النذر عبادة، وحقيقة النذر: إلزام المكلف نفسه عبادة ليست واجبة عليه، أو أمرًا لا يلزمه.
وقد اختلف العلماء في حكم النذر فمنهم من قال: هو حرام، ومنهم من قال: هو مكروه. ولعل القول بالكراهة أعدل الأقوال.
وفرق بين الابتداء وبين الوفاء، فابتداؤه مكروه؛ لأن العبد يضيق على نفسه واسعًا، ولو تعبد العبد لله بما شرع لكفى، وقد رأينا من حال الناذرين أنهم يبحثون عمن يخرجهم من هذا الحرج، إما أنهم ينذرون صومًا طويلًا، أو صدقة باهظة، أو بحجج أو عمرات، أو غير ذلك من الأمور، قال النبي ﷺ (إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ) (^٢)، وصدق بأبي هو وأمي فإنا والله نسمع من بعض المستفتين من إذا أخذ يسأل عن النذر كأنما يماكس مماكسة، هل يجب
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٠١٨)، ومسلم رقم (٤٧)، من حديث أبي هريرة، ﵁، مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٦٩٢)، ومسلم رقم (١٦٣٩)، من حديث ابن عمر، ﵁، مرفوعًا.
[ ١٠٤ ]
علي كذا؟ هل يمكن أن أخرج منه بكفارة يمين؟ هل يمكن أن أنفقه على أولادي؟ فينبغي أن يتجنب الإنسان النذر، وإذا أراد من ربه شيئًا فما أسهل الأمر، يرفع يديه ويقول: يارب، يارب. فالله تعالى لا يعطيك بالمقايضة لأجل أن تنذر، الله تعالى كريم لا تفنى خزائنه فسل الله ما أردت من خيري الدنيا والآخر دون أن تنذر.
وإذا انعقد النذر وجب الوفاء به إن كان نذر طاعة لقول النبي ﷺ: (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) (^١).
واستدل الشيخ على كونه عبادة بقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقد اختلف العلماء هل النذر المقصود في هذه الآية النذر الذي يعنيه الفقهاء؟ أو المقصود بالنذر مطلق الطاعة؟ قولان؛ يحتمل هذا ويحتمل هذا (^٢). وشبيه بهذا قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فقيل أيضًا فيها إن المقصود بوفاء النذور إما النذر الذي سبق تعريفه عند الفقهاء، وإما المقصود مطلق الطاعة (^٣).
فيجب أن يفي الإنسان بالنذر الذي خرج مخرج الطاعة.
والنذر أنواع محل تفصيله وبحثه في كتب الفقه، والمقصود هاهنا أنه لا يجوز أن يتقرب لغير الله بالنذر، لايجوز أن ينذر الإنسان لمقام فلان ومشهد فلان وتربة فلان، وهذا وللأسف شائع عند كثير من الجهال، ويشجعهم على ذلك السدنة ومشايخ السوء، المنتفعين من هذه النذور؛ لأنهم هم الذي يستقبلونها ويستغلونها.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٦٩٦)، من حديث عائشة، ﵂، مرفوعًا.
(٢) ينظر: زاد المسير في علم التفسير (٤/ ٣٧٦).
(٣) ينظر: تفسير البغوي- ط. طيبة (٥/ ٣٨١).
[ ١٠٥ ]
• قال المؤلف ﵀:
(الأَصْلُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ وَهُوَ: الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ. وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ).