ذكر الشيخ هذه المسألة المتعلقة بإرسال الرسل، وإن كان أيضًا قد جرى لها ذكر سابق.
قوله: (وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ): والفرق بين
[ ٢١٦ ]
البشارة والنذارة: البشارة هي: الإعلام المقرون بخبر سار، والنذارة هي: الإعلام المقرون بخبر مخُوف. ولا شك أن أنبياء الله تعالى بعثوا مبشرين ومنذرين، مبشرين من أطاع الله تعالى بالجنة، منذرين من عصى الله تعالى بالنار،
قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]): إذن الحجة الوحيدة التي يمكن أن يحتج بها الآدميون على ربهم ﷿ أن يقول قائلهم: ما جاءنا من بشير ولا نذير؛ فقطع الله تعالى هذه الحجة ببعثة الرسل، فلا يبقى للناس حجة إذا أرسل الله تعالى الرسل، فالحجة الرسالية لا بد من قيامها، قال ربنا ﷿: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإذا افترضنا أن قومًا أو فردًا لم تقم عليهم الحجة الرسالية، فما حالهم؟ نقول: المحكمات تدل على أن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة، قد يقول قائل: كم مناطق نائية على نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية، وفي مجاهل استراليا، وفي غابات أفريقيا لم يسمعوا بمحمد ﷺ ولا بدين الإسلام، ثَمَّ أقوام ماتوا في الفترة لم يبلغهم رسالة نبي، ما حال المجهول؟ ما حال الطفل الذي مات في صغره؟ ما حال كذا وكذا؟؛ أجاب النبي ﷺ عن هذا الإيراد؛ فعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ:
[ ٢١٧ ]
فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا " (^١) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَ هَذَا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: " فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا " (^٢) فنحن نعلم أنه لا يهلك على الله إلا هالك، وأن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، هذا هو المحكم الذي نتمسك به ونعتصم به، ونعلم أن الله تعالى لا يوقع عذابًا بأحد حتى يقيم عليه الحجة الرسالية كما قال هاهنا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وفي هذا دليل على بطلان الاحتجاج بالقدر بعض الناس يحتج بالقدر، إذا قيل له: يا فلان لمَ عصيت الله؟ قال: والله هذا شيء كتبه الله علي، يا فلان لِمَ لمْ تفعل شيء مما أمرك الله به؟ قال: ما كتبه الله، لو كتبه الله لفعلته؛ فبعض البطالين العطالين يحتج بالقدر على ترك الواجبات وفعل المحرمات، فهل يتم استدلاله بالقدر على مراده، ويُعذر بهذه الحجة؟ لا؛ لأن الله تعالى لم يثبت إلا حجة واحدة يمكن أن يحتج بها الآدميون: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، لو كان في القدر حجة، لقبل الله حجتهم؛ لكن الله رد حجتهم، فأخبر الله تعالى عن هؤلاء المحتجين بالقدر أنهم يقولون: قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ [الأنعام: ١٤٨] فسمى الله دعواهم كذبًا، والكذب هو مخالفة
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (١٦٣٠١)، وصححه ابن حبان رقم (٧٣٥٧)، وحسنه الضياء المقدسي في المختارة (٤/ ٢٥٥)، رقم (١٤٥٤)، وقال محققو صحيح ابن حبان طبعة الرسالة: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير صحابيه، فقد روى له النسائي وغيره. (١٦/ ٣٥٧)
(٢) أخرجه أحمد رقم (١٦٣٠١)، وحسنه الضياء المقدسي في المختارة (٤/ ٢٥٥)، رقم (١٤٥٥)، وقال محققو المسند طبعة الرسالة: حديث حسن.
[ ٢١٨ ]
الخبر للواقع، ثم قال: ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ولو كان لهم حجة في القدر ما أذاقهم الله بأسه، ثم قال ثالثًا: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، يعني هل اطلعتم على كتابكم وقدركم السابق، وبناءً على اطلاعكم علمتم بأن هذا مكتوب عليكم؛ فسلكتم هذا السبيل؟ لا والله ما اطلعوا على قدرهم مسبقًا، إذن حقيقة الأمر: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، إذن لا حجة لكم في القدر.
