الاستغاثة: طلب الغوث وقد جرى ذلك للمؤمنين يوم بدر فإن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، خرجوا يطلبون العير فلقوا النفير، خرجوا يريدون قافلة أبي سفيان فوجدوا قريش بقضها وقضيضها، وعتادها وخيلها ورجلها، كان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر وكان عدد قريش ألفًا ونيف، فلا سواء؛ من حيث العدد والعدة، ومع ذلك ثبَّت الله المؤمنين، فقام النبي ﷺ يستغيث بربه ويناجيه -وهو في العريش- ويقول: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ) (^١)، فهذه استغاثة.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٧٦٣)، من حديث عمر بن الخطاب، ﵁، مرفوعًا.
[ ٩٩ ]
فالاستغاثة عبادة تطلب من الله ﷾، وهي أنواع:
النوع الأول: استغاثة العبادة، وهي: طلب الغوث من الله ﷿. ومن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ كالذين يستغيثون بالأولياء والأوتاد والأقطاب، وغير ذلك من الألقاب التي يخترعونها، وهذا قد فشا وعم وطم بين الجهال من الطرقية الصوفية والرافضية، حتى إنهم ليأتون بالمضحكات ومن قرأ في "طبقات الشعراني" - " طبقات الأولياء" كما يسميهم- رأى العجب العجاب، من أقوام ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، وهم يدعون غير الله، ويصيح أحدهم: مدد يا فلان، يطلب المدد من غير الله ﷿ فيما لا يقدر عليه إلا الله وهو غائب، ومما مر بي ذلك أنه كان ذكر حال رجل ممن يدعي أنه من الأولياء، وأن أحد مريديه استأذنه في السفر إلى الهند، فأذن له وقال: إن اعتراك خطب فادعُ باسمي، يعني استغث بي، فخرج الرجل وركب البحر، قال: فبينا ذلك الشيخ المزعوم بين أصحابه يومًا إذ به يفسر عن ذراعه ويمد يده فإذا هم يرون الماء يبلغ كمه حتى بلغ عضده حتى بلغ الماء إلى كتفه؛ فقالوا: رأينا منك عجبًا، قال: نعم، أتذكرون فلانًا؟! فإني أوصيته إذا ألم به خطبُ أن يستغيث بي، فركب البحر فهاج البحر وعلتهم الأمواج حتى أشرفوا على الغرق فذكر مقالتي فنادى باسمي: يا شيخ فلان، فمددت يدي فأخرجت السفينة من قعر البحر! هكذا تروج هذه الخرافات على هؤلاء الطغام فينتقول من التوحيد إلى الشرك. فيجب التنبه لهذا، والفصل بين هذا وبين الولاية الحقيقة لرب العالمين، فإن الولاية الحقيقية غير الولاية المدعاة، وأعظم علامة لأولياء الله امتثالهم لشرع الله وأعظمه التوحيد ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].
[ ١٠٠ ]
النوع الثاني: الاستغاثة المباحة، وهي: الاستغاثة فيما يقدر عليه الآدمي فلا بأس بها، والدليل على جواز ذلك: قول الله ﷿ في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فلا حرج أن يقول إنسان: يا فلان، أغثني. فيما يقدر عليه، مثال ذلك: أن يكون شخص يتخبط غرقًا فيبصر أحدًا على الشاطئ فيقول: يا فلان! أغثني، أغثني. فهذه ليست استغاثة شركية.
أو يكون في بيت يحترق فيفتح النافذة ويقول: الغوث، أغيثونا. فهذه أيضًا استعانة مباحة.
قوله: (وَدَلِيلُ الذَّبْحِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وَمِنَ السُنَّةِ: (لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ».