١ - فضل الإسلام، لما يورثه من اليقين والبينة.
٢ - مشروعية الخطاب العام، وقدوقع في القرآن العظيم بهذه الصيغة: (يا أيها الناس) تسع عشرة مرة.
٣ - أن من أنواع الكفر: كفر الشك.
٤ - بطلان الشرك، وعبادة غير الله.
٥ - التنبيه على استحقاقه للعبادة، لكونه الرب المحيي المميت.
الآية الثالثة: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨] اختلف المفسرون في المخاطب بهذه الآية على قولين:
القول الأول: أنَّ المخاطب بها مسلمة أهل الكتاب، فإنَّهم إن أسلموا فإنَّ الله سيؤتيهم كفلين من رحمته، فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾، أي: آمنوا بمحمد، كما آمنتم بأنبيائكم السابقين، حينئذٍ ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] (^٢). ويؤيد هذا أنَّ الآية جاءت في سياق قوله: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] ويؤيده أيضًا قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] مرتين لإيمانهم بنبيهم، ثم لإيمانهم بمحمد ﷺ.
_________________
(١) مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. القسم الرابع: التفسير: ص ١١٤، ط: جامعة الإمام. أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
(٢) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٢٣/ ٢٠٧).
[ ١٤ ]
القول الثاني: أنَّ المعنى أعم، وأنَّها تشمل مؤمني هذه الأمة، فإنَّهم إذا اتقوا الله، وآمنوا برسوله، فإنَّ الله يضاعف لهم المثوبة (^١). وممن ذهب إلى هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀، فقد قال: "وهذا الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم الله ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا الله تعالى" (^٢).
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ التقوى: أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية، بفعل أوامره واجتناب مناهيه. وأصلها الإيمان بالله، والعلم بالله بأسمائه وصفاته التي تورث محبته، وخشيته.
قوله: ﴿وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. وما يستتبع من وجوب محبته، والصلاة والسلام عليه. أو بمعنى: ازدادوا إيمانًا.
قوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: الكفل هو النصيب. والرحمة هنا هي الرحمة المخلوقة التي بمعنى الثواب، والإنعام، والإحسان، الحاصل من أثر رحمته التي هي صفته. كما قال في الآية الأخرى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤].
قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ النور الذي وعدوا به نوران:
- نور معنوي: وهو الهدى والبصيرة، المستمد من الوحي، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤].
- نور حسي: وهو الذي يكون في عرصات القيامة، كما قال تعالى:، وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢] ﴿يَوْمَ لَا
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (٢٣/ ٢٠٩).
(٢) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: ٨٤٣).
[ ١٥ ]
يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]
قوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الغفر: الستر والتجاوز. ومنه سمي "المغفر" لأنه يستر الرأس، ويقيه. وفي الآية إغراء عظيم لمن شرح الله صدره للإيمان والتقوى.