إذن هذه هي مهمة الرسل: البشارة والنذارة وقطع الطريق على الاحتجاج على الله ﷿.
قوله: (وَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ: والدليل على أولية نوح قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]): وقال نبينا ﷺ في حديث الصور: (يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) (^١)؛ إذن فقد ثبت بهذين النصين أن نوحًا ﵇ أول نبي وأول رسول، وقد ذكرنا لكم فيما مضى الفرق بين النبي والرسول، وخلاف العلماء في تحديد هذا الفارق، وبهذا يتبين خطأ من زعم أن أول الأنبياء هو إدريس ﵇، وهذا يوجد كثيرًا، حتى إن الناس يتداولون بعض المصورات يسمونها شجرة الأنبياء ويكون مرسومًا فيها إدريس بين آدم وبين نوح ﵇؛ فهذان النصان يثبتان أن أول الأنبياء وأول المرسلين: هو نوح ﵇، وأن إدريس جاء فيما بعد.
والدليل على أن خاتمهم محمد ﷺ لم يذكره الشيخ هاهنا، قال الله ﷿ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فآخر الأنبياء
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٧١٢) واللفظ له، ومسلم رقم (١٩٤) ..
[ ٢١٩ ]
هو محمد ﷺ فلا نبي بعده بنص القرآن، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ " (^١) وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (^٢)، فمن ادعى النبوة بعد نبينا ﷺ؛ فدعواه باطلة، وأدعياء النبوة هذا عددهم كما أخبر النبي ﷺ ثلاثون، وقد وقع إدعاء النبوة في أواخر عهد النبوة، إلى يومنا هذا لم يزل أدعياء النبوة يتواردون؛ فممن ادعى النبوة قبل وفاته ﷺ مسيلمة، وبعد وفاته سجاح والأسود العنسي وطليحة بن خويلد الأسدي، ولم يزل يخرج في مثاني التاريخ من يدعي النبوة كما ادعاها من تنتسب إليه البابية ومن ينتسب إليه البهائيون وكذلك القديانيون في الدول الشرقية، لم يزل يوجد من يدعي النبوة، والمقصود أن يكون ذلك الدَعِّي له أتباع وهيلمان، أما المجانين الذين يدعون النبوة فهؤلاء لا حصر لهم كثر وليسوا في الحسبة المقصود من يدعي النبوة يكون له أتباع وطائفة فهؤلاء كما قال النبي ﷺ ثلاثون كذابون، ولا أكذب من هؤلاء؛ فالله قد أكذبهم ونبيه ﷺ قد أكذبهم.
قوله: (وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ:
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٥٣٥)، ومسلم رقم (٢٢٨٦).
(٢) أخرجه أبو داود رقم (٤٢٥٢)، والترمذي رقم (٢٢١٩). وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: بسند صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في صحيحه بدون هذه الزيادة وغيرها، (٤/ ٢٥٢).
[ ٢٢٠ ]
إي والله، أقام الله الحجة على كل أحد، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].
قوله: (يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦]، وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ): وهذه دعوى الأنبياء جميعًا، يقول الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، هذا مشروع الأنبياء جميعًا. ولا بد من اقتران هاتين الركيزتين معًا: الأمر بعبادة الله، واجتناب الطاغوت كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، لا يمكن إلا أن يجمع الإنسان بين الأمرين: الكفر بالطاغوت الذي يحصل به التخلية، والإيمان بالله الذي يحصل به التحلية، فلا بد من البراءة من الشرك تمامًا، وهذا هو الموافق للشق الأول من جملتي الشهادة: لا إله، ثم تتمتها بالإيمان بالله ﷿: إلا الله، فالكفر بالطاغوت والإيمان بالله قضيتان متلازمتان لا انفكاك بينهما، ولا يمكن أن يتصور مؤمن بالله وبالطاغوت في آنٍ واحد، هذان أمران لا يجتمعان، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، لقد كانوا مؤمنين بالله ولكن ما كانوا موحدين بالله، لا بد من الإيمان بالله وحده.
قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ).
[ ٢٢١ ]