قيل إن هذا هو مبدأ الأصول الثلاثة، وما تقدم مضاف إليها،
[ ٦١ ]
وأيًّا كان فالكلام يماثل بعضه بعضًا. وقد سلك الشيخ مسلك السؤال والجواب، وطريقة السؤال والجواب تنشط ذهن السامع وتذهب عنه البلادة.
قوله: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثلاثةُ التي يجبُ على الإنسانِ معرفتُها؟). والأصول: جمع أصل، وهو ما يبني عليه غيره، ويقابله الفرع.
فينبغي لطالب العلم أن يضبط الأصول والقواعد، ثم بعد ذلك يشتغل بالفروع والمفردات، وإياك يا طالب العلم أن تعكس، فإن مِنْ طلبة العلم مَنْ يشتغل بجمع والتقاط المسائل المنثورات قبل أن يضبط الأصول والقواعد.
وهذه الأصول لم يؤصلها الشيخ من تلقاء نفسه، وإنما اقتبسها من حديث نبوي صحيح، وهو حديث سؤال الميت فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (^١)؛ ولهذا عدَّ الشيخ هذه الأسئلة التي يسأل عنها الميت أصولًا.
وليس مراده أن يعرف الإنسان صيغة السؤال والجواب؛ ولكن أن تستقر في قلبه.
قوله: (فقُلْ: معرِفةُ العبدِ رَبَّهُ، ودينَهُ، ونبيَّهُ محمدًا ﷺ: فيجب
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (١٣٦٩)، ومسلم رقم (٢٨٧١)، واللفظ له، وقد روي هذا المعنى عن غيره من الصحابة مرفوعًا.
[ ٦٢ ]
علينا أن نعرف ربنا بمقتضى أسمائه وصفاته؛ فأعظم طرق معرفة الله طريق السمع، وهو ما أثبته الله في كتابه وما أثبته النبي ﷺ في سنته، من صفات الكمال، ونعوت الجلال.
الطريق الثاني لمعرفة الرب: عن طريق مخلوقاته وما بث في الكون كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩]، إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو إلى إنعام الفكر والنظر والتدبر؛ فإن من سرِّح طرفهُ في هذا الكون وجدَ من الدلائل العظيمة ما يعمر قلبه بالإيمان ويزكيه ويطيبه.
الطريق الثالث لمعرفة الرب ﷿: النظر في آياته الشرعية؛ أي: تدبر كتاب الله ﷿، يلقيه الله في قلب العبد من الفتوحات الإيمانية؛ فإن الله تعالى قد وكل بكل إنسان ملكًا، ووكل به قرينًا من الجن، فالملك يفتح له من الفتوحات الإيمانية، كما أن قرينه الجني يفتح عليه باب الشك والريبة والحزن.
الأصل الثاني: معرفة الدين: وهو دين الإسلام، لا دين سواه، فليس لله دينٌ إلا دين الإسلام، ليس لله دينٌ يسمى النصرانية ولا اليهودية، ذلك أن النصرانية هي ما آل إليه دين عيسى ﵇ بعد تحريف الرهبان، واليهودية هي ما آل إليه دين موسى ﵇ بعد تحريف الأحبار، أما ما جاء به موسى وعيسى ﵉ فهو الإسلام ولكنه الإسلام بالمعنى العام. فدين الله واحد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فدين الإسلام الذي بعث به جميع الأنبياء، الذي يعني
[ ٦٣ ]
بالمعنى العام: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص له من الشرك.
ثم بالمعنى الخاص: وهو التزام ما جاء به محمد ﷺ، من العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة، والآداب العالية؛ ولذلك تجب معرفته - كما قال المؤلف- كما يجب التفقه في الدين؛ فإن النبي ﷺ قال: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) (^١).
الأصل الثالث: معرفة النبي ﷺ؛ لأنه بعث إلينا وإلى جميع الخلق، قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يعلن في العالمين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فهذا إعلان عالمي للناس جميعًا، إنسهم وجنهم، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، كتابيهم ومشركهم، دعوة إلى الإيمان بمحمد ﷺ واتباعه.
هذه هي الأصول الثلاثة التي يُسئل عنها العبد في قبره.
الأصل الأول