• قال المؤلف ﵀:
(بسم الله الرحمن الرحيم):
استهل المصنف ﵀ -كتابه هذا بالبسملة - بسم الله الرحمن الرحيم-، والبداءة بالبسملة دل على ثبوتها ومشروعيتها أدلة كثيرة منها:
أن النبي ﷺ كان يبدأ بها مكاتيبه: فعندما كتب النبي ﷺ إلى هرقل كتابا قال فيه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ) (^١)، ولما أراد النبي ﷺ أن يكتب صلح الحديبية أملى على الكاتب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فقال مندوب قريش سهيل بن عمرو أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧)، ومسلم رقم (١٧٧٣)، من حديث ابن عباس عن أبي سفيان، ﵄.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٧٣١)، من حديث المسور بن مخرمة ومروان ﵄، ومسلم رقم (١٧٨٤)، من حديث أنس.
[ ٢٣ ]
أنها هدي الأنبياء السابقين، قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [النمل: ٣٠]، فقد كان أنبياء الله يبدؤون مكاتيبهم بالبسملة، وقد قال الله لنبيه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
فالسنة أن يبتدئ الإنسان مكاتيبه بالبسملة، وأن يبتدئ خطبه بالحمد لله، فإذا خطبت فابدأ بحمد الله، وإذا كتبت فابدأ بالبسملة، ولا بأس بالجمع بينهما.
ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب (بسم الله الرحمن الرحيم) فهو أقطع) (^١). وفي رواية: «لا يبدأ فيه بذكر الله» (^٢)، وفي رواية (بحمد الله) (^٣) وهذه الأحاديث لا تخلو من مقال ولكنها بمجموعها تحتمل ولهذا تلقتها الأمة بالقبول، فصاروا يبدؤون كتبهم بالبسملة.
(بسم الله): جار ومجرور، والجار والمجرور لا بد له عند النحاة من متعلق، قال العلماء: إن متعلَّق "بسم" فعل محذوف مؤخر مناسب للمقام، فإذا أردت أن تَطْعم وقلت بسم الله فالتقدير: "بسم الله آكل"، وإذا أردت أن تدخل بيتك وقلت بسم الله، فالتقدير: "بسم الله أدخل".
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ عبد القادر الرهاوي في (الأربعين) عن أبي هريرة، وأخرجه الخطيب في «الجامع» (٢/ ٦٩) والسبكي في «طبقات الشافعية» (١/ ٦) وقال الشيخ ابن باز" جاء هذا الحديث من طريقين أو أكثر عند ابن حبان وغيره، وقد ضعفه بعض أهل العلم والأقرب أنه من باب الحسن لغيره" مجموع فتاوى ابن باز (٢٥/ ١٣٥).
(٢) أخرجه أحمد رقم (٨٧١٢). وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند.
(٣) أخرجه أبو داود رقم (٤٨٤٠) وصححه ابن حبان رقم (١).
[ ٢٤ ]
فها هنا يكون التقدير "بسم الله أكتب" أو "بسم الله أصنف" أو "بسم الله أؤلف" وبالنسبة للقارئ "بسم الله أقرأ".
واسم الله ﷿ اسم مبارك، ما كان في شيء إلا حلت فيه البركة، فإذا استعمله الإنسان مع الطعام بورك له في زاده، وطرد عنه الشيطان، وإذا استعمله الإنسان عند دخوله لبيته؛ فإن ذلك يطرد الشيطان ويمنعه من المبيت، وإذا استعمله الإنسان إذا أتى أهله حيل بين الشيطان وبين ما يقسم بينه وبين أهله من ذرية، فينبغي للمؤمن ألا يغيب عن باله، ولهذا قال الله ﷿: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام﴾ [الرحمن: ٧٨].
والاسم عند النحاة: هو ما عيّن مسماه، فالله ﷾ له الأسماء الحسنى، كما قال في غير موضع: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، خلافًا للجهمية الذين أنكروا أن يكون لله أسماء، فالله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، فنثبت ما أثبت الرب لنفسه، ومن ذلك (الاسم)، وأما لفظ الجلالة "الله" فإنه أفضل الأسماء الحسنى على الإطلاق، وقيل: إنه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب؛ ولهذا نجد أن الأسماء الحسنى تحال إليه، كما في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]، فمرجع الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم الشريف وهو الله (^١).
