباني (^٢) يجمعها حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: (أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِنُسْخَةٍ مِنْ التَّوْرَاةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنْ التَّوْرَاةِ) (^٣) (أَصَبْتُهَا مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَعْرِضُهَا عَلَيْكَ؟) (^٤) (" فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ"، فَجَعَلَ عُمَرُ يَقْرَأُ، " وَوَجْهُ رَسُولِ اللهِ يَتَغَيَّرُ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ، أَمَا تَرَى وَجْهَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَغَضَبِ رَسُولِهِ، رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا) (^٥) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢١٣٦١) وقال محققو المسند: "حديث حسن".
(٢) (انظر: الإرواء: ١٥٨٩، صَحِيح الْجَامِع: ٥٣٠٨، الصَّحِيحَة: ٣٢٠٧، المشكاة: ١٧٧
(٣) (أخرجه الدارمي: (٤٣٥)
(٤) (أخرجه أحمد برقم (١٨٣٦١)
(٥) (أخرجه أحمد برقم (١٥٩٠٣)، والدارمي برقم (٤٣٥)
[ ٥٦ ]
" أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً) (^١) (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَصْبَحَ مُوسَى فِيكُمْ فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي، لَضَلَلْتُمْ) (^٢) (عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي) (^٣) (مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) (^٤) (أَنَا حَظُّكُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ حَظِّي مِنَ الْأُمَمِ) (^٥) (لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ") (^٦)
وقد ذكر الله ﷾ في سورة المائدة هذه الكتب الثلاثة على نسق، فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، ثم ثنَّى فقال: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦]، ثم ثلَّث فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠].
_________________
(١) (أخرجه أحمد برقم (١٥١٩٥)
(٢) (أخرجه أحمد (١٥٩٠٣)
(٣) (أخرجه الدارمي: (٤٣٥)
(٤) (أخرجه أحمد برقم (١٥١٩٥)
(٥) (أخرجه أحمد برقم (١٥٩٠٣، ١٨٣٦١)
(٦) (أخرجه أحمد برقم (١٥١٩٥)
[ ٥٧ ]
باب (٦)