وقد أنزل الله تعالى في سورة المائدة آيات محكمات في تعظيم هذا الأمر وتشنيعه، فقال الله ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، في آيات متواليات.
وقال بعد ذلك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].
[ ٢٢٩ ]
وقال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، ثم قال بعد ذلك: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
فجاءت هذه الآيات العظيمات في سورة المائدة في تكفير من حكم بغير ما أنزل الله، والتشنيع عليه، ووجوب التزام الشريعة التي أنزلها الله، والتحذير من الاستدلال والافتتان والتخلي عن بعض ما أنزل الله تعالى؛ وبيان أن ما ثم إلا حكم الله وحكم الجاهلية، ولا سواء، ولا مقارنة بين الأمرين: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
كما أن الله ﷾ نفى الإيمان عمن استغنى عن حكمه بحكم غيره، فذكر الله ﷾ طائفةً من المنافقين، قال عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٣]، إلى أن قال ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فهذه الآيات تدل على وجوب الحكم بما أنزل الله ﷿ لأن الله تعالى ما أنزل هذه الشريعة لكي تكون مادةً تحفظ في الكتب وتصف على الرفوف، وإنما أنزل الله هذه الشريعة لتحتكم إليها البشرية؛ فتصلح بها
[ ٢٣٠ ]
أحوالهم وتستقيم أمورهم وترد المظالم بسببها وتقام الحدود ببركتها ويندفع الشر.
فلا شك أن مَنْ نحى هذه الشريعة واستبدلها بقوانين وضعية أنه طاغوت من الطواغيت الخمسة الذين عدهم الشيخ ﵀.
الحكم بغير ما أنزل الله من حيث هو، كفر وظلم وفسق؛ لأن الله قد سماه كفرًا، وفسقًا، وظلمًا، وهذا لا يختلف عليه اثنان ممن يقرؤون القرآن، ولكن هل هذا الكفر كفر أكبر أم كفر أصغر؟ وهل ذلك الفسق فسق أكبر أم فسق أصغر؟ وهل ذلك الظلم ظلم أكبر أو ظلم أصغر؟ لأن الأكبر من هذه الثلاثة مخرج عن الملة، والأصغر لا يخرج عن الملة.
قد اختلف المفسرون في هذا الأمر، والصحيح في هذا هو التفصيل، فإنه يفرَّق بين أن يحكم حاكم بغير ما أنزل الله في قضية عين، تحمله عليها رغبةٌ أو رهبةٌ، وبين أن يقنن قانونًا ويُسن نظامًا ويحمل عليه الكافة، فالذي يحكم في قضية عين بغير ما أنزل الله رغبةً أو رهبةً؛ قد أتى كبيرةً لا تبلغ به مبلغ الكفر.
مثال ذلك:
احتكم رجلان إلى حاكم شرعي، فحكم للجاني على المجني عليه محاباةً له؛ لأنه من جماعته وأصحابه، فقد حكم بغير ما أنزل الله لكن في قضية معينة، فهذا لا يبلغ مبلغ الكفر، لكنه أتى كبيرةً، ولا ريب.
أو حكم للظالم على حساب المظلوم رهبةً من الظالم وخوفًا منه، فهذا قد حكم في قضية عين بغير ما أنزل الله، فإنه لا يكون كافرًا كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة.
كما قال ابن عباس في رده على الخوارج: (إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عنه الملة "ومن لم يحكم بما أنزل الله
[ ٢٣١ ]
فأولئك هم الكافرون"، كفر دون الكفر) (^١).
أما إذا شرعَّ الإنسان شرعًا للناس واستعاض به عن شرع الله المنزل، ودعاهم إليه، وحملهم عليه، وزهدهم في شرع الله ﷺ فهذا لا ريب أنه ينبئ عن كفر أكبر، قال الله ﷺ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. فسماهم الله تعالى شركاء، فكأن هذا منازعة لله ﷿ في حق من حقوقه المتعلق بربوبيته وألوهيته أيضًا، فإن من ربوبيته الأمر: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فهو الآمر سبحانه، لا يجوز أن ينازع سبحانه في هذا الأمر، وطاعته من هذا الجانب: من التعبد إليه ومن حقوق ألوهيته، فمن أجل ذا كان الحكم بغير ما أنزل الله يتعلق به توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية.
فهذا هو القول الفصل في هذه المسألة: وهو أن يقال: أن من حكم في قضية عين رغبةً أو رهبةً لم يخرج بذلك عن حد الإيمان، ولم ينتقل إلى الكفر، ولكنه أتى كبيرةً ولا ريب، ويوصف عمله بأنه كفر وفسق وظلم لكنه أصغر، أما من سن قوانين، ودعا إليها، وحمل الكافة عليها، واستعاض بها عن شرع الله ﷿ فإن هذا يلحقه بالكفر الأكبر؛ لأنه ما كان ليصنع ذلك إلا لاعتقاده بأن هذه القوانين أفضل وخير من حكم الله ﷿ ومما أنزل الله تعالى، أو على الأقل أنها مساوية، وكلا الحالين تعتبر مخرجةً عن الملة.
وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- أن هولاكو الذي غزا البلاد الإسلامية من جهة المشرق، اتخذ لقومه قانونًا وضعه جده جنكيز خان يقال له: الياسق. جمع فيه أحكامًا من مختلف الملل والنحل والشرائع،
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك رقم (٣٢١٩)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٢٥٥٢).
[ ٢٣٢ ]
ومنها شريعة الإسلام، وحمل الناس عليها، وعد ذلك ﵀ من الكفر (^١)؛ فلأجل ذا لا يجوز لأهل الإسلام أن يستعيضوا بهذه القوانين الوضعية عن شريعة الإسلام، بل الواجب على أهل الإسلام أن يتمسكوا بالشريعة الإسلامية وأن يطبقوها، وألا يخبئوا شيئًا منها أو يستحيوا منه، فإن ما أنزل الله تعالى في كتابه من الأحكام والحدود هو غاية المصلحة لكل زمان، ولكل مكان، ولكل جيل وقبيل.
ويجب علينا ألا نخفي شيئًا منها أو أن نعتذر عن شيء منها، فإن بعض الذين خالطوا الغرب، وتأثروا بثقافتهم، صاروا يستحون من أن تتضمن شريعتنا قطع يد السارق، ورجم الزاني المحصن وجلده، ويعتبرون أن ذلك منافٍ لحقوق الإنسان!، كثير منهم الآن يتلجلج ويجمجم ويغمغم عند ذكر حد الردة، إذا قيل له: هذا يتنافى مع حرية الرأي، يا سبحان الله!: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
الدول المختلفة تسن قوانين من قوانين الإعدام فيما يسمونه بالخيانة العظمى لو ارتكب أحد أفرادها شيئًا مخلًا بالأمن العام والمصلحة القومية لقومهم، ويرونه مستحقًا للإعدام، فكيف يستعظمون أن يكون المرتد عن دينه الذي أتى أكبر خيانة غير مستحق لحد الردة!.
قد يقول قائل: لا تتمكن دولة ما أو نظام ما من تطبيق حد الردة. هذا شيء، لكن أن يقال: ليس من دين الله حد الردة، ليس من دين الله حكم الرجم، شيء آخر، فلا يجوز جحد ما أنزل الله في كتابه، ورده لمجرد ظنون وأوهام أو مصالح مزعومة أو مصالح ملغية، فعلينا أهل
_________________
(١) تفسير ابن كثير، تحقيق سلامة (٣/ ١٣١)، البداية والنهاية طبعة هجر (١٦/ ٧٢٧).
[ ٢٣٣ ]
الإسلام أن نعتز بديننا وشريعتنا، ونعلم أن ما أنزل الله تعالى هو الحق والمصلحة، وأن به تندفع الشرور، فعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (حَدٌّ يُقَامُ فِي الْأَرْضِ، خَيْرٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلَاثِينَ - أَوْ أَرْبَعِينَ - صَبَاحًا) (^١).
لكن الدول الغازية لبلاد المسلمين -بعد انفراط نظام الخلافة العثمانية- استغلت ضعف المسلمين وأحلت هذه القوانين الوضعية: القانون الفرنسي، القانون الإنجليزي، القانون الألماني … إلى آخره، في الممالك الإسلامية المختلفة؛ وضيقت الخناق على الشريعة الإسلامية، فلا يكاد يحكم بالشريعة الإسلامية إلا فيما يسمونه بالأحوال الشخصية؛ في مسائل الطلاق والنكاح، وربما إلى حد يسير فيما يتعلق بالمواريث، وأما بقية الأحكام المتعلقة بالأمور المالية والجنائية والحدود فقد نحيت جانبًا وهُجِرت، وهذا أمر عظيم، يجب على المسلمين أن يراجعوا أنفسهم، ويعودوا إلى دينهم، ونسأل الله تعالى أن يثبت القائمين على الحكم بما أنزل الله وأن يمسكوا بالكتاب.
قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]): لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ: أي لا مُحوِج للإكراه في الدين، وقد تبين الرشد من الغي، فإن الدين ظاهر بين، أدلته ساطعة، وبراهينه ناصعة، فلا إكراه في الدين. (والغي): هو الضلال. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: كأن هذه الجملة جملةً تعليليةً لبيان عدم الإكراه في الدين، فكل عاقل استبان له الحق والرشد، فإنه يتجه إليه غير مكره؛ بل مختارًا، وليس معنى ذلك: أن لا إكراه في الدين أن يخلى كل أحد ولا يدعى إلى
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (٨٧٨٣)، وابن ماجه رقم (٢٥٣٨)، وحسنة الألباني في السلسة الصحيحة رقم (٢٣١).
[ ٢٣٤ ]
الإسلام، كما يدعي العصرانيون بالحرية الفكرية وأن لكل أحد أن ينثر كنانته وينشر غيه وفساده، كلا، بل الواجب على من بسط الله تعالى يده أن يقيم الملة المعوجة، وأن ينشر الحق الذي أنزله الله تعالى، وأن يمنع الباطل وألا يمكن لأهل البدع والفساد والغي من أن يفسدوا المجتمعات.
لكن أهل الإسلام يدعون إلى دين الله ﷿ فإن كان لهم شوكة وسلطان دعوهم إلى الإسلام، فإن اعتنقوه فذاك، وإن أبوا عرضوا عليهم الجزية، فإن بذلوها عن يد وهم صاغرون خُلي بينهم وبين ما يدينون، غير أنهم لا يظهرون شيئًا ينافي أمور الإسلام العامة، فإن أبوا فالسيف؛ هكذا كان النبي ﷺ يصنع مع أعدائه ومخالفيه.
وهذا الأمر يرتبط بحال أهل الإسلام قوةً وضعفًا؛ فإنهم يكونون في بعض الأحوال ممكنين وعندهم قوة وشوكة، وفي بعض الأحيان يلحقهم ضعف فلا يتمكنون من تطبيق ذلك؛ ولهذا كان القول الراجح: أن الآيات النازلة في أمر الجهاد آيات مرحلية، تنزل كل آية على الحال التي يناسبها:
فالمؤمنون قيل لهم في مكة: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]. لأنهم كانوا مستضعفين، لا يستطيعون أن يواجهوا عدوهم.
ولما قال العباس بن عبادة بن نضلة ﵁ للنبي ﷺ: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال رسول الله ﷺ: (لَمْ أُؤمَرْ بِذَلِكَ) (^١).
ثم لما كان لهم نوع منعة في المدينة أُذِن له بقتال من يقاتلونهم،
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (١٥٧٩٨) وحسن إسناده شعيب الأرنؤوط في المسند، ط- الرسالة.
[ ٢٣٥ ]
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] ثم لما مكنهم الله ﷿ نزلت آية السيف: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
إذن ينبغي أن نلحظ هذا المعنى، ولا يصح لإنسان أن يُعْمِل آيةً في غير موضعها، وأن يقوم بأعمال حمقاء أو تصرفات هوجاء، ويفسد على أهل الإسلام أمرهم أو يجرهم إلى أمور تعود عليهم بالضرر، هذه الأمور العامة من شأن ولاة الأمور وأهل الحَل والعقد، ولا يصح في الأمور العامة أن ينفرد كل أحد برأيه ويفعل ما زينه له عقله، لا بد من الرجوع في الأمور العامة إلى أهل الحَل والعقد من الأمراء والعلماء؛ حتى تكون كلمة المسلمين واحدةً وتصدر عن رأي واحد.
قوله: (قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]): وهذا معنى: لا إله إلا الله، إذن لا بد من اجتماع الأمرين: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فهما ركنان أساسيان، لا بد من اجتماعهما، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، والعروة الوثقى: هي لا إله إلا الله، فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومعنى الوثقى التي لا تنفصم، فالعروة الوثقى هي كلمة التوحيد، ومن استمسك بالعروة الوثقى فقد أمن وسَلِم وبلغ ما ينشده في الدنيا والآخرة.
قوله: (وَفِي الْحَدِيثِ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (^١): هذا في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه.
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (٢٢٠٤٧)، والترمذي رقم (٢٦١٦)، وابن ماجه رقم (٣٩٧٣).
[ ٢٣٦ ]