ولفظ (الله) ليس جامدًا؛ بل هو مشتق من: أَلَهَ يألهُ أَلُوهةً، والمراد بالألوهية: انجذاب القلب، للمعبود محبة وتعظيمًا؛ فلهذا كان هذا الاسم الشريف جامعًا للأسماء الحسنى؛ لأن القلوب لا تجتمع إلا على من
_________________
(١) ينظر: جامع المسائل لشيخ الإسلام (٤/ ٤١٤).
[ ٢٥ ]
كانت له صفات الكمال ونعوت الجلال (^١).
أما (الرحمن والرحيم): فهما اسمان شريفان كريمان من أسماء الله الحسنى، ومعناهما متقارب إذ أن كلًا منهما يدل على اتصاف الله تعالى ﷿ بصفة الرحمة، ولا ريب أن ربنا رحمن ورحيم، وأن من صفاته العلى صفة الرحمة، ورحمة ربنا ﷿ رحمة تليق به ليست كرحمة المخلوقين فيها ضعف ورقة، بل هي رحمة لائقة بجلاله وعظمته، رحمة حقيقية نثبتها لربنا ونرجو ثوابها.
الفروق بين الرحمن والرحيم:
الفرق الأول: قال بعض أهل العلم: أن الرحمن يدل على اتصاف الله تعالى بصفة الرحمة اتصافًا ذاتيًا، أما الرحيم يدل على اتصاف الله بصفة الرحمة اتصافًا فعليًا.
الفرق الثاني: أن الرحمن يدل على الرحمة العامة المتعلقه بعموم المخلوقين، والرحيم يدل على الرحمة الخاصة المتعلقة بالمؤمنين خاصة، فالرحمن يدل على الرحمة الواسعة، التي دل عليها قوله تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، والرحيم يدل على الرحمة الواصلة التي تختص بالمؤمنين، قال ﷿: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]
الفرق الثالث: أن الرحمن اسم لا يطلق إلا على الله ﷿، لأنها تدل على الإطلاق والكمال المطلق، بينما اسم الرحيم يجوز أن يسمى به المخلوق،، قال تعالى عن نبيه ﷺ: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨].
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد (١/ ٢٢).
[ ٢٦ ]
• قال المؤلف ﵀:
(اعلمْ -رحمكَ اللهُ- أَنَّهُ يجبُ علينَا تَعَلُّمُ أربعِ مسائلَ؛
الأُولى: العِلْمُ؛ وهوَ معرفةُ اللهِ، ومعرفةُ نبيِّهِ، ومعرفةُ دينِ الإسلامِ بالأدلةِ).
قوله: (اعلمْ -رحمكَ اللهُ-): ابتدأ المصنف-﵀ بهذا اللفظ"اعلم" وهو صيغة أمر تحمل المخاطب على الانتباه، وقد جرى الشيخ على نسق القرآن، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].
ومراتب الإدراك ستة (^١):
أولًا: العلم، وتعريف العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. كقولك: وقعت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة.
ثانيًا: الجهل البسيط، وهو: عدم الإدراك بالكلية. كقولك: لا أعلم متى وقعت غزوة بدر.
ثالثًا: الجهل المركب، وهو: إدراك الشيء على خلاف ما هو
_________________
(١) ينظر: التحبير شرح التحرير (١/ ٢٥١، ٢٥٢)، شرح الكوكب المنير (١/ ٧٧).
[ ٢٧ ]
عليه. كقولك: وقعت غزوة بدر في السنة الثالثة من الهجرة.
رابعًا: الظن، وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. كظنك أن غزوة بدر وقعت في السنة الثانية من الهجرة مع نوع تردد.
خامسًا: الشك، وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساوٍ. كترددك في وقوعها في الأجلين على حدٍ سواء.
سادسًا: الوهم: وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح. كظنك أن غزوة بدر وقعت في السنة الثالثة من الهجرة مع نوع تردد.
ويقسمون العلم أيضًا إلى قسمين:
القسم الأول: علم ضروري.
القسم الثاني: علم نظري.
فالعلم الضروري: هو الذي يكون إدراك العلم فيه بمقتضى الضرورة؛ إما ضرورة عقلية أو حسية. فمن الضرورة الحسية العلم بأن السماء فوقنا، والأرض تحتنا، والعقلية العلم بأن ١+١=٢؛ لأنها تدرك بالتفكير والحساب، فهذا يسمى عند العلماء بالضرورة العقلية.
ومن العلم الضروري ما ثبت بالتواتر؛ كالقرآن العظيم؛ لأن كتاب الله ﷿ محفوظ، منقول إلينا نقلًا متواترًا لا خلاف فيه، ولا يخرم منه حرف واحد.
ومنه الأحاديث المتواترة التي رواها جمع كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، عن مثلهم، وأسندوه إلى شيء محسوس، فالأحاديث المتواترة تفيد العلم الضروري القطعي.
وأما العلم النظري فالمراد به: ما يحتاج إلى نظر واستدلال؛ ولهذا يحصل فيه خلاف بين أهل العلم، فتجد العلماء يختلفون في بعض
[ ٢٨ ]
المسائل؛ كنواقض الوضوء، مثل: لحم الجزور، ومس الذكر، فيكون العلم بأحد الأمرين علمًا نظريًا، لا علمًا ضروريًا.
قوله: (رحمكَ اللهُ): وهذا دعاء للمخاطب بحصول الرحمة له من عند الله تعالى.
قوله: (أَنَّهُ يجبُ علينَا تَعَلُّمُ أربعِ مسائل): أفاد الشيخ أن الوارد ذكره من العلم الواجب تعلمه. و(المسألة)، تطلق عند العلماء على القضية من قضايا العلم، سميت بذلك؛ لأنه يجري فيها البحث والسؤال.
قوله: (الأُولى: العِلْمُ؛ وهوَ: معرفةُ اللهِ، ومعرفةُ نبيِّهِ، ومعرفةُ دينِ الإسلامِ بالأدلةِ):
قوله: (الأُولى: العِلْمُ؛ وهوَ: معرفةُ اللهِ): أول المراتب العلم؛ لأن العلم مفتاح كل شيء، فأول ما يجب عليه المكلف هو العلم؛ لأنه لا فائدة من عمل بلا علم، فلا بد من العلم، وأشرف أنواع العلوم على الإطلاق: ما تضمن شرف المعلوم، فشرف العلم ينبني على شرف المعلوم، وأشرف معلوم هو الله سبحانه وبحمده؛ ولهذا كان أوجب الواجبات هو العلم بالله، وفسر العلم بأنه معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة؛ لكن ليس المراد المعرفة النظرية المجردة، بأن يُقر الإنسان بوجود الله، وببعثة نبيه ﷺ، وبأنه يوجد دين على وجه الأرض يقال له الإسلام، وإنما المقصود المعرفة التي تثمر الإيمان والاتباع، فذلك هو العلم المطلوب.
فالعلم بالله المقصود به: العلم به بمقتضى أسمائه وصفاته، المورث لطاعته وعبادته سبحانه وبحمده.
[ ٢٩ ]
قوله: (ومعرفةُ نبيِّهِ): وهو العلم بشخص محمد بن عبد الله الذي يورث: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع على لسانه، ليس مجرد العلم النظري أو التاريخي.
قوله: (ومعرفةُ دينِ الإسلامِ بالأدلةِ): وهو العلم بأن لله دينًا افترضه على البشر ليعبدوه، وأنه خلقهم لذلك، وأن ذلك الدين هو الذي شرعه لأنبيائه من لدن نوح ﵇ إلى محمد ﷺ. وهو دين الإسلام الذي أمر به الناس جميعًا.
فالإسلام له معنيان: معنى عام، ومعنى خاص:
الإسلام بالمعنى العام وهو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص له من الشرك. وهو ما بعث الله به جميع أنبيائه ورسله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، فجميع أنبياء بني إسرائيل مسلمون، وكما قالت بلقيس ملكة سبأ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [النمل: ٤٤]، فدين الله على مر العصور هو الإسلام، ليس لله دين سواه.
وأما الإسلام بالمعنى الخاص: فهو ما بعث الله به محمدًا ﷺ من الهدى، ودين الحق، المتضمن للعقائد الصحيحة، والشرائع العادلة والأخلاق الرفيعة، والآداب العالية، الناسخ لما قبله من الأديان.
قوله: (بالأدلةِ)؛ أي: أن تكون هذه المعارف مقرونة بالأدلة، والدليل: هو ما يرشد إلى المدلول. فينبغي لنا معاشر المؤمنين أن ندرك
[ ٣٠ ]
العلم بدليله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّهِ﴾ [هود: ١٧] [محمد: ١٤]، من كان على بينة من ربه ليس كمن ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، أو على جري العادة، أو بحكم الوراثة، أو ما أشبه ذلك، فينبغي ألا تعقد على مسألة من المسائل إلا وقد فقهت دليلها؛ لكي تعبد الله على بينة.
والأدلة متنوعة منها:
الأدلة السمعية: فهي ما جاء عن الله تعالى أو عن أنبيائه، فما ثبت بكتاب الله أو في الصحيح عن رسول الله ق، فهو دليل سمعي، يجب الصيرورة إليه، وتقديمه على كل شيء.
الأدلة العقلية: وذلك أن الله ﷾ فضلنا على سائر المخلوقات بهذه العقول، وجعل العقل من وسائل الوصول للعلم، نجد قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [النساء: ٨٢] [محمد: ٢٤]، ﴿أَفَلَا يَعْقِلُون﴾ [يس: ٦٨]، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ [يونس: ٢٤]، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ [البقرة: ١٦٤]، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ [يوسف: ٢]، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ [الزخرف: ٣]، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ [ص: ٢٩]، والله تعالى قد ضمن كتابه أدلة عقلية وإليكم هذا المثال: عن جبير بن مطعم ﵁ قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَّ يُوقِنُون أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ) (^١)، هاتان
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٨٥٨)، ومسلم رقم (٤٦٣).
[ ٣١ ]
الجملتان دليلان عقليان صريحان لا يُبقيان مجالًا لأي شبهة، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون﴾ [الطور: ٣٥]، فلا هذا ولا ذاك. فالله خالقهم فهو المستحق للعبادة وحده.
أدلة حسية: وهي ما أودع الله تعالى في ملكوت السماوات والأرض، ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]؛ ولهذا نجد في كتاب الله: قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تُمْنُون﴾ [الواقعة: ٥٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُون﴾ [الواقعة: ٦٣]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُون﴾ [الواقعة: ٦٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُون﴾ [الواقعة: ٧١].
أدلة فطرية: وهي ما جبل الله عليه النفس الإنسانية من الحق، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، ولأجل ذا حمل بعض العلماء قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾ [الأعراف: ١٧٢] على ميثاق الفطرة (^١)، فقد أودع الله تعالى في القلب وفي النفس، الفطرة السليمة، وهي الدين القيم ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، دين الإسلام. فجميع الأدلة تتعاضد في الدلالة على الحق، فلا عذر لمبطل.
قوله: (الثانيةُ: العملُ بهِ): العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
لا بد من العمل لا يكفي مجرد العلم؛ لأن العلم حجة لك أو
_________________
(١) ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٥٠٠) طبعة دار طيبة، شرح الطحاوية ت الأرناؤوط (١/ ٣٠٨).
[ ٣٢ ]
عليك، فإن عملت به فهو حجة لك، وإن أهملته كان حجة عليك؛ ولهذا نجد في كتاب الله كثيرًا القرن بين العمل والإيمان ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٧٣]، فالعمل ثمرة العلم، وقد بعث الله نبيه محمد ﷺ بأمرين: بالهدى ودين الحق، فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق هو: العمل الصالح (^١).
واعلم أن العمل يكون أحيانًا قلبيًا، وأحيانًا يكون بدنيًا، وأحيانًا يكون لسانيًا، وأحيانًا يكون ماليًا، وبعض الناس يتصور أن العمل يكون في حركة الأبدان فقط، كلا!، فالعمل أوسع من ذلك، فإذا أقمت في قلبك الرجاء والخوف والتوكل والمحبة والخشية والإنابة، فأنت في الحقيقة تعمل بعلمك؛ لأن هذه المذكورات أعمال قلوب، وأعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح.
ومن الأعمال:
أعمال بدنية: كالصلاة، والحج، وإماطة الأذى عن الطريق.
أعمال مالية: وهو ما يبذله الإنسان من زكاة وصدقة.
أعمال قولية: وهو ما يلفظ به اللسان من الذكر وتلاوة القرآن وغير ذلك.
قوله: (الثالثةُ: الدعوةُ إليهِ): من حصّل العلم واشتغل به، حمله ذلك على الدعوة إليه تلقائيًا؛ لأن المؤمن كالزهرة يفوح أريجهاولا تُمسك؛ بل يخرج وينتشر حولها، وكذلك المؤمن إذا علِم فإن علمه ذلك يحمله على نشره علمه بدرجات متفاوتة، بحسب ما آتاه الله.
_________________
(١) ينظر: تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) (ص: ٣٣٥).
[ ٣٣ ]
فالدعوة إلى الله ﷿ من لوازم العلم والعمل ومن الأمور التي تجب على كل مسلم بقدر ما آتاه الله؛ ولهذا قال الله ﷿ مخاطبًا نبيه: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥]، فيجب على كل مؤمن أن يستصحب هذه المرتبة وهي الدعوة، لا يقولن قائل: الدعوة من خصائص هيئة كبار العلماء، أو من خصائص حملة الشهادات الكبرى! أو نحو ذلك؛ فالدعوة إلى الله واجب كل مؤمن فيما أعلمَه الله تعالى إياه وأوقفه عليه.
ولا بد أن يتأدب الداعية بالآداب القرآنية؛ بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وفضل الدعوة عظيم فإنه قد قال ﷺ لعلي يوم خيبر: (لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (^١). وقال: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) (^٢)، وكذلك من دعا إلى ضلالة؛ فلهذا نجد أن الله تعالى يسمي هؤلاء أئمة، وهؤلاء أئمة، فأهل الإيمان: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾ [السجدة: ٢٤]، وأهل الضلالة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١].
قوله: (الرابعةُ: الصبرُ علَى الأَذى فيهِ): من علم وعمل ودعا،
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٩٤٢)، ومسلم رقم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد ﵁.
(٢) أخرجه مسلم رقم (٢٦٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا.
[ ٣٤ ]
فلا بد أن يُبتلى؛ فلذلك عليه أن يوطن نفسه على الصبر، قال لقمان ﵀ في مواعظه لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾ [لقمان: ١٧]، فمن أمر ونهى ودعا، فليتوقع حصول الأذى القولي، والأذى المعنوي، فينبغي أن يوطن نفسه على الصبر فيما يدعو إليه، ولا يظن أنه إذا دعا إلى الله سيستقبل بالورود والرياحين، وتُفسح له المجالس، بل سيلحقه من الأذى والابتلاء بقدر إيمانه، فعن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (^١).
والصبر لغة: الحبس والمنع.
والمراد به: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي والسخط، والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية.
ومنزلته في الدين عظيمة فهو كمنزلة الرأس من الجسد، وهو أنواع:
فمنه الصبر على طاعة الله.
ومنه الصبرعن معصية الله.
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (١٤٨١)، صححه الألباني في السلسة الصحيحة رقم (١٤٣).
[ ٣٥ ]
ومنه الصبر على أقدار الله المؤلمة.
ثم إنّ الشيخ ﵀ بعد أن قرر المراتب الأربع، أتبع ذلك بالدليل فقال:
[ ٣٦ ]
• قال المؤلف-﵀: (والدليلُ قولُه تعالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْر إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ [العصر: ١ - ٣)]).
قالَ الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالَى-: لوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلاَّ هذه السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ).
قوله: (﴿وَالْعَصْر﴾): أقسم الله في مستهلها بالعصر وهو الدهر والزمان، وجواب القسم قوله: (﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر﴾). والإنسان ها هنا جنس الإنسان بدليل الاستثناء بعد ذلك، فهو في خسار وبوار إلا من استثنى الله تعالى: في قوله: (﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾)؛ أي: صدقوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، ونطقوا بألسنتهم، فلا بد أن يكون عملًا صالحًا والعمل الصالح هو ما وافق السنة، وما سواه فإنه لا يكون صالحًا.
وهاتان الجملتان ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، جمعتا بين الإخلاص والمتابعة، فالإيمان يدل على إخلاص العبادة لله تعالى، والعمل الصالح يدل على المتابعة.
قوله: (﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾)؛ أي: أوصى بعضهم بعضًا، فهي مفاعلة ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالالتزام به والتمسك به، وما أحوج أهل الإيمان إلى التواصي بالحق؛ فإن المؤمن إذا رأى أن أخاه يشدّ أزره، قوي؛ ولهذا قال موسى ﵇: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ
[ ٣٧ ]
أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: ٢٩، ٣٥]، وفي هذا لفتة لطلبة العلم أن يتعاونوا فيما بينهم، ويتواصوْ بالحق، وتدارس العلم فيما بينهم.
قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾؛ أي: يصبر بعضهم بعضًا على ما يلقون في ذات الله، فمن تأمل في هذه السورة العظيمة وجد أنها دلت على المراتب الأربع السابقة.
قوله: (قالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ تعالَى): الشافعي ﵀: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ولد في غزة - فك الله أسررها ونصر أهلها-، سنة ١٥٠ هـ وكانت وفاته سنة ٢٠٤ هـ، وعلى قصر عمره ﵀ فهو إمام متبوع من أئمة المسلمين.
قوله: (لوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلاَّ هذه السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ): ليس مراده ﵀ أن هذه السورة تغني عن بقية القرآن والسنة؛ بل المقصود بالحجة يعني حجة العبودية والاتباع. وأما تفاصيل الدين ومعرفة مفردات الشريعة فلا شك أن السورة لم تتضمنها، ولكن هذه السورة أصل عظيم في التوحيد والاتباع، والتواصي بالحق والصبر.
[ ٣٨ ]
• قال المؤلف ﵀:
(وقال البخاريُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: بابٌ العلمُ قبلَ القولِ والعملِ.
والدليلُ قولُه تعالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأَ بالعلمِ قبلَ القولِ والعملِ).
قوله: (وقال البخاريُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-): هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، كانت ولادته في بخارى - وإليها ينسب- سنة ١٩٤ هـ، ووفاته سنة ٢٥٦ هـ، وهو والشافعي من أئمة الدين، الأول في الفقه، والثاني في الحديث.
قوله: (بابٌ العلمُ قبلَ القولِ والعملِ): قيل إن فقه الإمام البخاري في تراجمه، فلم يكن يخلط كلامه بكلام رسول الله ق، بل يكتفي بتراجم يبوب فيها أبوابًا تدل على عميق فقهه ﵀، فمن ذلك قوله هنا: "بابٌ: العلمُ قبلَ القولِ والعملِ".
قوله: (والدليلُ قولُه تعالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأَ بالعلمِ قبلَ القولِ والعملِ): وهذا ملحظ لطيف، واستنباط دقيق، فأمره بالعلم قبل الاستغفار، مما يدل على البداءة بالعلم قبل القول والعمل.
[ ٣٩ ]
• قال المؤلف ﵀:
(اِعْلَمْ -رَحِمَكَ اَلْلَّهُ- أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ ثلاثِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَالْعَمَلُ بِهِنَّ:
الأولى: أنَّ اللهَ خَلَقنا ورَزَقَنا ولم يتركْنا هملًا؛ بل أرسلَ إلينا رسولًا فمنْ أطاعَهُ دخلَ الجنَّةَ ومنْ عصاهُ دخلَ النّارَ.
والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥، ١٦].
الثانية: أنَّ اللهَ لا يرضى أن يُشْرك معهُ أحدٌ في عبادتِه لا مَلَكٌ مُقَرَّب ولا نبيٌّ مُرْسَل، والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
الثالثة: أنَّ مَنْ أطاعَ الرسولَ ووحَّدَ اللهَ لا يجوزُ لهُ مُوالاةُ مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَهُ ولو كان أقْرَبَ قريبٍ. والدليلُ قوله تَعَالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [المجادلة: ٢٢]).
قوله: (اعلمْ رحِمَكَ اللهُ أنَّهُ يجبُ على كلِّ مسلم ومسلمة تَعَلُّمُ هذه الثلاث مسائل والعملُ بهنَّ): جزم الشيخ جزمًا أكيدًا بوجوب تعلم
[ ٤٠ ]
هذه المسائل والعمل بهن، وهذا الجزم ناتج عن قوة اليقين ورسوخ العلم.
قوله: الأولى: (أنَّ اللهَ خَلَقنا ورَزَقَنا: وهذا أمر دلت عليه أنواع الأدلة):
فأما الأدلة السمعية فكثيرة جدًا: قال الله تعالى: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
وقال ﷾: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال ﷾: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال ﷾: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، وقال ﷾: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ [الصافات: ٩٦].
وأما الدليل العقلي فقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون﴾ [الطور: ٣٥] ففي هاتين الجملتين إبطالٌ لنظرية الصدفة ولنظرية الطبيعة؛ ذلك أن من الملاحدة يزعمون أن هذا الكون وجد صدفة، ومنهم من يقول أوجدته الطبيعة، وهذا إنكار للأدلة الضرورية التي جاءت بها الرسل، الدالة على أن الله تعالى خلق آدم وخلق منه زوجه، وبث منهما رجالًا كثيرا ونساء.
ويرد على القائلين بالصدفة أن الصدفة عمياء بكماء صماء لا يمكن أن يحال عليها. ويرد على القائلين بالطبيعة أن الشيء لا يُنشئ نفسه فقول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون﴾ [الطور: ٣٥]، ينسف هذه النظريات الإلحادية، ومنها نظرية النشوء والترقي التي تنسب إلى داروين، وهي أن الإنسان كان قردًا وتطور حتى وصل إلى هذا الحال! فهذه دعاوى باطلة معارضة لما أخبر الله به في كتابه، وجاءت به جميع رسله، من أن الله خلق آدم من قبضة طين ونفخة من روحه فكان الخلق.
[ ٤١ ]
وليس مراد الشيخ ﵀ بقوله: أنَّ اللهَ خَلَقنا ورَزَقَنا، إثبات الخلق والرَّزق، فإن هذا أمر تدركه الفطر، وإنما مراده ما بعده.
قوله: (ولم يتركْنا هملًا؛ بل أرسلَ إلينا رسولًا): أي: أن مقتضى حكمته سبحانه وبحمده أن لا يخلقنا ويرزقنا ثم يدعنا، هملًا، بل خلقنا لحكمة، كما قال ﷾: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]، فلا يمكن أن يكون الله ﷿ بث هذه البشرية في الأرض لأجل أن تأكل وتشرب، وتنكح وتنام وتستيقظ، وتموت ثم ينتهي الأمر، هذا لا يتفق مع حكمته؛ فلهذا قال: بل أرسلَ إلينا رسولًا: (رسولًا) هنا يمكن أن يكون اسم جنس، فإنه قد أرسل إلى كل أمة رسولًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلَا فِيهَا نَذِير﴾ [فاطر: ٢٤]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]، ويمكن أن يكون الرسول في حقنا هو خاتمهم وأفضلهم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: (فمنْ أطاعَهُ دخلَ الجنَّةَ ومنْ عصاهُ دخلَ النّارَ: والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا؟ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]): هذا المنطوق وأما المفهوم؛ فمن أطاعه فإن الله تعالى يكرمه ويثيبه ويأجره ويدخله الجنة، كما جاء صريحًا في البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧٢٨٠).
[ ٤٢ ]
قوله: الثانية: (أنَّ اللهَ لا يرضى أن يُشْرك معهُ أحدٌ في عبادتِه لا مَلَكٌ مُقَرَّب ولا نبيٌّ مُرْسَل، والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]).
المساجد هي مواضع السجود، أو فعله، فالسجود لا يكون إلا لله ﷾، ولا يجوز صرف عبادة لغير الله وقد جاء في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (^١)، فهذه قواعد عظام، ومباني كبار لا بد أن تستقر في نفس المؤمن.
قوله: الثالثة: (أنَّ مَنْ أطاعَ الرسولَ ووحَّدَ اللهَ لا يجوزُ لهُ مُوالاةُ مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَهُ ولو كان أقْرَبَ قريبٍ. والدليلُ قوله تَعَالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [المجادلة: ٢٢]).
