لما فرغ المؤلف ﵀ من المرتبة الأولى من مراتب الدين: وهي الإسلام؛ ثنى بما ثنى به نبينا ﷺ وجبريل في الحديث المشهور، وهو الإيمان، والإيمان إذا ذكر قد يراد به الإيمان الذي بمعنى الدين كله، وقد يراد به الإيمان الذي هو الأعمال الباطنة، فإذا ذكر الإيمان مع الإسلام في نص واحد فإن الإسلام يعني الشرائع الظاهرة، والإيمان
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٨).
[ ١٣٢ ]
يعني العقائد الباطنة، وإذا ذكر كل منهما في نص مستقل؛ فإن كل منهما يدل على الدين كله، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؛ أي: إذا اجتمعا في نص واحد فإن الإسلام يعني الشرائع الظاهرة والإيمان العقائد الباطنة كما في حديث جبريل، فقد فسر النبي ﷺ فيه الإسلام بأنه أركان الإسلام الخمسة التي هي شرائع ظاهرة: النطق بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت، وفسر الإيمان بالعقائد الباطنة فقال: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (^١)، أما إذا ذكر الإسلام منفردًا؛ فإنه يتضمن الإيمان؛ لأنه يعني الدين كله كما قال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وإذا ذكر الإيمان منفردًا؛ فإنه يدل على الدين كله المتضمن للإسلام، ولأجل ذا فإن الشيخ ﵀ لما أراد أن يعرف المرتبة الثانية الإيمان ذكر التعريف العام والتعريف الخاص.
قوله: (الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ، وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاهَا قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ). كما قال النبي ﷺ ثم بعد ذلك عدد أركانه.
والإيمان في اللغة: معناه التصديق؛ لكنه تصديق مقرون بائتمان وإقرار وانقياد وإذعان؛ فهو ليس تصديقًا مجردًا، فالإيمان في اللغة: التصديق المقترن بالإقرار والإذعان.
وأما معناه في الاصطلاح؛ فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، وهذا هو معنى قول العلماء: الإيمان قول وعمل؛ فالإيمان له حقيقة مركبة من القول والعمل، ليس الإيمان مجرد القول،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٨).
[ ١٣٣ ]
ولا مجرد العمل؛ بل الإيمان قول وعمل؛ ولهذا أخبر النبي ﷺ بأن له شعبًا كثيرة قال: (فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ) (^١)، فلا يتم إيمان امرئ مسلم إلا بأن يعتقد بجنانه، ويتلفظ بلسانه، ويعمل بأركانه، فالقلب يتعلق به قول وعمل، واللسان يتعلق به قول وعمل، والجوارح يتعلق بها عمل.
وبيان ذلك:
قول القلب: المراد به اعتقاده، يعني ما ينعقد عليه القلب من العلوم الصحيحة والمعارف الصائبة؛ كأن تعتقد أن الله تعالى واحد لا شريك له، أرسل رسلًا، وأنزل كتبًا، وجعل يومًا آخر وجنة ونارًا، هذه عقيدة قلب، وهذا قول القلب.
عمل القلب: هو ما يتحرك به القلب من النيات والإرادات؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء.
ففرق بين قول القلب وعمله: فقول القلب: هو الاعتقاد، وعمل القلب: هو ما ينبض به القلب من العبادات القلبية؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والاستعانة وغيرها.
قول اللسان: المقصود به: الإعلان بالشهادتين؛ فلا نحكم بإسلام أحد حتى يلفظ بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
عمل اللسان: ما زاد على ذلك: من التلاوة، والدعاء، والذكر،
_________________
(١) أخرجه مسلم بهذا اللفظ رقم (٣٥) عن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» وأخرجه بنحوه مختصرا البخاري رقم (٩).
[ ١٣٤ ]
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والقول الحسن، وعموم الكلم الطيب.
أعمال الجوارح: ما تقوم به الجوارح من حركات تعبدية: كالقيام، والركوع، والسجود في الصلاة، وكالوقوف بعرفة، ورمي الجمار، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة في الحج.
فلا يكون إيمان إلا بالقول والعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، بهذا تتم منظومة الإيمان، فلو قال إنسان: أنا قد صدقت بأن الله حق، ووعده حق، والنبيون حق، والجنة والنار حق، لكن لا عمل؛ لن أفعل الطاعات، ولن أجتنب المحرمات مطلقًا، فلا نثبت له إيمانًا؛ لأن الإيمان حقيقته مركبة من قول وعمل، فلا بد من القول والعمل معًا؛ لكن هذا لا يلزم أن يأتي بجميع أعمال الجوارح؛ فإذا كان في القلب عقيدة فلا بد أن تثمر عملًا.
فقوله: (أعلاها قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ): تشمل اعتقاد القلب؛ ونطق اللسان.
وقوله: (وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ): هذا عمل جوارح.
وقوله: (وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ): هذا عمل القلب.
وبهذا يتبين لنا أن الإيمان يشمل الدين كله بهذا الاعتبار.
أما التعريف الخاص للإيمان؛ فإنه العقائد القلبية التي فسرها النبي ﷺ في حديث جبريل بقوله: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (^١).
وهذه العقائد القلبية: هي شجرة الإيمان التي قال الله عنها: ﴿أَلَمْ تَرَ
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٨) ..
[ ١٣٥ ]
كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]، ومن أحسن التقاسيم التي مرت عليّ في بيان شجرة الإيمان تقسيم شيخنا ﵀ محمد بن صالح العثيمين لهذه المسألة:
شجرة الإيمان: ويتفرع منها ستة فروع، وكل فرع من هذه الفروع الستة يتفرع منه أربعة أغصان، وبهذا سيخرج معنا في النهاية أربعة وعشرون غصنًا، وكل هذا من باب تقريب العلم؛ لأن النبي ﷺ قال: (الإيمان أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (^١)؛ فهذه ستة أركان.
الركن الأول: الإيمان بالله: لا يتم إيمان امرئ بالله حتى يؤمن بأربعة أشياء:
أولًا: الإيمان بوجوده سبحانه؛ وهو الاعتقاد الجازم بوجود الله ﷾، وهذا أمر فطري، ولا ينازع في هذا الأمر إلا الملاحدة المنكرون لوجود الله ﷿.
ثانيًا: الإيمان بربوبيته: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله ﷾ هو الخالق المالك المدبر وينازع في هذا: منكرو الربوبية: كفرعون الذي قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، وكالنمرود الذي قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
ثالثًا: الإيمان بألوهيته: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله ﷾ المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، وينازع في هذا: المشركون الذين يصرفون شيئًا من أنواع العبادة لغير الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٠)، ومسلم رقم (٨).
[ ١٣٦ ]
رابعًا: الإيمان بأسمائه وصفاته، وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وينازع في هذا: صنفان من الناس:
المعطلة: الذين ينكرون أسماء الله وصفاته، كلها أو بعضها.
والممثلة: الذين يثبتونها على وجه يماثل المخلوقين.
أما أهل السنة؛ فإنهم يثبتون إثباتًا بلا تمثيل، وينزهون الله تنزيهًا بلا تعطيل.
الركن الثاني: الإيمان بالملائكة، ولا يتم إيمان امرئ بالملائكة حتى يؤمن بأربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بوجود الملائكة، وأنهم خلق حقيقي، خلقهم الله تعالى من نور، وينازع في هذا: الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات ولا يؤمنون بالمغيبات، أو الذين يزعمون بأن الملائكة قوى معنوية وليست أجسامًا حقيقية.
الأمر الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، ومن لم نعلم اسمه فإننا نؤمن به إجمالًا، من علمنا اسمه منهم مثل: جبريل، ميكائيل، إسرافيل، ملك الموت، منكر، نكير؛ فهؤلاء نؤمن بهم بأسمائهم، ومن لم نعلم اسمه منهم فإننا نؤمن به إجمالًا؛ لأن ملائكة الله كثر لا يحصيهم عد، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]؛ وقد أخبر النبي ﷺ (رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ) (^١)، يعني لا تأتيهم النوبة مرة أخرى وهذا يدل على
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٢٠٧)، من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄، مرفوعا. ومسلم رقم (١٦٢)، من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، مرفوعًا.
[ ١٣٧ ]
كثرتهم، وقال النبي ﷺ: (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ) (^١)، والأطيط: هو الصوت الذي يُسمع حينما يثقل الرحل بالراكب، فيسمع للسيور والجلد صوت بسبب الثقل.
الأمر الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، ذلك أن الملائكة عالم غيبي لم نره بأعيننا؛ لكن الله تعالى أخبرنا عن بعض صفاتهم؛ فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] وأخبر النبي ﷺ أنه رأى جبريل وله ستمائة جناح (^٢)، كل جناح قد سد الأفق؛ لعظم خلقه ﵊، وقال في حديث آخر: (أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ) (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي رقم (٢٣١٢) من حديث أبي ذر، ﵁، مرفوعا، وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وصححه الحاكم في المستدرك رقم (٣٩٠٥)، وقال محققو مسند أحمد ط الرسالة (٣٥/ ٤٠٥)، حسن لغيره بهذه السياقة، وهذا الإسناد رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنه منقطع، فإن مورقًا العجلي لم يسمع من أبي ذر. وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٢٩٩،) رقم (١٧٢٢).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٢٣٢)، ومسلم رقم (١٧٤)، من حديث ابن مسعود، ﵁، مرفوعًا.
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٤٧٢٧)، من حديث جابر بن عبد الله، ﵄، وقال ابن كثير كما في تفسيره ت: سلامة (٨/ ٢١٢): "وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات"، وصححه الحافظ ابن حجر في فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٦٥)، وقال: إسناده على شرط الصحيح. وصححه الألباني في مختصر العلو للعلي العظيم (ص: ١١٤)، رقم (٧٥).
[ ١٣٨ ]
الأمر الرابع: الإيمان بما علمنا من وظائفهم وأعمالهم، وقد أخبرنا الله ﷾ عن عبادة مشتركة بين جميع الملائكة: وهي الاجتهاد في العبادة، فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، فقد ألهموا التسبيح وأعطاهم الله ﷾ القوة على عبادته، كما قالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فهذا دأبهم وهذا عملهم؛ فنفوسهم زكية ليس فيها نزعة إلى الشر مطلقًا؛ فالتسبيح وظيفتهم المشتركة، لكن لهم وظائف متخصصة كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦]، وقال الله تعالى ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ١ - ٥]، هذه طوائف من الملائكة مكلفة بأعمال معينة.
ومن أعمالهم:
كتابة الأعمال: فقد أخبر الله تعالى أنهم ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨]
عمل ملك الموت الذي يقبض الأرواح. ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]
عمل الملك الذي يتسور على الجنين في بطن أمه؛ فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟
[ ١٣٩ ]
المعقبات: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
وأشرف أعمالهم: أمانة الوحي، وهذه مهمة جبريل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].
عمل ميكائيل: وهو إنزال القطر من السماء، وإنبات الأرض.
عمل إسرافيل: وهو النفخ في الصور؛ فتعود الأرواح إلى الأجساد التي كانت تعمرها في الدنيا.
وبالجملة فملائكة الرحمن قد أسندت إليهم مهام متعددة متنوعة متخصصة؛ فنؤمن بما صح به الخبر.
الركن الثالث: الإيمان بالكتب، ولا يتم إيمان امرئ بالكتب حتى يحقق أمورًا أربعة:
الأمر الأول: الإيمان بأنها منزلة من عند الله حقًا: هذه الكتب ليست كلام آدمي؛ بل هي وحي يوحى أنزله الله تعالى على أنبيائه، فهذه أعظم خصيصة لها.
الأمر الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه، وما لم نعلم اسمه فإننا نؤمن به إجمالًا، فالذي نعلمه من كتب الله: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، وصحف إبراهيم، وصحف موسى على خلاف؛ هل صحف موسى هي التوراة، أو سواها؟ فما علمنا اسمه آمنا به باسمه، لا نسميه كما تسميه النصارى واليهود: العهد القديم، والعهد الجديد، بل التوراة والإنجيل.
الأمر الثالث: الإيمان بما صح من أخبارها، وهذه مسألة مهمة، وذلك أن كتب الله ﷿ قد امتدت إليها يد التحريف سوى القرآن، فما
[ ١٤٠ ]
صح من أخبار الكتب الماضية وثبت فإننا نؤمن به، وما لا فلا، ونحن نعلم أن الله تعالى قد حفظ القرآن العظيم فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أما ما تقدمه من الكتب؛ فقد أخبر الله تعالى عن أهل ذلك الكتاب ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ فتوعدهم؛ فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. [البقرة: ٧٩].
