إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فلقد كان الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي ﵀ علامةً فارقة في تاريخ العقيدة السلفية، لما كتب الله على يديه من أثر عظيم في تجديد الدين، وإحياء التوحيد، ومحاربة الشرك والبدعة، التي ضربت أطنابها، في معظم بلاد الإسلام إبان القرن الثاني عشر الهجري، فدعا، وألف، وكاتب، وجاهد، فلم يحل رأس القرن إلا وقد طبقت دعوته أرجاء الجزيرة العربية، وامتدت آثارها إلى كثير من الأقاليم الإسلامية.
ولد ﵀ في بلدة العيينة، وهي بلدة تقع شمال الرياض، سنة (١١١٥ هـ)، وكان والده عبد الوهاب، قاضي البلدة، وكان جده سليمان بن علي، من كبار الحنابلة في نجد. فنشأ في بيت علم ودين وشرف، وتلقى العلم منذ نعومة أظفاره على والده، فحفظ القرآن ولما يبلغ العاشرة، وزوجه والده وهو ابن اثنتي عشرة سنة، لما رأى من رجولته المبكرة، ونباهته، وكياسته، وجعله يؤم الناس في الصلاة. وطلب العلم في البلدات المحيطة ببلدته، ثم توجه إلى بيت الله الحرام، فقرأ على شيوخ الحرمين، ثم عاد أدراجه، ورحل إلى البصرة، مارًّا بالأحساء. وظهر له من هذه الجولة ما آل
[ ٥ ]
إليه حال المسلمين في القرن الثاني عشر الهجري، من الجهل، والشرك، والبدعة؛ فقد رأى في بلاد الحرمين من صور الشرك والبدع المستوطنة، والوافدة مع أفواج العمار، والزوار، والحجيج، ما يحز في النفس؛ من دعاء غير الله، والاستغاثة بالأولياء والمقبورين، وكذلك الحال في البصرة، والأحساء وفي بلاد نجد، من البدع، والخرافات، والتعلق بالطواغيت، مما أيقظ في قلبه الرغبة في إحياء الدين، وتجديد التوحيد في حياة المسلمين.
فشرع في هذه المهمة العظيمة بالدعوة الصريحة، وجرى له محن وخطوب، حتى ساقه الله تعالى إلى بلدة الدرعية، فالتقى بالإمام محمد بن سعود، فتعاهدا وتعاقدا على نصرة الدين، ونشر التوحيد، ففتح الله عليهما في الجزيرة العربية، واستمر هذا التأثير يسري سريان النور في الظلماء في أرجاء العالم الإسلامي، فتأثر به أناسٌ كثر، ودعوا إلى توحيد رب العالمين.
وألّف الشيخ -رحمه الله تعالى- كتبًا كثيرة، امتازت بالتأصيل، والوضوح، وسهولة العبارة، والتصنيف على طريقة السلف، فلم يكن يخلط كلام الله، وكلام نبيه ﷺ بكلامه، بل كان يكتفي بوضع التراجم للأبواب، ثم يتبعها بذكر المسائل، كما وقع في (كتاب التوحيد)، وربما عقب تعقيبات يسيرة كما في هذا الكتاب.
أما المراسلات؛ فكان يكتب ويناقش ويجادل بالتي هي أحسن، ويورد الحجج، ويقمع الشبهات، فجاهد في الله تعالى جهادًا مبينًا، وأمدَّ الله تعالى في عمره، فكانت وفاته سنة (١٢٠٦ هـ) أي: أنَّه عاش إحدى وتسعين سنة، ﵀ رحمة واسعة.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا، كتاب (فضل الإسلام) قصد مصنفه بيان حقيقة دين الإسلام، وفضله، ووجوب الدخول في عقده، والاستغناء به عما سواه، وتحريم الخروج عليه، وخطورة تبديل الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وضرورة لزوم السنة، والتمسك بها كاملة، والتحذير من البدعة، وفضل الغربة، وإصلاح ما أفسد الناس.
وقد يسر الله شرحه في عدة مناسبات، في مجالس علمية متتالية، وجرى
[ ٦ ]
تفريغ الأوعية الصوتية، وتنقيحها، والإضافة عليها، وتخريج أحاديثها تخريجًا وسيطًا، وإدخال النقول المفيدة من كلام الأئمة في مواضعها المناسبة؛ فجاء-بحمد الله-على هذا النحو، وسميته:
(الإعلام في شرح فضل الإسلام).
وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده، محققًا لمقصود مؤلفه.
والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: أ. د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة. في: ١٥/ ٤/ ١٤٤٢ هـ
[ ٧ ]