هذا هو مشروع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهو الولاء والبراء؛ فإنه أراد أن يحمل الناس على توحيد رب العالمين والبراءة من الشرك والمشركين، فأعلمهم أن ثمرة الأمرين الأوليين هو أن يواليَ في الله ويعادي في الله؛ لأن من استقر في قلبه توحيد رب العالمين واتباع سيد المرسلين فلا بد أن يثمر في قلبه محبة المؤمنين ومعاداة الكافرين ثم استدل بقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٩٨٥).
[ ٤٣ ]
الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. لا يمكن أن يوجد ذلك! بشهادة رب العالمين، لا يمكن أن يوجد قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر ويجتمع مع إيمانهم ذلك مواده لمن حاد الله ورسوله، ومعنى ﴿حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: وقف في حد يقابل حد الله ورسوله، فهو مناوئ لله ورسوله، فلا يمكن أن يجتمع في قوم إيمان بالله واليوم الآخر ومودة للمحادين لله ورسوله أبدًا؛ فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
ويدل عليه قوله: (ولو كان أقْرَبَ قريبٍ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾)، فإذا تزاحم في القلب موالاة الله رسوله، مع موالاة أعداء الله ورسوله، فإن الأمر محسوم، فالمؤمن الحق يقدم محبة الله ورسوله كما قال تعالى في آية براءة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ [التوبة: ٢٤]، إذن لا يجتمعان.
ومن أعجب ما جاء عندما خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ - في الفترة التي كان فيها مشركا - (حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا بُنَيّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي؟ قَالَ بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجِسٌ وَلَمْ أُحِبّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ وَاَللهِ لَقَدْ أَصَابَك يَا بُنَيّةُ بَعْدِي شَرّ) (^١).
_________________
(١) مغازي الواقدي (٢/ ٧٩٢)، سيرة ابن هشام ت السقا (٢/ ٣٩٦)، وقال الشيخ الألباني في تخريج أحاديث فقه السيرة (ص: ٣٧٣): رواه ابن إسحاق بدون إسناد.
[ ٤٤ ]
تقول هذا لأبيها؛ لتبين له أن حقيقة الإيمان يعيد ترتيب الأولويات، وأن الإيمان يقدم ويؤخر.
ومن شواهد ما جرى لأصحاب نبينا ﷺ ما وقع لمصعب بن عمير ﵁ فإن إِثر يوم بدر أُسر أخوه أبو عزيز بن عمير فأسره أحد الأنصار فمر مصعب وقد أوثقه الأنصاري، فلما رأى أخاه استبشر فمر مصعب، فقال للأنصاري أوثق عليه يدك فإن أمه ذات مال! فقال مذكرًا إياه ظن لم يعرفه: أنا أخوك، قال: إنه أخي دونك (^١).
فهذا يدلنا على عظم هذه الخصلة وهي الموالاة، الحب في الله، والبغض في الله، وهي أوثق عرى الإيمان؛ فلهذا أثنى الله على أهلها، فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، جعلنا الله وإياكم منهم.
_________________
(١) مغازي الواقدي- (١/ ١٤٠)، سيرة ابن هشام ت السقا (١/ ٦٤٦)، وقال السهيلي في الروض الأنف ت السلامي: فَأَمّا أَبُو عَزِيزٍ فَاسْمُهُ زُرَارَةُ (٥/ ١١٨).
[ ٤٥ ]
• قال المؤلف ﵀:
(اعلَمْ -أرشدَكَ اللهُ لطاعتِه- أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ وحدَهُ مخلصًا له الدِّين، وبذلك أَمَرَ اللهُ جميعَ الناس وخلَقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومعنى ﴿يَعْبُدُونِ﴾ يوحِّدونِ، وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التوحيدَ وهو: إفرادُ اللهِ بالعبادة وأعظمُ ما نهى عنه الشركُ؛ وهو دعوةُ غيرهِ معهُ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]).
كرر الشيخ صيغة الأمر (اعلم): ليؤخذ الأمر مأخذ الجد والاحتفاء.
ثم دعا لسامعه بقوله: (أرشدَكَ اللهُ لطاعتِه): والرشد: ضد الغي والسفه، وهو: الاستقامة والصواب. والمقصود بالطاعة: الموافقة؛ موافقة الأمر فيما يجب؛ بامتثاله، وفيما يكره؛ باجتنابه.