عقد المصنف هذا الباب لبيان أن دين الإسلام هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وهو الحنيفية، ملة إبراهيم ﵇ التي وصى بها، وأن الخروج عنه خروج عن الفطرة والاستقامة. وذكر فيه ثلاث آيات، وجملةً من الأحاديث.
الآية الأولى: قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ اختلف العلماء اختلافًا واسعًا في معنى الفطرة، وتنوعت عباراتهم في تفسيرها. وقد ختم ابن القيم ﵀ كتابه الحافل النافع (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) بفصل يتعلق بالفطرة، وبين
[ ٩٣ ]
مذاهب الناس فيها، على خمسة أقوال (^١)، ملخصها:
١ - الإقرار بمعرفة الله، وهي العهد الذي أخذه عليهم في أصلاب آبائهم.
٢ - البداءة التي ابتدأهم عليها للحياة والموت، والسعادة والشقاء، إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ.
٣ - السلامة خلقةً، وطبعًا، وبنية، والسذاجة التي ليس معها كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار.
٤ - طبعهم حين ابتداء خلقهم على الإنكار والمعرفة، وعلى الكفر والإيمان.
٥ - الإسلام، أي ابتدأ خلقهم على الإقرار به، ومحبته، والإخلاص له، والإنابة إليه، وإجلاله، وتعظيمه، واعتقاد المثل الأعلى له. وهذا قول عامة السلف، وقد نصره شيخ افسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله-، وبه نطق الكتاب، وصحت به الآثار، وعليه تفاسير السلف.
فلو خُلِّي الإنسان بينه وبين فطرته، ولم يتعرض لاجتيال شياطين الإنس والجن، لاهتدى إلى الإسلام، وليس المقصود من اهتدائه إلى الإسلام أن يعرف تفاصيل الشريعة، وإنَّما تقوده فطرته إلى الإيمان بإلهٍ، خالق، قادر، عليم، عليٍّ، غنيٍّ، رازق، مالك، مدبر، مستحق لصفات الكمال، ونعوت الجلال، مستحق للعبادة، والحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والتضرع، دون ما سواه.
قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية: (فَسَدِّدْ وَجْهَكَ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكَ، مِنَ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي هَدَاكَ اللَّهُ لَهَا، وَكَمَّلَهَا لَكَ غَايَةَ الْكَمَالِ، وَأَنْتَ مَعَ ذَلِكَ لَازِمْ فِطْرَتَكَ السَّلِيمَةَ، الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ
_________________
(١) (انظر الباب الموفي ثلاثين من شفاء العليل: ٣/ ١٣٨٧ - ١٤٧٦، ت: د. أحمد الصمعاني، د. علي العجلان، ط: دار الصميعي. الأولى ١٤٢٩ هـ
[ ٩٤ ]
قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، وَفِي الْحَدِيثِ: "إني خلقت عِبَادِي حُنَفاء، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ دِينِهِمْ" … وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ لَا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ، فَتُغَيِّرُوا النَّاسَ عَنْ فِطْرَتِهِمُ الَّتِي فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا. فَيَكُونُ خَبَرًا بِمَعْنَى الطَّلَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وَهَذَا مَعْنًى حَسَنٌ صَحِيحٌ) (^١)
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الفطرة السوية هي الحنيفية، ملة إبراهيم، التي عبر عنها بالإسلام. قال ابن كثير ﵀-في بيان مرجع الضمير: (أَيْ: وَصَّى بِهَذِهِ الْمِلَّةِ، وَهِيَ الْإِسْلَامُ لِلَّهِ، أَوْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لِحِرْصِهِمْ عَلَيْهَا، وَمَحَبَّتِهِمْ لَهَا، حَافَظُوا عَلَيْهَا إِلَى حِينِ الْوَفَاةِ، وَوَصَّوْا أَبْنَاءَهُمْ بِهَا مِنْ بَعْدِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾) (^٢)
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لم يزل حبل التوحيد ممدودًا، حتى آلت النوبة إلى خاتم النبيين، وإمام الموحدين في الآخرين محمد ﷺ، فأمره ربه بما أمر به أباه إبراهيم، وأحاله على ملته الحنيفية، كما قال: ﴿وقُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥]، وقال: ﴿ووَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال: ﴿وقُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]، وليس بعد هذا التأكيد تأكيد، ولا فوق هذا الترغيب ترغيب.