قوله: (فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ): شروع من المؤلف ﵀ في بيان أركان الإسلام، فالإسلام مقام على خمسة مبان، أعظمها وأشرفها وهي بوابة الإسلام وأول الأمر وأوسطه وآخره، الشهادتان؛ شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، هذه أعظم شهادة من أعظم شاهد في أعظم مشهود به.
قوله: (وَالْمَلَائِكَةُ)؛ أي: الملائكة شهدوا بذلك أيضًا؛ لأنهم عند ربهم وهم أعلم الخلق به، وقد أثنى الله عليهم ثناءً عطرًا فقال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] وقال: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] فهؤلاء الملائكة العظام يشهدون لله ﷿ بالوحدانية.
قوله: (وَأُولُو الْعِلْمِ): لله درهم ما أعظم حظهم وشرفهم، حينما قرن الله شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وذلك أن أهل العلم قد نور الله عقولهم وبصائرهم فأبصروا الأشياء والحقائق على ما هي عليه، ألم تر أن الله تعالى أحال عليهم وأرى رأيهم فقال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] قوم يحيل الله ﷿ على رأيهم جديرون بالثناء،
[ ١١١ ]
ففي هذا شرف لأهل العلم. وقال تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلي الرَّسُولِ وَإلي أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فأهل العلم لديهم الملكة والقدرة على الاستنباط ولذلك أثبت الله شهادتهم، فهذه أعظم شهادة في أعظم مشهود به من أعظم شاهد، وفي هذا شرف لأهل العلم لا يبلغه شرف؛ لأن الله تعالى قرنهم بذاته وملائكته.
(أشهد)؛ أي: أقر وأعترف، كأنك لقوة يقينك بهذا الأمر القلبي تشاهده رأي العين، ولا ريب أن المشاهدة أعظم ما يكون في التحقيق، فلهذا عبر بالشهادة مع أنه أمر علمي.
(إله)؛ أي: مألوه بمعنى معبود، فهو على وزن فعال بمعنى مفعول؛ كقولنا كتاب؛ أي: مكتوب. فراش؛ أي: مفروش. بساط؛ أي: مبسوط. غراس؛ أي: مغروس، وليس إله بمعنى آله أي فاعل فمعنى قولك لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، هذا تفسير كلمة التوحيد.
والإله: هو من تألهه القلوب محبة وتعظيمًا؛ أي تنجذب إليه، من الوله، وذلك أن الإله المستحق للعبادة سبحانه وبحمده هو الذي يستقطب القلوب ويجذبها محبة وتعظيمًا، لا يستحق هذا أحد سواه، وهناك آلهة سوى الله بدليل أن الله سماها آلهة فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] لكنها ليست آلهة بحق ولهذا قال يوسف ﵇: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] إذن هي مجرد أسماء وعناوين، أما الإله الحق المستحق للعبادة وحده دون ما سواه فهو الله سبحانه، لا إله غيره، ولا رب سواه، وقد عدت شهادة واحدة مع تعدد المشهود به؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق عبادة الله إلا بالإيمان برسوله ﷺ ولا يمكن أيضًا أن تتحقق شهادة أن محمدًا رسول الله إلا بالإيمان بالله.
[ ١١٢ ]
ثم بين معناها بقوله: (وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ: ﴿لا إله﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ).
وكلمة (لا)، هي النافية للجنس، فاسمها (إله)، وخبرها محذوف. تقديرها: لا إله حقٌ إلا الله؛ فمعنى الكلام: لا معبود بحق إلا الله ﷾.
أما المعبودات المزعومة فكثيرة؛ فمن الناس من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد البقر، وأصناف المعبودات التي قد لا تخطر ببال!.
قوله: (إلا اللهُ): فأثبت الألوهية له وحده سبحانه ف (لا إله)؛ أي: نافيًا جميع ما يعبد من دون الله.
قوله: (﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ): وهذا تعليل حسن، فلما كان سبحانه لا شريك له في ملكه كان جديرًا بأن يكون لا شريك له في عبادته، وتأملوا هذا المعنى العظيم الذي ذكره الله ﷾ في سورة سبأ، لتروا عظمة القرآن، وقوة دلالته وحجته، يقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] فالله تعالى نفى عنهم ابتداءً ملك ذرة في السماوات أو في الأرض. فربما قائل: لا يملكون استقلالًا لكن ربما يملكون مشاركة فيكون في ذلك مسوغًا لدعاء من دون الله فقال (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ). فربما قال قائل لا يملكون استقلالًا ولا مشاركة، لكنهم بمنزلة الأعوان والخدم والحشم، الذين لا يستغني عنهم السلاطين، فيكون مسوغًا لعبادتهم ودعائهم من
[ ١١٣ ]
دون الله، فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]؛ أي: معاون، فمحق الله ﷿ جميع ما قد يتسلل إلي الذهن من احتمال صحة دعاء غير الله، لكن بقي شيء واحد ربما يتذرع به المشركون؛ بل قد تذرعوا به وهو: الشفاعة. قالوا سلمنا أنهم لا يملكون استقلالًا، ولا مشاركة، ولا معاونة، لكن لهم جاه ومنزلة عند الله ﷿ تسوغ لنا أن نتخذهم وسائط كما هو الحال عند ملوك الدنيا يكون لهم وزاراء مقربون فإذا توسط الإنسان بهم بلغوه مراده. وهذا الاحتمال من أعظم أسباب الشرك، فقال الله تعالى معقبًا: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] فإذا كانت الشفاعة لله جميعًا فمعنى ذلك أنها لا تطلب إلا من عنده وبإذنه، إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذنه فهي ملكه، فما الفائدة أن تطلب ممن لا يملكها؟! الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا، فملوك الدنيا يجيزون شفاعة فلان وعلان إما رغبة أو رهبة، لكن الله ﷿ لا يستكثر بنا من قلة ولا يستعز بنا من ذلة، فكان تمكين بعض الأنبياء والصالحين من الشفاعة لإظهار فضلهم، لا أنهم يبادرن الله تعالى بذلك دون إذنه فلا بد من شرطين: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له.
فيا لهما من آيتين عظيمتين يمحقان الشرك من أصوله ويثبتان التوحيد؛ ولذا أردفهما الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: الملائكة الذين هم أقوى من يتصور دعاؤه من دون الله فحالهم مع ربهم ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فعن أبو هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (إِذَا قَضَى اللهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا [فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
[ ١١٤ ]
قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا] لِلَّذِي قَالَ [الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (^١)، إذا كان هذا حال هؤلاء الذين هم أقوى من نتصور من يمكن أن يدعى من دون الله فما بالك بمن دونهم، فهذا من عظيم دلائل القرآن ونفيه للشرك وإثباته للتوحيد.
قوله: (وَتَفْسِيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا؛) أي: كلمة التوحيد.
قال: (قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآء مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]).
هذا النبي الكريم صدع بكلمة التوحيد بين ظهراني قومه، فخص وعم، فلم يختلف الأمر عنده بين قريب وبعيد. فعن أبي هريرة ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا» (^٢).
وكذلك كان جده إبراهيم ﵇ يقول لأبيه وقومه ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وكلمة (براء) يسميها أهل اللغة صفة مشبهة وهي أبلغ من أن يقول إنني برئ مما تعبدون، كأنما صار هو ظرفًا للبراءة ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] هذا يدل على أن قومه كانوا يعبدون الله ويعبدون معه
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٧٠١)، من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٧٥٣)، ومسلم رقم (٢٠٦).
[ ١١٥ ]
غيره؛ ولهذا تبرأ من جميع معبوداتهم واستثنى خالقه وإلهه الذي فطره، وهذا إذا اعتبرنا الاستثناء متصلًا.
أما إن قلنا الاستثناء منقطع فذلك يدل على أنهم لم يكونوا يعبدون الله فتبرأ من جميع معبوداتهم، ثم قال: إلا الذي فطرني؛ يعني: بل أعبد الذي فطرني، فعلامة الاستثناء المنقطع أن ترفع (إلا) وتضع مكانها (بل).
والتوجيه الأول أولي وأرجح؛ فإن الأمم السابقة كانت تعبد الله لكنها تشرك معه غيره.
معنى فطرني؛ أي: ابتدأ خلقي فمعنى ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أي مبتدئ خلقهن. يقول ابن عباس ﵄: (كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَوَاتِ حَتَّى أتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا، أي ابْتَدَأْتُهَا) (^١).
فقول إبراهيم ﵇ ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ من أقوى دلائل التوحيد؛ لأنه يدل على أن الذي ابتدأ الخلق وأوجد مادته من العدم هو الحقيق بالعبادة، وبمثل ذا قال مؤمن القرية حينما جاء إلى قومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٢]، تجد أن كلام أهل الإيمان متشابه، وإلا فلا علاقة زمنية ولا جغرافية بين إبراهيم ﵇ ومؤمن القرية ﵀، لكن الإيمان واحد فيثمر ثمرات واحدة فقال ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، وفي الحديث القدسي قال الله ﷿: (يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِى أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢١٢). وينظر: تفسير ابن أبي حاتم- ط. مكتبة نزار الباز- (١٠/ ٣١٧٠)، تفسير ابن كثير ت سلامة (٦/ ٥٣٢).
[ ١١٦ ]
أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِى أَكْسُكُمْ) (^١)، فيجب أن نشعر بهذا الافتقار لله ﷿ في مأكلنا ومشربنا، وفوق ذلك كله في هداية قلوبنا، فلهذا قال إبراهيم: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (وجعلها) مرجع الضمير إلى تلك الكلمة: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي كلمة التوحيد بمعنى لا إله إلا الله ﴿عَقِبِهِ﴾ يعني في ذريته ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يأوون إليها ويرجعون إليها عند الاختلاف، لكن منهم من هدى الله، ومنهم من ضل؛ لأن إبراهيم سأل ربه ذلك لكن الله ﷿ بين أن منهم من يؤمن ومنهم يشرك. وقال تعالى ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
قال: (وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]).
توجيه رباني للنبي ﷺ في مخاطبة أهل الكتاب، وأهل الكتاب في الكتاب والسنة المراد بهم اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب هو ما أنزل إليهم من ربهم فقد أنزل على موسى التوراة، وأنزل على عيسى الإنجيل، فهم يفترقون عن بقية الأمم بأنهم أهل كتاب، وإن كانوا قد حرفوه، وأما من ليسوا أهل كتاب فقد سماهم الله تعالى باسمين؛ سماهم تارة: المشركين، وتارة: الذين لا يعلمون، فقال تعالى: ﴿لَمْ
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٥٧٧)، من حديث أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ ﵎.
[ ١١٧ ]
يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، وفي موضع آخر ﴿وقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] يريد بهم سبحانه من ليسوا يهودًا ولا نصارى. وفي مواضع فصل طوائفهم فسمى سبحانه الصابئة والمجوس.
ونستنبط من هذا النداء أننا نحن أصحاب المبادرة إلى الحوار، وكلمة الحوار كلمة شاعت في العقود الأخيرة، والحوار هو المراجعة بين الطرفين، كما قال الله ﷾: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧] وقال سبحانه ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. فالتحاور هو المراجعة في الكلام، فنستنبط من قول الله تعالى (تَعَالَوْا) أننا أصحاب المبادرة: لا ننتظر منهم أن يدعوننا بل نحن أصحاب المشروع الدعوي الإيماني التوحيدي، فحري بنا أن نبادئهم بالدعوة.
﴿إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]: (كلمة) نتفق نحن وإياكم عليها، هذه الكلمة لم يدعها الله تعالى لتفسير مفسر، ولا لقول فقيه فتولى سبحانه تفسيرها وبيانها.
قوله: (﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ [آل عمران: ٦٤]): فإذا خاطبنا اليهود والنصارى فخطابنا يجب أن ينطلق من هذا المضمون، كما أمر الله نبيه، وكما امتثل نبيه لأمر ربه فحينما كتب إلى هرقل قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، ﴿ويَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا
[ ١١٨ ]
وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (^١). فكتب النبي ﷺ له هذه الآية بنصها؛ امتثالًا لأمر ربه، وهكذا صنع مع نصارى نجران وهكذا صنع مع اليهود في المدينة. كانت دعوة النبي ﷺ وحواره لأهل الكتاب تنطلق من هذه الآية ﴿أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، لأن من لازم التوحيد نفي الشرك، وعدم اتخاذ الأرباب من دون الله؛ إذ أن القوم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، هذا هو مشروعنا وهذه هي دعوتنا التي نبادئ بها البشرية جميعًا، من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، ليس لنا مشروع سواه فإن أبوا قال الله ﷿: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، فليس صوابًا أن نبحث عن حل مشترك ولا أن نلتقي في منتصف الطريق، وأن نتنازل عن بعض عقائدنا وهم كذلك، ثم نصنع توليفة من دين مهجن! حاشا وكلا. الدين دين الله لسنا أوصياء عليه حتى نفصله على مقاس معين، يجب علينا أن نمتثل أمر ربنا وأن ندعو الناس جميعًا إلى دين الله الذي فيه سعادتهم ونجاتهم فإن هم استجابوا لذلك فحيهلا ومرحى، وإن أبوا فإنا نقول كما أمرنا ربنا ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وعلى هذا سار أهل الإسلام من لدن النبي ﷺ عبر القرون يدعون إلى دين الإسلام واتباع محمد ﷺ.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧)، ومسلم رقم (١٧٧٣)، من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب، ﵃، مرفوعا.