وموقفنا من الإسرائيليات -وهي المأثور من كتب أهل الكتاب في التوراة وفي الإنجيل- لا يخلو من ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: أن تكون موافقة لما جاء في كتابنا؛ فنؤمن به ونصدقه؛ لأن كتابنا يشهد له، فمثلًا: جاء في التوراة: ذكر الطوفان، وخروج موسى ﵇ بقومه من مصر، وانشقاق البحر؛ فموقفنا من هذه الأخبار: أن نؤمن بها ونصدق؛ لأن كتابنا جاء مؤيدًا لها مصدقًا لها، وإن كان لا يلزمنا الإيمان بالتفاصيل التي يذكرونها؛ لكن نؤمن بأصل القضية.
الحالة الثانية: أن تكون مخالفة لما جاء في كتابنا؛ فنرده ونرفضه ونعلم أنه مما حرفوه وكتبوه بأيديهم؛ فمثلًا: جاء في كتبهم -والعياذ بالله- أن لوطًا ﵇ شرب الخمر وزنى بابنتيه - وحاشاه ﷺ.
الحال الثالثة: أن لا يكون في كتابنا ما يصدقه وما يكذبه؛ فحينئذٍ لا نصدق ولا نكذب ونقول: آمنا بما أنزل الله من كتاب، وهذا كثير جدًا وغالبه لا طائل من ورائه؛ كأن يختلفوا في اسم الكلب الذي تبع أهل الكهف، وصفته، ولونه … وما إلى ذلك؛ فهذا مما لا حاجة لنا به، ولكننا لا نصدق ولا نكذب، والمنهج في هذا النوع: هو جواز
[ ١٤١ ]
الرواية والتحديث به؛ لقول النبي ﷺ: (وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ) (^١)، ولكن لا نقطع بثبوته ولا بنفيه كما في الحديث: (مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ) (^٢).
فمنهج السلامة أن لا نتسرع بتصديق ولا تكذيب، أما ما شهد كتابنا بصحته؛ فإنا نؤمن به لثبوت ذلك في كتابنا، وما شهد كتابنا ببطلانه؛ فإننا نرفضه لأن كتابنا شهد بنقضه.
الأمر الرابع: هو العمل بالشرع المنزل إلينا في كتابنا؛ لأن القرآن العظيم ناسخ للكتب السابقة مهيمن عليها، وذلك أن الله تعالى في سورة المائدة -لما ذكر التوراة ثم ذكر الإنجيل- قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، ومعنى مهيمنًا عليه: أي حاكمًا وقاضيًا وناسخًا؛ فلا يجوز لأحد أن يعمل بشريعة التوراة ولا بشريعة الإنجيل؛ لكن إن أقر شرعنا ما جاء في التوراة أو الإنجيل فإننا نعمل به؛ لإقرار شرعنا له، مثال ذلك: قوله تعالى عن التوراة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فهذا مكتوب في التوراة وأقره شرعنا وزاد عليه ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥].
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٦١). من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ﵄، مرفوعًا.
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٣٦٤٤)، من حديث ابْنُ أَبِي نَمْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، ﵁، مرفوعا، وصححه ابن حبان في صحيحه رقم (٦٢٥٧)، وقال الأرناؤوط في تحقيق صحيح ابن حبان (١٤/ ١٥١)، إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير نملة، فقد روى عنه جمع، وذكره المؤلف في الثقات.
[ ١٤٢ ]
الركن الرابع: الإيمان بالرسل، ولا يتم إيمان امرئ بالرسل حتى يحقق أمورًا أربعة:
الأمر الأول: الإيمان بأن رسالتهم من عند الله حقًا، يعني وقعت اصطفاءً واختيارًا من الله ﷿، وأن النبوة لا تحصل بالرياضة والمجاهدة -كما زعم ذلك زنادقة الصوفية-؛ تسمو النفس وتصل إلى مرتبة النبوة! بل النبوة والرسالة اصطفاء من الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وذم الله تعالى المشركين أن قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢].
