الأصل الثاني هو معرفة دين الإسلام بالأدلة وقد نبهنا على عناية الشيخ بالأدلة، وفرق بين من يعلم الحق بدليله، ومن يعلمه تقليدًا، فإن من كمال التعبد لله ﷿ أن تعرف الحق بدليله، وأن تمتثله اتباعًا.
قوله: (مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ): وعرفه الشيخ ﵀ بقوله: (الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ)؛ يعني: الخضوع بالتوحيد، وقد بينا التوحيد بأنواعه الثلاثة بأن يفرد الله تعالى بالربوبية، وأن يفرد الله تعالى بالعبادة والألوهية، وأن يفرد الله تعالى بما ينبغي له من صفات الكمال ونعوت الجلال.
قوله: (وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ): لا يمكن أن يقع إسلام إلا بطاعة خلافًا للمرجئة؛ فإن من ضرورة الإسلام لله رب العالمين العمل؛ ولأجل ذا نجد أن الله تعالى لا يكاد يذكر الإيمان إلا ويذكر معه العمل الصالح، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
[ ١٠٦ ]
الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٧٣]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، فلابد من طاعة، فلو زعم زاعم أنه قد أفرد الله بالتوحيد لكنه لا يعمل عملًا البتة، لقلنا هذه دعوى باطلة.
قوله: (وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ): البراءة تعني: التخلي والمجانبة؛ إذ لا يجتمع توحيد وشرك فالله تعالى يجعل الإيمان قائمًا على ساقين: توحيد الله والبراءة من الشرك كما قال الله ﷿ في آية الكرسي: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، قال الله تعالى في قصة الفتية من أهل الكهف ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]، فقد كان قومهم يعبدون غير الله، ويعبدون الله أيضًا، لكن هؤلاء الفتية أفردوا الله بالعبادة فلم يكن قومهم قد تركوا عبادة الله كانوا يعبدون الله لكنهم يفسدون ذلك بالشرك. وكذا قال إبراهيم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، فقد كان قومه يعبدون الله لكنهم يفسدون ذلك بعبادة غيره معه فتبرأ من جميع معبوداتهم واستثنى ربه ﷿. وكذا كان مشركو العرب فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ) فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ (^١). فأهل النبي ﷺ بالتوحيد: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١١٨٥).
[ ١٠٧ ]
لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ) (^١)، فلابد من البراءة من الشرك وأهله؛ لأن الشرك يتمثل في جماعة فلابد من البراءة من أهله أيضًا؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: (لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) (^٢)، وقد قال الله ﷿: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، هذه حقيقة الإسلام، ويجب أيها الإخوة أن يكون لدينا ألسنة ناطقة، وبيانًا واضحًا حينما نُعرف بديننا، فإذا قيل لنا ما دينكم الذي تدعون إليه؟ ينبغي أن ينطلق لسانك وبيانك في بيان حقيقة هذا الدين، وتميزه على سائر الأديان، وأنه لا يوجد دين توحيدي على وجه الأرض إلا دين الإسلام، هو إرث الأنبياء السابقين، وأما ما سواه من الملل والنحل فقد دخلها الشرك وفسدت بما أحدثه الأحبار والرهبان.
قوله: (وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ. وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ): الواقع أن هذه المراتب كما أسلفنا هي مراتب الدين؛ إذ لا يستقيم أن نقول الإسلام ثلاثة مراتب أولها الإسلام؛ لأن هذا تعريف للشيء ببعضه وإنما هي مراتب الدين بدليل أن النبي ﷺ قد
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٢١٨)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄، مرفوعًا.
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٢٦٤٥)، والترمذي رقم (١٦٠٤) عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، مرفوعا، وأخرجه النسائي رقم (٤٧٨٠) عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ مرفوعا بدون ذكر جرير، قال ابن حجر كما في التلخيص الحبير: وصحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، (٤/ ٢١٨)، وصححه الألباني مرفوعا بشواهده في الإرواء رقم (١٢٠٧)، والأرناؤوط في تحقيق سنن أبي داود (٤/ ٢٨١).
[ ١٠٨ ]
قال في حديث جبريل -الذي ذكر فيه الإسلام والإيمان والإحسان- قال في آخره: (هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٩).
[ ١٠٩ ]
• قال المؤلف ﵀:
(فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمَا بِالْقِسْطِ لَا إله إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران، ١٨].
وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ، وَحَدُّ النَّفْيِ مِنْ الإِثْبَاتِ ﴿لا إله﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ.
وَتَفْسِيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآء مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَمَعْنَى شَهادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَأَلَّا يُعْبَدَ اللهُ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ).
[ ١١٠ ]