قوله: (أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ): جملة"مكونة من (أنَّ)، واسمها وخبرها، (الحنيفية)، هي اسم أنْ، (ومِلَّةَ إبراهيمَ)، ليست خبرها، وإنما هي بدل من الحنيفية (أنْ تعبدَ اللهَ)، الجملة المؤولة من أنْ وما دخلت عليه هي خبر أنْ.
والحنيفية مأخوذة من الحنف وهو: الميل، فالمقصود بالحنيفية:
[ ٤٦ ]
الميل عن طريق الشرك إلى طريق التوحيد، ومنه تسمي العرب الأحنف للرجل الذي في مشيه ميل، فمعنى الحنيف: أي المائل عن طريق الضلال إلى طريق الهدى (^١)، وقد وصف الله تعالى إبراهيم ﵇ بهذا الوصف في غير ما موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، فالحنيفية هي: ملة إبراهيم ﵇، وبها بعث محمد ﵊، فقد بُعث ﵊ بالحنيفية السمحة.
والملة المقصود بها: الطريقة والسيرة.
وأما إبراهيم ﵇ فهو أحد أولى العزم من الرسل، وهو أفضل الأنبياء بعد نبينا ﵊، وهو إمام الموحدين في الأولين، وقد اتخذه الله تعالى خليلًا، كما أن الله اتخذ نبينا محمد ﷺ خليلًا، فقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. والخلة هي أعلى المحبة (^٢) وما ذاك إلاّ لأن إبراهيم ﵇ قد محض العبادة لله رب العالمين فلم يبقَ في قلبه نزعةٌ وميلٌ إلى سوى الله ﷿، وقد ابتلاه الله ﷿ بمواقف عظيمة أثبتت كمال توحيده لله تعالى، ومن ذلك ما جرى بينه وبين قومه حينما واجههم جميعًا وحاجّهم تلك المحاجة العظيمة حتى وصل به الأمر أن حطم آلهتهم وجعلهم جذاذًا حتى اجتمعوا عليه وقالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]. ثم إنهم وضعوا له
_________________
(١) قال ابن القيم: "والحنيف الْمقبل على الله المعرض عَمَّا سواهُ وَمن فسره بالمائل فَلم يفسره بِنَفس مَوْضُوع اللَّفْظ وَإِنَّمَا فسره بِلَازِم الْمَعْنى فَإِنْ الحنف هُوَ الإقبال وَمن أقبل على شَيْء مَال عَنْ غَيره والحنف فِي الرجلَيْن هُوَ إقبال إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَيلْزمهُ ميلها عَنْ جِهَتهَا" جلاء الأفهام (ص: ٢٦٩).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٢٩٨).
[ ٤٧ ]
نارًا عظيمة وألقوه فيها وهو لم يحد عن توحيده لله ﷿، فلما هوى وتحته ألسنة النار عرض له جبريل فقال له: يا إبراهيم ألك حاجة؟، قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى (^١). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ). (^٢) فامرؤ هذا حاله في هذه المواقف العصيبة لا شك أنه قد قام قي قلبه من توحيد رب العالمين ما لا يبلغه وصف.
ومن دلائل توحيده ﵊ أن الله تعالى ابتلاه بحبة قلبه وثمرة فؤاده وهو ابنه الذي أتاه على حين كِبَر فأراه الله تعالى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء حق ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] وما كان يستشيره في ذلك بل كان يتلطف في إخباره فما تدري أتعجب من الأب أم تعجب من الابن: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]؛ أي كما يصنع من يريد أن يذبح الشاة بالشاة ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]، هكذا يكون التوحيد بأن يفرغ القلب من كل شبهة تخالف خبر الله ورسوله ومن كل شهوة تخالف أمر الله ورسوله، فهذا هو القلب السليم؛ فلذلك كان إبراهيم ﵇ يدعو ربه ﷿ بأن يأتيه بقلب سليم فقال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]، قال ابن القيم "وقد اختلفت عبارات الناس فى معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذى
_________________
(١) رواه الطبري موقوفا على الحسن، ورواه البيهقي عن جماعة من التابعين موقوفا، واحتج به الإمام أحمد كما نقله القاضي في طبقات الحنابلة (١/ ٤١٥).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٥٦٤).