الأمر الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه من رسل الله باسمه، ومن لم نعلم اسمه؛ فإننا نؤمن به إجمالًا، ورسل الله كثر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد ورد من أسماء الأنبياء والمرسلين في القرآن العظيم خمسة وعشرون نبيًا رسولًا؛ فهؤلاء نؤمن بهم بأسمائهم، أما من لا نعلم اسمه منهم؛ فإننا نؤمن بأن الله تعالى قد بعث في كل أمة رسولًا وكفى؛ فإذا مرت بنا بعض الأسماء التي في كتب أهل الكتاب مثل أشعياء، أرميا، حزقيال … إلى غير ذلك؛ فإننا لا نقطع بذلك؛ لكن نؤمن أن الله تعالى بعث رسلًا كثرًا إلى أقوامهم.
الأمر الثالث: تصديق ما صح من أخبارهم، لا يوجد سند متصل إلى نبي من أنبياء الله إلا إلى رسول الله ﷺ؛ فإن هذه الأمة قد مَنَّ الله
[ ١٤٣ ]
تعالى بها عليها بالرواية بالأسانيد المتصلة إلى رسول الله ﷺ، ولا تجد هذا في الأمم الأخرى، قد درست أسانيدها لكن ربما حدثنا نبينا بشيء من ذلك: كقوله ﷺ: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ) (^١)، فضلًا عما تضمنه القرآن من أخبارهم.
الأمر الرابع: العمل بشريعة من بُعث إلينا منهم، وهو نبينا محمد ﷺ؛ فنحن وجميع البشر مأمورون باتباع شريعة محمد ﷺ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]؛ فلا يسعُ أحدًا بعد بعثة محمد ﷺ إلا أن يتبعه، وتعجب حينما تجد من الناس؛ بل من بعض من ينتسب إلى الإسلام من يسوغ لليهودي وللنصراني أن يبقى على يهوديته أو نصرانيته ويقول كل يعبد الله كما يشاء! أين هذا من قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (^٢).
الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر، ولا يتم إيمان امرئ باليوم الآخر حتى يحقق أمورًا أربعة:
الأمر الأول: الإيمان بما يكون في القبر؛ قال شيخ الإسلام: " ومن
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٨٣)، من حديث أبي مسعود، ﵁، مرفوعًا.
(٢) أخرجه مسلم رقم (١٥٣)، من حديث أبي هريرة، ﵁، مرفوعًا.
[ ١٤٤ ]
الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت: فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه) (^١).
والذي يكون في القبر أمران:
الأمر الأول: فتنة القبر: والمراد بها سؤال الملكين للميت عن دينه وربه ونبيه؛ لأن الفتنة معناها في اللغة: الاختبار، كما يقال: فتن الصائغ الذهب إذا أدخل الذهب المشوب بالمعادن الأخرى في النار؛ فلا يبقى إلا الذهب الخالص، وقد قال النبي ﷺ: (وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ …) (^٢).
الأمر الثاني: نعيم القبر أوعذابه: وذلك أن المؤمن ينعم في قبره إلى أن تقوم الساعة، والكافر يعذب في قبره إلى أن تقوم الساعة.
الأمر الثاني: الإيمان بالبعث: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى يخرج الناس من قبورهم يوم القيامة حفاة: غير منتعلين، عراة: غير مكتسين، غُرلًا: غير مختونين، بُهمًا: ليس معهم شيء، وهو بعث جسماني لا كما يدعي بعض الملاحدة أنه بعث روحاني؛ بل هو بعث بالروح والبدن معًا، ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (٧) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر ٦ - ٨].
الأمر الثالث: الإيمان بالحساب: وهو الاعتقاد الجازم أن الله ﷾ يحاسب الناس يوم القيامة.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٥).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٨٦)، ومسلم رقم (٩٠٥)، من حديث أسماء، ﵂، مرفوعًا.
[ ١٤٥ ]
والحساب نوعان: حساب المؤمنين وحساب الكافرين:
فأما حساب المؤمنين؛ فهو على نوعين أيضًا: أحدهما العرض، والثاني المناقشة:
فالعرض يكون لمن سبقت له من الله الحسنى ممن أراد الله كرامته، ويدل عليه حديث عبد الله بن عمر ﵄: (إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ) (^١)، فما أسعده! وما أهنأه! فقد زُحزح عن النار وفاز.
أما المناقشة: فهي التي تكون لعصاة الموحدين الذين ارتكبوا كبائر لم يشأ الله تعالى أن يغفرها؛ بل أراد أن يعذبهم عليها بقدرها ثم يؤولون إلى الجنة.
