وأما الحج فهو خامس الأركان، وهو لغة: القصد.
واصطلاحًا هو: التعبد لله تعالى بقصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص. وقد ختم الله تعالى الأمر به بقوله: ﴿مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، مع أن الاستطاعة مطلوبة في كل عبادة؛ لكن لما كان أمر الحج شاقًا من الناحية البدنية والمالية، نوه الله تعالى بذكر الاستطاعة، ثم ختم الآية بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾، وقد قال بعض السلف أن من ترك الحج مع قدرته عليه يكون كافرا ويروى في هذا آثار عن عمر ﵁، وعن علي ﵁.
والصحيح أن هذه الأركان الخمسة فرائض مكتوبة، وأن الإنسان لا
_________________
(١) من شعر النابغة، ينظر: ديوان النابغة (ص: ١٣٥)، تحقيق: د. عمر الطباع، طبعة دار القلم.
(٢) ينظر: المغني لابن قدامة (٣/ ١٠٥).
[ ١٣٠ ]
يكفر بترك شيئا منها إلا الشهادتين، والصلاة؛ أما الشهادتان فإجماع، ولا شك.
وأما الصلاة فقد اختلف العلماء في هذا، وذهب الإمام أحمد ﵀ وجمعٌ من السلف إلى أن تارك الصلاة ولو تكاسلا وتهاونا كافر كفرا مخرجًا عن الملة.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه كافر كفرا أصغر.
والراجح في هذا هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ بأدلة مبسوطة في كتب الفقه.
وأما الزكاة فقد قال بعض العلماء أن تاركها يكفر؛ لأن الله قرنها بها في آية براءة ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فمن لم يكن كذلك فليس أخا لنا في الدين، وهذا لاشك أنه استنباط قوى، إلا أنه يشكل عليه حديث مانع الزكاة الذي فيه: (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) (^١)، فدل ذلك على أن مانع الزكاة لا يكفر بذلك.
وأما الصوم والحج فلا يكفر من تركهما.
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٩٨٧)، من حديث أبي هريرة، ﵁، مرفوعًا.
[ ١٣١ ]
•قال المؤلف ﵀:
(الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ، وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاهَا قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ.
وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ: كما في الحديث: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (^١).
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ودليل القدر: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]).