كأن المؤلف ﵀ لما فرغ من ذكر الأصول الثلاثة التي يُسأل عنها الميت في قبره رأى التأكيد على مسألة الإيمان باليوم الآخر، وإن كان قد سبق ذكرها فيما مضى ضمن مسائل الإيمان.
قوله: (وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ)؛ أي: ينشرون من قبورهم أحياءً. وقد جاء بهذا ناطق الكتاب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. هكذا أمر الله نبيه أن يُقسم بذاته الشريفة: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [التغابن: ٧]. وهذا أحد ثلاثة مواضع يؤمر فيها بالقسم بهذه الصيغة: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]،
[ ٢٠٠ ]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
وجاءت بهذه المؤكدات العظيمة، فالبعث حق، وفي الصحيح عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» (^١)، حفاةً: غير منتعلين، عراة: غير مكتسين، غرلًا: غير مختومين، بُهمًا: ليس معهم شيء؛ أي: أن الإنسان يرد بخلقه الكامل، حتى القلفة التي تكون على رأس الذكر، وتختن في وقت الصغر تعود مع صاحبها ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]): مرجع الضمير في الجمل الثلاث إلى الأرض، وذلك أن الله تعالى خلق أبانا آدم من قبضة من تراب الأرض -من سهله ووعره وأحمره وأسوده- ولأجل ذا جاءت أخلاق بنيه على أنحاء متفرقة، فمنهم السهل، ومنهم الصعب، كما أن ألوانهم متفاوتة؛ لحكمة بالغة، قبض الله قبضةً من تراب الأرض، وجعل فيها الماء فكانت طينًا، ثم بعد ذلك يبست؛ فصارت بعد أن شكلها الرب ﷾ صلصالًا كالفخار، ثم نفخ فيها من روحه فاستحال خلقًا جديدًا.
قوله: (﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]): وذلك أن ابن آدم إذا مات دُسَّ في الأرض ووري الثرى، كما دل الله تعالى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه على هذه السنة الكونية. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]. فمنذ ذلك الحين علم الناس سنة الدفن، فيعود الإنسان ترابًا، تتحلل أجزاؤه، ويفنى ولا يبقى منه إلا
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٥٢٧)، ومسلم رقم (٢٨٥٩).
[ ٢٠١ ]
عجب الذنب وهو العصعص، فمنه يُرَّكب الخلق يوم القيامة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ، خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» (^١) وكأن هذا الموضع يحتفظ بالصفات الوراثية لكل آدمي؛ فمنه يتركب خلقًا جديدًا حين يأذن الله تعالى بالبعث والنشور.
قوله: (﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾)؛ أي: من الأرض، لكن الأرض المبدلة، هي ذات الأرض في مادتها لكنها على نحو جديد، فالأرض التي يبعث عليها الناس يوم القيامة تمد مد الأديم، مسطحة كالقرصة، ليس فيها معلم لأحد، لا جبل يُعلو عليه، ولا واد يكنِّه؛ كما قال ﷾: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١١١]. فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ» (^٢).
لن تجد تصويرًا لذلك المشهد العجيب الرهيب أبلغ من هذا التصوير، أرض جديدة تنشق عن المودَعين فيها من لدن آدم ﵇، ممن كانت أطوالهم ستون ذراعًا في السماء إلى من هم في مثل أطوالنا، إلى ما يكون من الخلق بعد ذلك، ومعهم الوحوش والعشار والدواب والطير
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٨١٤)، ومسلم رقم (٢٩٥٥).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٥٢١)، ومسلم رقم (٢٧٩٠).
[ ٢٠٢ ]
والبهائم ومن شاء الله تعالى، في مشهد مهيب ومسيرة عجيبة، يتجهون إلى الأرض التي سيحاكمون عليها ويقضى بينهم.
قوله: (﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨]): هذا أيضًا موافق للآية الأولى، فهذه الأرض منها أنبتنا الله، فإن جزئيات أبداننا ومكوناتنا مرجعها إلى عناصر الأرض المعروفة؛ فمنها نبتنا ونشأنا، إما عن طريق ما يرضعه الطفل من والدته، أو عن طريق الغذاء الذي نتناوله.
قوله: (﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٨]): فالإعادة تكون بالموت والدفن، ثم الإخراج يكون يوم القيامة بعد النفخ في الصور.
فقد وقَّت الله وقتًا معلومًا لعمر هذه الدنيا وأخفاه عن العباد ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، فلا أحد يعلم متى الساعة، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يجليها لوقتها إلا هو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، فكل من ادعى العلم بالساعة ونهاية العالم؛ فاعلموا أن دعواه باطلة، فإنه يخرج علينا بين الفينة والفينة دعوات تزعم أن القيامة وخراب العالم ونهاية الدنيا في تاريخ كذا وكذا، كلها دعاوى باطلة مردودة بنص القرآن، يجب تكذيبها وردها على قائلها.