المرتبة الثالثة هي الإحسان، وقد عرفها النبي ﷺ: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (^١)، فالإحسان مرتبة أخص من الإيمان، ومعنى الإحسان في اللغة: الإتقان، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ) (^٢)، وقد فسرَّه النبي ﷺ بمرتبتين:
المرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه.
المرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك.
قال العلماء (^٣): المرتبة الأولى: مرتبة الطلب، والمرتبة الثانية: مرتبة الهرب، ومرتبة الطلب أشرف من مرتبة الهرب.
فالأولى: أن تعبد الله تعالى وأنت تسعى إليه مشتاقًا إليه منجذبًا إليه؛ فيكون أداؤك للطاعات والعبادات يحدوه حاد المحبة الرجاء.
فإن لم يصل الإنسان إلى هذه المرتبة العليا التي هي مرتبة العبادة: عبادة الفرِح المشتاق المنجذب إلى ربه ومعبوده؛ فإن دونها
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٨).
(٢) أخرج أبو يعلى الموصلي في المسند (٧/ ٣٤٩) رقم (٤٣٨٦) عَنْ عَائِشَةَ مرفوعًا، وحسنه بشواهده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ١٠٦)، رقم (١١١٣).
(٣) ينظر: شرح ثلاثة الأصول لشيخنا العلامة العثيمين (ص: ١١٩).
[ ١٥١ ]
وهي الثانية: أن يعبد الله بروح العبد المشفق الخائف من رقابة الله تعالى واطلاعه عليه، كما الموظف الذي يتقن عمله لعلمه أن رب العمل يطلع عليه، ولا شك أن كلًا من هاتين الحالين يثمران إحسان العمل فالذي يعبد الله كأنه يراه يتقنه ويحسنه ويكون هذا مصحوبًا بالشوق لله ﷿، والذي يعبد الله وهو يشعر برقابته كذلك يتقنه؛ لأنه خائف من الله ﷿.
وبذلك تمت مراتب الدين الثلاثة.
قوله: (وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ) [النحل: ١٢٨]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس: ٦١]).
هذه الأدلة الثلاثة من القرآن تدل الآيتان الأوليتان على معية الله تعالى لعبده المؤمن؛ وهذه معية خاصة، وتدل الآية الثالثة على شعور المؤمن بمعية الله ورقابته.
قوله: (وَالْدَّلِيلُ مِنَ الْسُّنَّةِ: «حَدِيثُ جِبْرِيلَ» الْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ الْنَّبِيِّ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الْشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ الْسَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى الْنَّبِي ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ. قَالَ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الْصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الْزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ
[ ١٥٢ ]
وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْسَّاعَةِ. قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ الْسَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الْشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». قَالَ: فَمَضَى، فَلَبِثْنَا مَلِياًّ. فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ الْسَّائِلُ؟» قَلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٨) ..
[ ١٥٣ ]
•قال المؤلف ﵀:
(الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ: وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلاثٌ وَعِشْرُون نَبِيًّا رَسُولا. نُبِّئَ ب ﴿اقْرَأ﴾، وَأُرْسِلَ ب ﴿الْمُدَّثِّرْ﴾، وَبَلَدُهُ مَكَّةُ، وهاجر إلى المدينة.
بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَبالَدْعُوة إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧]. وَمَعْنَى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا).