لما بين المصنف ﵀ فضل الإسلام على سائر الملل والأديان، أتبعه بهذا الباب في وجوب الدخول في عقد الإسلام. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨ - ٢٠٩]. قال ابن كثير ﵀: (يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، الْمُصَدِّقِينَ بِرَسُولِهِ: أنْ يَأْخُذُوا بِجَمِيعِ عُرَى الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، وَالْعَمَلِ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكِ جَمِيعِ زَوَاجِرِهِ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، والسُّدّي، وَابْنِ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يَعْنِي: الْإِسْلَامُ)
[ ٢٧ ]
واستدل المصنف بثلاث آيات:
الآية الأولى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
الآية الثانية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾
دلت هاتان الآيتان المحكمتان على أن دين الله واحد، وهو دين الإسلام، كما تقدم في الباب الأول. فليس لله دين اسمه "اليهودية"، ولا دين اسمه "النصرانية"، كما يتوهم بعض الناس، فإن قال قائل: فما اليهودية؟ وما النصرانية؟ فالجواب: أن اليهودية: هي ما آل إليه دين موسى ﵇ بعد تحريف الأحبار، والنصرانية: هي ما آل إليه دين عيسى ﵇ بعد تحريف الرهبان. فإنَّ موسى ﵇ لم يُبعث باليهودية، وعيسى ﵇ لم يُبعث بالنصرانية، حاشاهما، بل قد كانا مسلمَين حنيفَين. والدليل على ذلك:
- أنَّ الله تعالى سفَّه من رغب عن ملة إبراهيم، فقال: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وملة إبراهيم هي الإسلام، وأما التهوُّد والتنصُّر، فهو انحراف ورغبة عن ملته.
- وبرَّأ إبراهيم، وسائر أنبيائهم من اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].
- وأنكر عليهم قولهم: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]،، - الآيات الكثيرة الدالة على أنَّ جميع أنبياء بني إسرائيل، وأتباعهم من المؤمنين، ينتمون إلى الإسلام، ويعلنون ذلك، كما تقدم في الباب الأول.
وبهذا يتبيَّن أيضًا بطلان الدعوة إلى وحدة الأديان، أو التقريب بين الأديان، التي ينادي بها بعض الناس، فلا يجوز أن يُلفَّق دين من الإسلام، واليهودية، والنصرانية، أو أن يقال: جميع الطرق تؤدي إلى الله! كلا، فليس ثَمَّ إلا طريق واحد، وسبيل واحد، يؤدي إلى الله، وهو الإسلام، كما استدل المصنف: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ
[ ٢٨ ]
يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. ولم يفُه أحد من المسلمين بهذه الدعوة على مرِّ القرون، وإنَّما فاه بها زنادقة الصوفية والباطنية، كقول ابن عربي:
لقد كنتُ قبل اليومِ أُنكْرُ صَاحِبي *** إِذَا لَم يَكُنْ دِيني إِلَى دِينهِ دَاني
لَقَدْ صَارَ قَلْبِي قَابِلًا كُلَّ صُورَةٍ *** فمَرْعًى لغِزْلَانٍ وَدِيرٌ لِرُهْبانِ
وَبَيْتٌ لِأَوْثَانٍ وَكَعْبَةُ طَائِفٍ *** وَألواحُ تَوْرَاةٍ وَمصْحَفُ قُرْآنِ
أَدِينُ بِدينِ الحبِّ أنَّى تَوجَّهتْ *** رَكائِبُهُ فَالحُبُّ دِيني وَإيِمَانِي (^١).
وقوله:
عَقَدَ الْخَلَائِقُ فِي الْإِلَهِ عَقَائِدًَا *** وَأَنَا اعْتَقَدْتُ جَمِيعَ مَا اعْتَقَدُوهُ (^٢).
فهذا دين الزنادقة، دين التلفيق الذي يُقرُّ جميع الوثنيات، والديانات المحرفة. وهذه الدعوة الفاجرة البائرة فرع عن مقالة وحدة الوجود، فإنَّ من يقول بوحدة الوجود من زنادقة الصوفية، لا بدَّ أن يصوِّب ويصحِّح جميع الصور والأشكال، فعلينا أن نحذر من هذه الدعوات المتلفعة بمرط التسامح، واحترام الآخر، وحرية التعبير، وأن نلزم طريقة القرآن، وهدي رسول الله ﷺ.
وقد الله أمر نبيه ﷺ أن يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] فنحن أصحاب المبادرة إلى الحوار، لكنه حوار واضح الهدف والغاية: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، وهذه الكلمة لم يدعها الله تعالى لتفسير مفسِّر، ولا لقول فقيه، بل تولى بيانها بنفسه، فقال: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. فالواجب علينا أن نجهر بالدعوة إلى دين الله وتوحيده، فإن قبلوا منَّا فالحمد لله، وإن أبوا، فنقول بملء أفواهنا: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا
_________________
(١) ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق "ديوان محيي الدين بن عربي" ت: محمد الشقيري. ط: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية. القاهرة. ط: الأولى ١٩٩٥ م (ص: ٢٤٥).
(٢) فصوص الحكم، دار الكتاب العربي: (٣٤٥).
[ ٢٩ ]
مُسْلِمُونَ﴾ وأما التلفيق، والتوفيق، والالتقاء في منتصف الطريق، والبيانات المشتركة، الرخوة، المضللة، فليست من سبيل المؤمنين.
وقد ساكن النبي ﷺ في المدينة ثلاث قبائل من اليهود، وكان يدعوهم إلى الإسلام، فيأتي إليهم في كنيسهم، في يوم مدراسهم، ويقول لهم: «يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلًا يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه» (^١)، فلا ينتدب لذلك إلا رجل واحد! وأتاه نصارى نجران، وأنزلهم في مسجده، ودعاهم إلى توحيد الله رب العالمين، وجادلهم، وجادلوه، فأبوا، خوفًا على امتيازاتهم، ومناصبهم، حتى بلغ الأمر حد المباهلة: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، ولم يلجأ النبي ﷺ إلى ما يُسمى "البيان المشترك"، بإبراز أوجه الاتفاق، وإقصاء أوجه الافتراق، كما يفعل دعاة الحوار اليوم، بل كانت دعوته صريحة إلى الدخول في دين الإسلام.
في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (^٢)، فياللعجب! أن تسمع من بعض المنتسبين إلى الإسلام من يقول: جميع الطرق تؤدي إلى الله، وجميع الأديان صحيحة، سبحانك هذا بهتان عظيم! فلا يحل لأحد بعد بعثة محمد ﷺ أن يتدين بغير دين الإسلام الذي بُعث الله به، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فالواجب أن ندعو الناس جميعًا إلى الدخول في عقد الإسلام، فإن أجابوا فالحمد لله، وإن أبوا فعليهم ما حُمِّلوا، وعلينا ما حُمِّلنا.
_________________
(١) أخرجه أحمد ط الرسالة برقم (٢٣٩٨٤) وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم".
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته برقم (١٥٣).
[ ٣٠ ]
الآية الثالثة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الصراط المستقيم: هو الدين القويم، والسنة المحكمة، فلا يجوز الحيدة عنه يمنة ويسرة. وليس المراد بالسبل هنا المعاصي؛ لأنَّ المعاصي ليست سبلًا، وإنما هي شهوات، والمراد بالسبل هنا: الديانات، والاعتقادات، والأهواء، والبدع، كما سيذكر قريبًا.