الخشية: نوع من الخوف لكنها أخص منه، وذلك أن الخشية خوف مقرون بعلم، فهي نابعة عن علم بالمخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فخشية العلماء لله تعالى مبنية على علمهم بمقتضى أسمائه وصفاته؛ فلذلك كانت خشية مبصرة، وهذا أعلى وأجل، والخوف من المقامات الإيمانية.
والفرق بين الخوف والخشية من جهتين:
الفرق الأول: أن الخشية أخص من الخوف؛ لأنها خوف مقرون بعلم.
الفرق الثاني: أن الخشية مبنية على عظم المخشي، والخوف مبني على ضعف في الخائف.
وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالخوف والخشية فقال
[ ٩٢ ]
سبحانه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية [البقرة: ١٥٠]، فيجب صرف الخشية لله ﷾ وعدم صرفها لغيره، والمقصود بذلك خشية السر: أي خشية العبادة.
قوله: وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ …﴾ الآية [الزمر: ٥٤].
الإنابة: المقصود بها الرجوع والعود، استدل بقول الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ …﴾ [الزمر: ٥٤]؛ أي: أقبلوا على ربكم بالتوبة وراجعوه بالطاعة، وأسلموا له: أي اخضعوا له.
وذلك أن الإسلام نوعان: إسلام كوني وإسلام شرعي:
أما الإسلام الكوني: فإنه يشمل جميع الخلائق كما قال الله ﷾: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، فهذا الإسلام لا يخرج عنه أحد، فما من ذرة من ذرات الكون إلا وهي خاضعة لرب العالمين مستسلمة منقادة له، لا يخرج عن ذلك أحد حتى الكافر هو مسلم بهذا الاعتبار؛ لأنه منقاد خاضع لقدر الله الكوني، لا انفكاك له عما يُجريه الله تعالى عليه من أقدار، هذا هو النوع الأول وهو الإسلام الكوني.
أما الإسلام الشرعي: فهو الإسلام الطوعي الاختياري الذي يفعله المرء بمحض اختياره وسبق إصراره، فيمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، وهذا هو إسلام المؤمنين، ويتفاوت أهل الإيمان في درجات هذا الإسلام:
فمنهم من يكمل استسلامه لله فلا يعصي الله تعالى في شيء، ومنهم من يثلم إسلامه بنوع معصية لكنه في الأعم الأغلب يكون من جملة المسلمين.
[ ٩٣ ]
وإنما يُحمد صاحب الإسلام الشرعي؛ لأن الكوني ليس للإنسان فيه دور ولا أثر.
قوله: (وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَفِي الْحَدِيثِ: (… وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ».