النسيكة هي الذبيحة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فقرن بين الصلاة والنحر، كما قرن بينهما هاهنا فقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، فالنسك قيل إنه الذبح، وقيل إنه مطلق العبادة، والأقرب أن يكون المراد به الذبح؛ لأنه ذكره مقرونًا أو معطوفًا على الصلاة كما جرى التعاطف في سورة العصر، (وَمَحْيَايَ): عملي في حياتي، (وَمَمَاتِي)؛ أي: ما أموت عليه، (لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَه) الدين لا يقبع في زاوية من زوايا الحياة، أو يختص بأعمال معينة بين جدران المسجد، أو بدريهمات يبذلها للفقير، أمر الدين أشمل من ذلك، الدين يستوعب الدنيا بأكملها ويتصل بالآخرة، فينبغي أن ندرك هذا المعنى الشمولي؛ لأن كثيرًا من الناس من جراء تأثرهم بالنظرات الغربية للدين صاروا يتصورون الدين أحد أنواع الاهتمامات
[ ١٠١ ]
واختصاصات الحياة وهذا فهم كهنوتي للدين، هذا فهم النصارى الذين يقسمون الناس إلى قسمين: رجال الكهنوت الذين هم رجال الدين عندهم، والعلمانيين الذين هم رجال الدنيا، ليس عندنا في الإسلام هذا التقسيم، الدين والدنيا عندنا في سياق واحد، فكل أمور الحياة ومناشطها يجللها ويصبغها دين الله ﷿، الذي لم يدع شاذة ولا فاذة إلا دل الناس عليها؛ ولهذا عبر الله تعالى بتعبير بديع فقال ﷾: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وميزة الصبغة أنها تنتشر في جميع الأنسجة فأنت إذا أخذت قطعة قماش وغمستها في سائل ملون فإن هذا اللون يصبغ جميع الأنسجة، كذلك الدين؛ ما إن ينغمر القلب في دين الله ﷿ حتى يسمع بالله، ويبصر بالله، ويأتي ويذر بدين الله، فيصبح جميع الأمر لله ﷿ ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فالذبح عبادة فلا يجوز الذبح لغير الله أبدًا فمن ذبح لغير الله، ومن أهرق الدم تقربًا لغير الله، فقد وقع في الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله، وقد كان زيد بن عمرو أحد الحنفاء قبل بعثة النبي ﷺ-ينكر على مشركي العرب صنيعهم فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ) (^١) فيالها من حجة بالغة.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٨٢٦).
[ ١٠٢ ]
والذبح أنواع:
النوع الأول: ذبح العبادة: فهو ما يتعلق بما شرعه الله لعباده؛ من الهدي، والفدية، والأضحية، والعقيقة.
النوع الثاني الذبح مباح: كأن يذبح الإنسان لتحصيل اللحم ولضيف وفد عليه، أو نحو ذلك؛ فإن اقترنت به نية صالحة تحولت هذه العادة إلى عبادة، وإن لم تقترن به هذه النية، فإنها تبقى عادة من العادات. لكن يشترط فيها ذكر اسم الله وإنهار الدم.
النوع الثالث الذبح الشركي: هو ما يقع من بعض مشركي هذا الزمان وما قبله من أزمان، بأن يذبحوا تقربًا إلى الجن أو السحرة والمشعوذين، فتجد هذا الساحر أو المشعوذ يطلب ممن قصده أن يذبح ديكًا أسود، أو تيسًا أسود، في ساعة معينة ولا يذكر اسم الله عليه -فهذا والعياذ بالله- مخرج عن الملة لا يجوز فعله بأي حال من الأحوال.
قوله: (وَمِنَ السُنَّةِ (لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ): عد النبيصلى الله عليه وسلم أربعة ملاعن فقال: (لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَار) (^١)، ومنها هذه اللعنة: (لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)؛ لأن من ذبح لغير الله فقد أشرك معه غيره.
وينبغي في هذا المقام التنبيه على ما يفعله بعض الناس حينما يريقون الدماء بدعوى إكرام الضيف لكن يكون في قلوبهم تعظيم القادم وهذا يقع في بعض البوادي إذا قدم عليه الضيف قدم هذه الذبائح وقام يذبحها أمامه فربما قام في قلبه تعظيم هذا القادم إن كان سلطانًا أو
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (١٩٧٨)، من حديث علي بن أبي طالب، ﵁، مرفوعًا.
[ ١٠٣ ]
أميرًا. بخلاف أن يكرمه بقصد الإطعام، فذلك مستحب فإن النبي ﷺ قد قال: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) (^١) لكن إن قصد بذلك تعظيم هذا القادم أدخله في الشرك من حيث لا يعلم؛ لأن في الذبح نوع تعظيم، فعلى الإنسان أن ينتبه لمثل هذه المسالك.
قوله: (وَدَلِيلُ النَّذْرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]).