[ ١١٩ ]
انتقل المصنف للشق الثاني من الشهادة، وإنما كانا ركنًا واحدًا مع تعدد المشهود به؛ لأنه لا يمكن إثبات شهادة أن لا إله إلا الله إلا بإثبات شهادة أن محمدًا رسول الله.
لا يمكن أن نعبد الله ﷿ ونحقق توحيد الألوهية إلا باتباع نبيه ﷺ فلا انفكاك بين شقي الشهادة، كذلك لا يكون الإنسان متبعًا لرسول الله ﷺ حقًا وصدقًا إلا وقد امتثل أعظم ما جاء به النبي ﷺ وهو توحيد رب العالمين فصارت الشهادتان ركنًا واحدًا لا ينفصل بعضه عن بعض.
قوله: (وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؛ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]): إي والله! من أنفسكم؛ يعنى: من جنسكم، فلم ينزل الله تعالى ملكًا كما اقترح المقترحون قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] لكن حكمة الله البالغة أن يكون النبي من جنس قومه يحس بما يحسون ويفعل بنفسه ما يأمرهم بفعله فلذلك كان من أنفسهم وفي قراءة من (أنفَسِكُم)، من النفاسة لكن القراءة المشهورة من أنفسكم.
قوله: (﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾)؛ أي: يعز عليه ما يشق عليكم، ويعنتكم.
قوله: (﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾)؛ أي: أنه شديد الشفقة ﷺ على أمته، فيحرص على دلالتهم على الخير، وعلى تجنيبهم الشر. وقد كان! فإنه ﷺ كما وصفه ربه: بقوله: (﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨])،
[ ١٢٠ ]
ففي قلبه من الشفقة على أمته ما لا تتسع له العبارات، ذو رأفة وذو رحمة.
وفي هذا دلالة على جواز أن يسمى غير الله باسم من أسماء الله تعالى على اعتبار أن ما لله يليق به، وما للمخلوق يليق به.
فنصِفُ النبي ﷺ بأنه رؤوف رحيم، مع أن الرؤوف من أسماء الله الحسنى والرحيم، ولا تعارض؛ لأن الرأفة والرحمة وسائر الصفات معنى مشترك، وهذا الاشتراك يكون مطلقًا في الأذهان، فإذا أضيف تخصص، فإذا قيل رحمة الله فهي رحمة تليق به، وإذا قيل رحمة الأم صارت رحمة معهودة.
إذًا لا أشكال أن يطلق على المخلوق اسم أو وصف مما يسمى الله به أو يوصف به، على اعتبار أن ما لله يليق به، وأن له منه المثل الأعلى ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، وأن ما للمخلوق يليق به.
فقد كان لنبينا ﷺ من الرأفة والرحمة بأمته أعلى ما يمكن أن نتصوره من البشر، وشواهد هذا كثيرة، وكتب السيرة زاخرة بكمال شفقة النبي ﷺ على أمته.
ثم بين معنى الشهادة بقوله: (وَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللهُ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ): كنت أود لو ابتدأ بأمر التصديق لكي تكون الطاعة والاجتناب على نسق. فلابد أن نصدقه فيما أخبر، ونطيب به نفسا ونقر به عينًا، ولا نعرضه على الاحتمالات، أو نقول هذا تحت محل بحث ونظر، لا يمكن أن يثبت إيمان إلا بأن يقطع الإنسان بصدق ما أخبر به النبي ﷺ.
[ ١٢١ ]
ومثال ذلك: ما رواه ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ فَقَعَدَ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، قَالَ: فَمَرَّ بِهِ عَدُوُّ اللهِ أَبُو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " نَعَمْ " قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: " إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ " قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: " إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ " قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: فَلَمْ يُرِه أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " نَعَمْ ". فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ حَتَّى قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ " قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مُتَعَجِّبًا لِلكَذِبِ زَعَمَ قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَرَأَى الْمَسْجِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ "، قَالَ: " فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ "، قَالَ: " وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ " قَالَ: " فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللهِ لَقَدْ أَصَابَ) (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (٢٨١٩)، وحسنه الحافظ في فتح الباري (٧/ ١٩٩)، وصححه الشيخ أحمد شاكر، والعلامة الألباني في "الإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها" (ص: ٨٢)، وقال محققو مسند أحمد طبعة الرسالة (٥/ ٢٩)، إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ١٢٢ ]
والشاهد من هذه القصة أن بعض هؤلاء القوم انفضوا من المجلس وذهبوا إلي أبي بكر ﵁ فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ فَمَنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَمِعُوا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) (^١). ومعنى ذلك انه يصدقه في خبر السماء فمن باب أولى أن يصدقه فيما دون ذلك. فلأجل ذلك سمى بالصديق، فالصديق هو المبالغ في التصديق يعنى الذي بلغ الغاية في التصديق.
المثال الثاني: ما رواه الإمام البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي؟ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ " قَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ بْنُ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك رقم (٤٤٠٧)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، ووافقه الذهبي، وصححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٦١٥)، رقم (٣٠٦).
[ ١٢٣ ]
الخَطَّابِ ﵄ (^١) هذان هما! حكم عليهما النبي ﷺ غيابيا بأنهما يصدقان خبره! وكثير من الناس يدعى (العقلاني) فإذا جاءه حديث بالأسانيد الجياد قالوا لابد من إخضاعه للعقل والنظر والتأويل، مثال ذلك حديث: (إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً) (^٢).
فيزعم بعض العصرانيين والعقلانيين أن هذا الحديث ينفي قواعد الطب الحديث فلا ينبغي تصديقه! أين الإيمان إذًا؟! الإيمان بالغبطة في خبر الله ورسوله، وقبوله قبولا مطلقا، وإلا صار الانقياد للعقل، وليس الانقياد للنص.
فيجب تعظيم النصوص وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، إذا جاء الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ فلا تجعل بإزائهما شيئا؛ ولهذا قال العلماء القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار.
قوله: (طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ)؛ أي: امتثال ما أمر به النبي صلى الله علية وسلم؛ فإن هذا هو مقتضى الشهادة، وما يأمر به النبي صلى الله علية وسلم على ضربين: إما على سبيل الإلزام، وإما على سبيل الاستحباب. فما كان على سبيل الإلزام فإن الفقهاء والأصوليين يسمونه واجبًا وما كان على سبيل الاستحباب يسمونه مندوبًا فإذا جاءك أمر رسول الله ﷺ فليكن همك أن تمتثل، ولا تقل أواجب هو أم سنة؟ كما يسأل كثير من الناس الآن كأنما المسألة مماكسة. إذا جاءك الأمر فاقبله ثم بعد ذلك إن عجزت عنه أو شق عليك فانظر هل هو على سبيل الإلزام أو على سبيل الاستحباب؟.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٦٦٣)، ومسلم رقم (٢٣٨٨).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٣٢٠)، من حديث أبي هريرة، ﵁، مرفوعًا.
[ ١٢٤ ]
قوله: (وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ): فما نهى عنه النبي ﷺ وزجر عنه فالواجب في حقنا اجتنابه وهذا المنهي عنه أيضا عند الأصوليين والفقهاء: إما أن يقع على سبيل الإلزام بالترك، أو على سبيل الكراهية، فالأول يسمونه محرما، والآخر يسمونه مكروها، فما نهى عنه النبي ﷺ سواء نهى تحريم أو كراهة فالذي ينبغي لنا أن نجتنبه ولا نماكس ولا نستفصل وقد جاء في الحديث الصحيح (… فإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (^١).
قوله: (وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللهُ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ): قد يقول لا بأس ببعض الإضافات التي أدخلها وأتعبد لله بها، كلا، الدين ليس مزاد علنيًا، ليس لأحد أن يزيد عليه أو ينقص، إن زدت على هذا الدين فقد وقعت في البدعة؛ لأن في هذا تهمة مبطنة للنبي ﷺ أنه قد قصر في البلاغ وأن ثم أمورا مستحسنة كان ينبغي أن يدل الأمة عليها ولم يفعل.
هذا معنى أن تتعبد لله بأمر لم يشرعه النبي ﷺ؛ ولذا قال نبينا ﷺ (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (^٢)، وفي لفظ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (^٣) وقد ضل كثير من المسلمين في باب الاتباع وظنوا أن بوسعهم أن يحدثوا في الدين ما تزينه عقلوهم ويستحسنه رأيهم، وهذا بدعة.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧٢٨٨)، ومسلم رقم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٦٩٧)، ومسلم رقم (١٧١٨)، من حديث عائشة، ﵂، مرفوعًا.
(٣) أخرجه مسلم رقم (١٧١٨).
[ ١٢٥ ]
والبدعة -كما عرفها الإمام الشاطبي ﵀ هي: "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" (^١).
قوله تضاهي الشريعة؛ أي: صفتها وصورتها مثل الأمور المشروعة.
_________________
(١) الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (١/ ٥٠).
[ ١٢٦ ]
•قال المؤلف ﵀:
(وَدَلِيلُ الْصَّلَاةِ وَالْزَّكَاةِ، وَتَفْسِيرُ الْتَّوْحِيدِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة: ٥].
وَدَلِيلُ الْصِّيَامِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وَدَلِيلُ الْحَجِّ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيِتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]).