والدليل على هذا التقسيم: أن النبي ﷺ قال يومًا: (لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ قَالَتْ عائشة قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ ﷿ (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) قَالَ ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَك) (^٢)، يعني من يُدقق معه في المحاسبة؛ دليل على أنه سيعذب بذنبه -أجارنا الله وإياكم-.
أما حساب الكافرين؛ فليس حساب من توزن حسناته وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم أصلًا، وإنما يقررون بذنوبهم؛ فيعترفون بها على رؤوس الأشهاد ثم يلقى بهم في النار.
الأمر الرابع: الإيمان بالجنة والنار: أن الجنة حق، وأن النار حق، فالجنة هي الدار التي أعدها الله لأهل كرامته، والنار هي الدار التي أعدها الله لأهل مهانته، وأن في الجنة من صنوف النعيم الحسي والمعنوي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن في النار من صنوف العذاب الحسي والمعنوي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر -أجارنا الله وإياكم-.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٤٤١)، ومسلم رقم (٢٧٦٨)، من حديث ابن عمر، ﵄، مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٩٣٩)، ومسلم رقم (٢٨٧٦)، واللفظ للبخاري من حديث عائشة، ﵂، مرفوعًا.
[ ١٤٦ ]
الركن السادس: الإيمان بالقدر، ولا يتم إيمان امرئ بالقدر حتى يحقق أمورًا أربعة:
الأمر الأول: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء، جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدا، ما كان وما يكون، وما سوف يكون، وما لم يكن كيف لو كان يكون، سواء ما تعلق بأفعاله سبحانه، أو ما تعلق بأفعال عباده، فيعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه علم ما الناس عاملون، من خير وشر وطاعة ومعصية، كما علم أرزاقهم وآجالهم.
الأمر الثاني: الإيمان بكتابة الله تعالى لعلمه ذلك في اللوح المحفوظ، كما قال الله ﷿ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وكما قال سبحانه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] الذي هو اللوح المحفوظ، وكما قال نبيه ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (^١)، فلا يتحرك متحرك ولا
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٦٥٣).
[ ١٤٧ ]
يسكن ساكن إلا وقد كتبه الله تعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة حتى العجز والكيس، حتى الصفات النوعية للناس من كون بعضهم فيه صفة العجز، وبعضهم فيه صفة الحزم، وفي الحديث (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ. قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) (^١).
الأمر الثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يكون شيء إلا بمشيئته.
الأمر الرابع: الإيمان بخلقه سبحانه لجميع الأشياء، ذواتها وصفاتها وحركاتها؛ فالله الخالق، وما سواه مخلوق، ليس العبد يخلق فعل نفسه، الله خالق كل شيء، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].
الدليل على مسألة الإيمان في القرآن العظيم: لو نظرنا في القرآن العظيم؛ لوجدنا أن الله ﷾ قد ذكر خمسة من الأركان مجتمعة في موضعين؛ فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ودليل القدر: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وفي آية أخرى قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] وفي آخر سورة البقرة ذكر
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٤٧٠٠)، والترمذي رقم (٢١٥٥) من حديث عبادة بن الصامت، ﵁، مرفوعًا، وصححه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٨/ ٢٧٤)، رقم (٣٣٦) والألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم (٢٠١٧).
[ ١٤٨ ]
أربعة منها: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أما حديث جبريل؛ فقد جمع الستة.
[ ١٤٩ ]
•قال المؤلف ﵀:
(الْمَرْتَبَةُ الْثَّالِثَةُ: الْإِحْسَانُ رُكْنٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ). وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ) [النحل: ١٢٨]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس: ٦١]. وَالْدَّلِيلُ مِنَ الْسُّنَّةِ: «حَدِيثُ جِبْرِيلَ» الْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ الْنَّبِيِّ • إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الْشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ الْسَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى الْنَّبِي•، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَا لَ: يَا مُحَمَّدٌ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ. قَالَ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الْصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الْزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْسَّاعَةِ. قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ الْسَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى
[ ١٥٠ ]
الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الْشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». قَالَ: فَمَضَى، فَلَبِثْنَا مَلِياًّ. فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ الْسَّائِلُ؟» قَلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ).