البدعة لغةً: البدء، والإنشاء، والاختراع على غير مثال سابق. والمراد بها في الاصطلاح: الإحداث في الدين، كما قال النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (^٣).
والإحداث قد يكون في العقائد، وقد يكون في الأقوال، وقد يكون في الأعمال، فكلُّ من أحدث في الدين ما ليس منه، سواء كانت بدعةً عقدية، أو قولية، أو عملية.
والبدعة تارة تكون أصلية، وتارة تكون إضافية: فالبدعة الأصلية: أن يُحدِث في الدين ما لا أصل له. والبدعة الإضافية: أن يعمد إلى أمر مشروع، له أصل في الدين، فيضيف إليه شيئًا ينقله عن وضعه الشرعي، إما من جهة سببه، أو جنسه، أو قدره، أو مكانه، أو زمانه، أو كيفيته. وهي أكثر ما يقع بين الناس.
وقد عرَّف الشاطبي ﵀ البدعة بقوله: "طريقة في الدين مخترعة،
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار برقم (١٠١٧).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة برقم (٢٦٧٤).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود برقم (٢٦٩٧) ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم (١٧١٨).
[ ٧٨ ]
تضاهي الشرعية، يقصد بالسير عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" (^١). فقوله: "البدعة طريقة في الدين" أخرجت أمور الدنيا، فلا يدخل في البدعة ما يتعلق بالمباني، والمراكب، والمطاعم، والمشارب، وغير ذلك. وقوله: "مخترعة" أي: على غير مثال سابق. وقوله: "تضاهي الشرعية" أي: أنَّ لها شبه بالأمور الشرعية، وبذلك راجت على الجهال. وقوله: (يقصد بالسير عليها المبالغة في التعبد لله تعالى) لذلك لم يكتفِ بالسنن. وقد تقدم أنَّ اقتصادًا في سنة خيرٌ من اجتهاد في بدعة (^٢)، وأنَّ البدعة لا تزيده من الله إلا بُعدًا (^٣)، وأنَّه ما أُقيمت بدعة إلا وأُميتت سنة (^٤)، فلهذا جاء النهي عنها. وأعظم البدع: البدع العقدية، وأعظم البدع العقدية: الشرك، وهو تسوية غير الله بالله، فيما هو من خصائص الله؛ في ربوبيته، أو ألوهيته، أو أسمائه وصفاته. لهذا استدل المصنف بثلاث آيات، وعدة أحاديث:
الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إنما كان الشرك أعظم أنواع البدع، لأن الله لا يغفره، فمن ابتدع بدعة تتعلق بصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، فقد أتى بما هو أكبر من الكبائر؛ لأنَّ الكبائر تحت المشيئة والإرادة؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه. فمن عقد القباب على الأضرحة والقبور، ودعا الناس إلى الطواف بها، وسؤال الموتى، والاستغاثة بهم، وما أشبه ذلك، فقد أتى أمرًا لا يُغفر.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (١/ ٥٠).
(٢) من كلام ابن مسعود، كما في المعجم الكبير للطبراني، برقم (١٠٣٣٧) ومن كلام أبي الدرداء في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي برقم (١١٥).
(٣) البدع لابن وضاح برقم (٦٦) عن الحسن قال: "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادًا صيامًا وصلاة إلا ازداد من الله بعدًا".
(٤) فيض القدير (٥/ ٤١٢) قال الحرالي: "وقد جرت سنة الله بأنه ما أمات أحد سنة، إلا زاد في خذلانه بأن تحيا على يده بدعة".
[ ٧٩ ]
النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ التقدير: لا أحد أظلم، والمقصود في هذا المقام المعين؛ مقام الافتراء. فالمبتدع مفترٍ على الله، كأنَّما يقول للناس: هذا خبر الله فصدقوه، وهذا أمر الله فامتثلوه! بلا دليل، ولا أثارة من علم. ولا ريب أنَّ القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وهذا من باب الترقي حتى بلغ منتهاه.
الآية الثالثة قول الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ هذا من شؤم سعايتهم في الإضلال، فكل من ابتدع بدعة، فإنَّه يتحمل وزرها، ووزر من عمل بها.