[ ٤٨ ]
قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره" (^١).
فصار إبراهيم ﵇ مثلًا وعلمًا على التوحيد؛ ولذلك أمر الله تعالى نبيه باتباعه وأحاله على ملته، وصار كل من أتى بعد إبراهيم ﵇ ينتحله وينتمي إليه، ولكن ذلك لا يكون إلا لمن وافقه حقًا وصدقًا؛ ولذا أنكر ربنا ﷿ دعوى أهل الكتاب فقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، وقال أيضًا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقد رد الله على أهل الكتاب دعوى الإبراهيمية وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥].
فإبراهيم ﵇ هو إمام الموحدين واليهود والنصارى يحاولون الانتماء إلى إبراهيم ﵇، وإبراهيم ﵇ منهم براء، بسبب ما أحدثوه من كفر وشرك وبسبب رغبتهم عن ملته قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
قال قتادة-رحمه الله تعالى- وغيره: رَغِبَ عَنْ مِلَّتِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَاتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، وَتَرَكُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ؛ يَعْنِي: الْإِسْلَامَ حَنِيفًا، كَذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (^٢). فالموافقين لملة إبراهيم ﵇ هم المسلمون، وأما اليهود
_________________
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ٧): وينظر: مفتاح دار السعادة (١/ ٤١)، طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٣٧).
(٢) ينظر: تفسير الطبري (٢/ ٥٧٨) ط. هجر.
[ ٤٩ ]
والنصارى فقد حادوا عن ملة إبراهيم بسبب إفسادهم في دينهم وإدخالهم البدع العقدية على ملتهم.
فالحنيفية ملة إبراهيم كما عرفها المؤلف بقوله: (أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين): بأن تفرد الله بالعبادة وحده، ومعنى الإخلاص: التنقية، مخلصًا له الدين؛ أي: مخلصًا له العبادة.
قوله: (وَبِذَلِكَ أَمَرَ الْلَّهُ جَمِيعَ الْنَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]): فالله تعالى خلق الخلقة لعبادته، وهذا الاستثناء يسمى استثناء مفرغ من أعم الأحوال (^١)، مثل قولنا: (لا إله إلا الله)؛ لأنه لا يحصل التوحيد التام إلا بالنفي والإثبات، فقوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾ هذا نفي، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ هذا إثبات، وقد فسر ابن عباس ﵄ يعبدون؛ أي: يوحدون (^٢)؛ لأنها لا تكون عبادة حقًا إلا بتوحيد. فمن عبد الله وعبد معه غيره فهو مشرك، ومن لم يعبد الله ﷿ فهو كافر مستكبر، ومن عبد الله فهو الموحد الحنيف.
ما هي العبادة؟.
العبادة لها معنى من حيث اللغة ومعنى من حيث الاصطلاح:
أما العبادة من حيث اللغة فمعناها: التذلل والخضوع، تقول العرب: بعير معبد أي مذلل، ويسميه الناس الذلول لكونه مذلل للركوب، وتقول العرب أيضًا: طريق معبد؛ أي: مهيأ للسير عليه (^٣).
_________________
(١) ينظر: القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ٢٥).
(٢) ينظر: معالم التنزيل (٥/ ٦٧٥).
(٣) ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (٢/ ٥٠٣)، مقاييس اللغة (٤/ ٢٠٦).
[ ٥٠ ]
وأما في الاصطلاح: فلها معنى من حيث حقيقتها ومن حيث مفرداتها:
أما حقيقة العبادة: فهي كمال المحبة مع كمال الخضوع (^١)؛ أي: أن يكون العبد في قلبه محبة تامة وخضوع تام، فمن قام في قلبه هذان المعنيان، فهو عابد حقًا.
وأما من حيث مفرداتها: فأجمع تعريف لها، ما عرفها به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة" (^٢).
هذه هي العبادة التي خلقنا الله لها، فالله تعالى ما خلقنا لكي نعمر الأرض بالأكل والشرب والنكاح والتكاثر والنوم واليقظة والموت ثم ينتهي الأمر ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، خلق الله الخليقة لعبادته، فهذه هي حقيقة العبادة التي أمر الله بها جميع أنبيائه، فلا يظن ظان أن هذا هو فقط دين محمد ﵊ أودين إبراهيم ﵇ فحسب؛ كلا؛ ولذلك
قوله: (وبذلك أَمَرَ اللهُ جميعَ الناس وخلَقهم لها: قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣])، هذا هو مضمون رسالات الأنبياء جميعًا، وهي عبادة الله وحده دون ما سواه، ومما يدل على هذه الجمعية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، أهل الإيمان يقرؤون
_________________
(١) ينظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٤٤٨)، الجواب الكافي (ص: ٢٢٨).
(٢) ينظر: العبودية (ص: ٤٤)، مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩).
[ ٥١ ]
التاريخ قراءة إيمانية، فيرتبون التاريخ من لدن آدم ﵇ مرورًا بنوح ﵇ عبر أنبياء الله كما يصنع ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وأما الماديون والغربيون ومن سار على شاكلتهم فإنهم يقرؤون التاريخ قراءة سطحية فيقولون: التاريخ القديم، والتاريخ الوسيط، والتاريخ المعاصر، ويَصُفُّون الرسالات النبوية مصافَّ الدول والأمم والمماليك المتعاقبة، وكأنما هي مظهر من مظاهر التاريخ، بينما نحن أهل الإسلام نرى أن التاريخ هو هذه السلسة من هذه الحلقات المتصلة من أنبياء الله ﷿ فنرى أن صلاح البشرية حينما تقترب من خط النبوة، وأن انحراف البشرية حينما تفترق عن خط النبوة، والمقصود أن العبادة تتناول جميع أمور الحياة، وليست العبادة هي ما تحيط به الجدران الأربعة وما يغطيه السقف في المساجد فقط! كلا، الحياة كلها مضمار للعبادة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فما من صغيرة ولا كبيرة ولا شاذة ولا فاذة إلا وتندرج ضمن العبادة، لمن أصلح الله قلبه وأنار بصيرته، فالمؤمن اللبيب هو الذي يحول عاداته إلى عبادات، والغافل هو الذي يقلب عباداته إلى عادات، بحيث تكون جري العادة وتقليدًا وميراثًا.
والعبادة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: عبادة كونية: وهي مادلَّ عليها المعنى اللغوي.
القسم الثاني: عبادة شرعية: وهي مادلَّ عليها المعنى الشرعي.
فالعبادة الكونية تشمل جميع المخلوقات لا يخرج عنها أحد قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٩٣، ٩٤]، فكل من يدب على وجه الأرض فهو عبد لله شاء أم أبى؛ لأنه خاضع لنواميس الكون لا يخرج عن
[ ٥٢ ]
قدر الله، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فجميع المخلوقات بهذا الاعتبار داخلة في العبودية الكونية العامة.
وأما العبودية الشرعية الخاصة، فهي عبودية المؤمنين التي تعني الموافقة والطاعة والمتابعة لدين الله ﷿.
ويمكن أن نضيف قسمًا وهو عبودية خاصة الخاصة: وهي التي يختص بها أنبياء الله؛ لأنهم أكمل الناس عبادة.
قوله: (وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التوحيدَ وهو: إفرادُ اللهِ بالعبادة وأعظمُ ما نهى عنه الشركُ؛ وهو دعوةُ غيرهِ معهُ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]).