التوحيد أعظم ما أمر الله به، وله ما بعده، وبدونه لا قيمة لشيء.
التوحيد في اللغة: جعل الشيء واحدًا، والمراد به هنا: اعتقاد الله واحدًا؛ ولذلك كان التوحيد بالمعنى الاصطلاحي: إفراد الله ﷾ بالربوبية وبالعبادة وبالأسماء والصفات.
والتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: توحيد الربوبية: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله ﷾ هو الخالق لا خالق سواه، وهو المالك لا مالك سواه، وهو المدبر لا مدبر سواه. وبعبارة أخرى: إفراد الله بالخلق والملك والتدبير؛ لأن هذه الثلاثة عليها مدار الربوبية وبقية صفات الربوبية ترجع إلى هذه الثلاثة. وتوحيد الربوبية قد فطر عليه جميع الخلائق؛ الإنس والجن الطير والبهائم.
ولم يكن مخالفو الرسل ينازعون في توحيد الربوبية، بل كانوا
[ ٥٣ ]
يقرون جميعًا بأن الله تعالى هو الخالق والمالك والمدبر، ولا يعرف أحد من البشر أنكر توحيد الربوبية إلا أفراد قلائل شواذ، ومن أشهر من عُرف بتظاهره بإنكار الربوبية فرعون حينما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]؟!! لكنه قال ذلك بلسانه تكبرًا وتجبرًا، فقد أخبر الله عنه وعن قومه بأنهم: ﴿وجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال له موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، ولم يكن مشركو العرب الذين بُعث فيهم النبي ﷺ ينكرون توحيد الربوبية، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وكانوا يذكرون اسم الله ﷿ في أمور كثيرة لكنهم يفسدون ذلك بالشرك.
القسم الثاني: توحيد الإلوهية: ويسمى أيضًا توحيد العبادة، والمقصود به: إفراد الله بالعبادة، بمعنى ألاَّ يُصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ﷿، سواء كانت تلك العبادة عبادة قلبية: كالخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، أو كانت عبادة لسانية: كالدعاء، والذكر، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو كانت عبادة مالية: كالصدقة والزكاة، أو كانت عبادة بدنية: كالصلاة، والحج، والجهاد في سبيل الله، وإماطة الأذى عن الطريق.
وهذا هو ما بعث الله به أنبياءه جميعًا؛ فإن مهمة الأنبياء تعبيد الناس لرب العالمين ونفي الشركاء عن الله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
[ ٥٤ ]
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ فلا بد من الجمع بين الأمرين: عبادة الله، واجتناب الطاغوت معًا حتى يتحقق التوحيد.
ومعنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، ففيها نفي كل معبود سوى الله، وإفراد الألوهية وحصرها في الله ﷿، وهذا النوع من التوحيد هو معترك الصراع وحلبة النزاع بين الأنبياء وأقوامهم، فقد كان الأنبياء يبادئون أقوامهم بجملة واحدة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، قالها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، عليهم الصلاة والسلام، كما ذكر الله ذلك في سورة الأعراف والشعراء إلى أن انتهت النوبة إلى محمد ﷺ فقالها صريحة مدوية: قولوا لا إله إلا الله، فهذه القضية، وهي توحيد الألوهية أو توحيد العبادة، وهي مفترق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات وهو: أن يعتقد العبد أن الله ﷾ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لا يشاركه ولا يماثله أحد في أسمائه وصفاته. وقد جرى الخُلفُ في هذا القسم بين أهل القبلة-؛ أي: المنتسبين إلى الإسلام- فقد نازع في هذه القضية -على درجات متفاوتة- المخالفون من أهل التعطيل ومن أهل التمثيل، وهدى الله أهل الإيمان والسنة إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه؛ فصاروا يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه من غير تعطيل، ولا تحريف، ومن غير تمثيل ولا تكييف، وينفون عن الله تعالى ما نفاه عن نفسه في كتابه أو ما نفاه عنه نبيه ﷺ.
وتختلف تقسيمات العلماء للتوحيد:
فمن العلماء من يقسم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة السابقة.
[ ٥٥ ]
ومنهم من يقسمه تقسيمًا آخر، لا يعارض التقسيم الثلاثي، فيقول التوحيد نوعان (^١):
النوع الأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
النوع الثاني: توحيد القصد والطلب: وهو توحيد الألوهية أو توحيد العبادة.
ولا تعارض بين التقسيم الثنائي والتقسيم الثلاثي، وزيادة في الإيضاح فتوحيد "المعرفة والإثبات" يسمي أيضًا التوحيد العلمي، والتوحيد الخبري، والتوحيد النظري وكلها أسماء لمسمي واحد، أما توحيد "القصد والطلب"، فإنه يسمي التوحيد العملي، وتوحيد العبادة، وتوحيد الألوهية وكلها أسماء لمسمي واحد، فالنوع الأول: دلت عليه سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، والنوع الثاني: دلت عليه سورة الكافرون ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾؛ ولأجل ذا كان نبينا ﷺ يحتفي بهاتين السورتين وتشرع قراءتهما في صلوات عدة كركعتي الطواف، وركعتي الفجر، وفي الوتر، وكذلك في أوراد الصباح والمساء وأذكار النوم، وما ذلك إلا لعظيم فضل هاتين السورتين، وتضمنهما للتوحيد بجميع أنواعه.