هذان حديثان عظيمان صحيحان، رواهما الشيخان. يقول ابن رجب ﵀ عن حديث: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»: "هذا الحديث
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود برقم (٢٦٩٧) ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم (١٧١٨).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم، فأخطأ خلاف الرسول من غير علم، فحكمه مردود برقم (٩/ ١٠٧) ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم (١٧١٨).
[ ٣٢ ]
أصلٌ عظيم من أصول الدين، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أنَّ حديث: «إنَّما الأعمال بالنيات» (^١) ميزان للأعمال في باطنها، فكما أنَّ كلَّ عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله، فهو مردود على عامله" (^٢)، ويقول النووي ﵀: "هذا الحديث مما ينبغي أن يُعتنى بحفظه، واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به" (^٣)، فهذا أصل عظيم ينبغي أن يعتصم به المؤمن.
قوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» أمرنا: الأمر هو الإسلام، كما قال في الحديث: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ» (^٤) سواء أحدث حدثًا اعتقاديًا، أو حدثًا عمليًا. والإحداث: هو الابتداع في الدين على غير مثال سابق.
قوله: «فهو رد» أي: مردود على صاحبه. فهو باطل في الدنيا والآخرة.
قوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» أفاد رد البدعة العملية على وجه الخصوص.
وبهذا أقام النبي ﷺ السياج الآمن على هذه الشريعة، فلا مدخل لمبتدع، فكلُّ من أحدث شيئًا في الدين يُقال له: ما الدليل على ما قلت؟ ما الدليل على ما عملت؟ فإذا لم يأتِ بدليل ضربنا بقوله عرض الحائط. وبهذا صان الله الشريعة، بفضل هذه النصوص التي أبقاها الله للأمة عصمةً لها، يأوون إليها، ويحاكمون، ويقايسون إليها كل نازلة تنزل بهم.