قوله: (وَمِنْهَا الدعاءُ، والخوفُ، والرجاءُ، والتوكلُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والخشوعُ، والخَشيةُ، والإنابةُ، والاستعانةُ، والاستعاذةُ، والاستغاثةُ، والذَّبْحُ، والنذرُ): عد المؤلف ﵀ أربعة عشر نوعًا، معظمها عبادات قلبية؛ لأن العبادات القلبية أشرف أنواع العبادات على الإطلاق، فإن القلب ملك الجسد، والأعضاء له جنود، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده، كما قال نبينا ﷺ: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ
[ ٧١ ]
أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) (^١)، والمضغة؛ أي: بقدر ما يمضغ الماضغ؛ صغيرة بحجم قطعة اللحم. فالقلب هو بيت الرب في العبد، كما أن الكعبة هي بيت الرب في الأرض، فالقلب أشرف ما فيه، فينبغي أن يحتوي أشرف ما عنده، وأشرف ما يمكن أن يكون عند العبد: هو العلم بالله بمقتضى أسمائه وصفاته، وأن يتحرك هذا القلب لأداء وظيفته التي خلقها الله له، فللقلب وظيفتان:
وظيفة حسية مادية: وهي ضخ الدم إلى الأعضاء، كما أن وظيفة العين الإبصار، ووظيفة الأذن السمع، ووظيفة اليد التناول، ووظيفة القدم السعي.
وظيفة معنوية: هي العلم بالله، ومعرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والرغبة إليه؛ فلهذا كان الموفق من عباد الله من يجعل قلبه مستودعًا لهذه المعاني الشريفة، فإذا كان لديك في منزلك جواهر ولآلئ ووثائق وأشياء كريمة، فإنك تضعها في أشرف وأوثق موضع في البيت، لا تضعها في الفناء أو بيت الخلاء.
فلا يليق بك أيها المؤمن أن تجعل قلبك مستودعًا للجهالات والشهوات والشبهات والغفلات والحقد والغل. كم من القلوب ما يسرح فيه الشيطان جيئة وذهابًا، ويكون وقودًا للحقد والغل وسوء الظن؟!، أعمر قلبك بما خلقه الله من أجله، من العلم به ومحبته وخشيته، فتلك هي العبادة الحقيقية. فإذا أحسن قلبك أداء وظيفته، انقادت له الجوارح، وخفت إلى الطاعات، وهان عليها مفارقة الشهوات، وأحست بطعم
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٢)، ومسلم رقم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁، مرفوعًا.
[ ٧٢ ]
الحياة ووجدت معناها الحقيقي. ولهذا كان الصالحون من عباد الله يعتنون بقلوبهم قبل عنايتهم بأعمالهم، يصلحون قلوبهم: أولًا بالعلم النافع حتى تكون ناصعة نقية لا يكون لله تعالى شرك فيها، ثم يتبعونها بالعمل الصالح ثانيًا، وهذه العبادات العظيمة التي أجملها الشيخ ﵀، سيذكرها واحدة واحدة.
قوله: (وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ الْلَّهُ بِهَا، كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨]): ابتدأ المؤلف-﵀ بأجل هذه العبادات وأبينها في الدلالة على العبودية ألا وهو الدعاء.
قوله: (﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾): المساجد تطلق على مواضع السجود؛ كبيوت الله، وعلى آلة السجود التي هي أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها المؤمن.
وعبر بالسجود عن بقية الصلاة؛ لأنه من أشرف أركانها، ولما كان شريفًا معبرًا عن كمال العبودية لله، كان هو الموضع المناسب لدعاء رب العالمين، فأقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد، حيث يضع الإنسان أشرف ما فيه على الأرض؛ خضعانا لله ﷿؛ ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) (^١)، قمن؛ يعني: حري أن يستجاب لكم، فلهذا قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، فيجب أن يصرف الدعاء لله وحده، فمن دعا غير الله فيما
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٤٧٩)، من حديث ابن عباس ﵁، مرفوعًا.
[ ٧٣ ]
لا يقدر عليه إلا الله، فقد تلطخ بالشرك الأعظم المخرج عن الملة.
قوله: (فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ الْلَّهِ، فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ؛ وَالَّدلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَّدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون) [المؤمنون: ١١٧]).
هذا هو الدليل الثاني، وقوله: (إلهًا)، نكرة في سياق الشرط، والقاعدة: "أن النكرة إذا جاءت في سياق الشرط فإنها تدل على العموم"؛ أي: أي إله، وإطلاق الإله على ما سوى الله ﷿ من باب حكاية الحال والواقع، وإلا فإنه لا يستحق الألوهية إلا الله وحده: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] سماها الله آلهة، لكنها آلهة بغير حق، فالإله بحق: هو الله وحده.
وقوله: (﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾): هذه الجملة تسمى عند العلماء "صفة كاشفة"، وليست قيدًا، فليس المراد أن نوعًا من الآلهة عليه برهان، ونوعًا من الآلهة ليس عليه برهان! كلا فلا يوجد برهان على ألوهية إله سوى الله ﷿.
قوله: (﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾): هذه الجملة منطوية على معنى التهديد والوعيد، بدليل قوله: (﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾)، والفلاح هو: الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب؛ لذا قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: لأن مآل الكافر إلى خسر، مآله أن يكون في الدرك الأسفل من النار.
فدلت هاتان الآيتان على وجوب توحيد الله تعالى بالدعاء وعدم صرفه لغير الله تعالى.
[ ٧٤ ]