قوله: "باب: ما جاء أنَّ الله احتجز التوبة على صاحب البدعة" قال ابن فارس: (الحاء والجيم والزاء، أصل واحد مطرد القياس، وهو الحول بين الشيئين) (^١).
والمروي عن أنس والحسن كله ضعيف. وعلى تقدير صحته فليس المقصود أنَّ المبتدع إذا تاب لا تصحُّ توبته، وإنَّما المقصود: أنَّه لا يُوفَّق للتوبة غالبًا، وسرُّ ذلك أنَّ المبتدع يرى أنَّه على حق، كما قال الله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] فلا يفكر في النظر في حاله، وطلب الهدى. بينما العاصي الذي يتلطخ بقاذورات الكبائر؛ من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمور، يشعر في قرارة نفسه بأنَّه مخطئ، وربما يتمنى أن تواتيه الفرصة للتوبة، لكن المبتدع يُخيَّل إليه أنَّه على صواب وغيره على خطأ، فلا يخطر بباله أن يدع ما هو عليه.
قوله: "وذكر ابن وضاح عن أيوب قال: كان عندنا رجل يرى رأيًا" أراد رأي الخوارج، كما سيأتي. قوله: "فأتيتُ محمد بن سيرين" الأنصاري، البصري، تابعي، ثقة، عابد، مات سنة عشر ومائة.
قوله: "فقلت: أشعرت أنَّ فلانًا ترك رأيه؟ " أي: هل علمت، أو هل بلغك أنه ترك بدعته.
قوله: "انظر إلى ماذا يتحول؟ " أي: تريث!، ولا تفرح، ولا تذهب بعيدًا في التفاؤل.
قوله: "إنَّ آخر الحديث أشدُّ عليهم من أوله: «يمرقون من الإسلام، ثم لا يعودون فيه» هذا دليل أنَّ الرجل كان يقول بقول الخوارج فترك مقالة
_________________
(١) (معجم مقاييس اللغة: (٢٧٩)
[ ٨٥ ]
الخوارج، لكن مرجع الضمير في قوله «ثم لا يعودون فيه» على الإسلام، فدل على أنَّهم لا يُوفَّقون للتوبة.
قوله: "وسُئل أحمد عن معنى ذلك، فقال: لا يُوفَّق للتوبة" التوبة توفيق من الله، فلا يظنُّ ظانّ أنَّ التوبة في كم قميصه، يخرجه متى شاء، ويرده متى شاء، يقول الله ﷿: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] فالله تعالى هو التوَّاب، والتواب لها معنيان: أنَّه يوفِّق للتوبة، وأنَّه يقبل التوبة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: (وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّ تَوْبَةَ الْمُبْتَدِعِ لَا تُقْبَلُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَد وَالْمُقَفَّى وَالْحَاشِرُ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ﴿أَنَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَأَنَا نَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ بُعِثَ بِالْمَلْحَمَةِ وَهِيَ: الْمَقْتَلَةُ لِمَنْ عَصَاهُ وَبِالتَّوْبَةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَبِالرَّحْمَةِ لِمَنْ صَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ وَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِين … قَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَتَوْبَةِ الدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ وَفِي ذَلِكَ نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا نِزَاعٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّمْثِيلِ وَالْبَيَانِ فِي "الْجَامِعِ" وَغَيْرِهِ وَتَكَلَّمُوا أَيْضًا فِي تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهُمْ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي كَوْنِ التَّوْبَةِ فِي الظَّاهِرِ تَدْفَعُ الْعُقُوبَةَ: إمَّا لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهَا وَإِمَّا لِكَوْنِهَا لَا تَمْنَعُ مَا وَجَبَ مِنْ الْحَدِّ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الزِّنْدِيقَ وَنَحْوَهُ إذَا تَابَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَوْبَةً صَحِيحَةً لَمْ يَتَقَبَّلْهَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الْقَاتِلُ وَالْمُضِلُّ فَذَاكَ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ وَالتَّوْبَةُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ لَهَا حَالٌ آخَرُ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْكَلَامِ فِيهَا وَفِي تَفْصِيلِهَا وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ) (^١)
_________________
(١) (مجموع الفتاوى (١٥/ ٤٠٦ - ٤٠٨)
[ ٨٦ ]