قوله: (وأعظمُ ما نهى عنه الشركُ؛ وهو دعوةُ غيرهِ معهُ).
قد
_________________
(١) ينظر: الصفدية (٢/ ٢٢٨)، مدارج السالكين (٣: ٤٤٩ - ٤٥٠).
[ ٥٦ ]
جعله ﷺ أعظم الظلم كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: " أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» (^١). قال تعالى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» (^٢) فالظلم المحذور هو: الشرك بالله، قال تعالى مبينًا شؤم عاقبته: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
فإن الله لا يقبل من مشرك عملًا، والشرك يهدر الإنسانية، ويهدم العبودية، ويحبط العمل، ويبيح الدم والمال؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، ففي الدنيا لا يقبل من مشرك عملًا، قال تعالى في الحديث القدسي: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِى غَيْرِى تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٤٤٧٧)، ومسلم رقم (٨٦).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٤٢٩) من حديث ابن مسعود، ﵁، مرفوعًا.
(٣) أخرجه مسلم رقم (٢٩٨٥).
[ ٥٧ ]
وأما في الآخرة فإن الله يحبط جميع الأعمال، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
فيجب أن يكون عمدة دعوتنا: الدعوة إلي التوحيد، والتحذير من الشرك، فقبل أن نحذرهم من الشهوات والمعاصي نحذرهم من الشرك بالله؛ لأنه إذا صلحت قلوبهم تخلصوا من تبعات ذلك من المنكرات والمعاصي.
والظلم: هو النقص، وقد قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ) (^١)، فمن وحد الله توحيدًا تامًا، دخل الجنة تلقائيًا، ومن وقع في توحيده شيئًا من الكبائر فهو تحت المشيئة والإرادة إن شاء الله عفا عنه ثم أدخله الجنة، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، لكن مآله إلى الجنة؛ لأن عنده أصل التوحيد.
وأما من أشرك بالله فلا ينفعه أي عمل صالح، حتى لو قام بأعمال خيرية في الدنيا فقد تنفعه في الدنيا بتوسعة في الرزق والصحة في البدن لكنها تحبط في الآخرة.
والشرك نوعان:
النوع الأول: شرك أكبر.
النوع الثاني: شرك أصغر.
فالشرك الأكبر: مساواة غير الله بالله فيما يختص به الله في الربوبية
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٩٣).
[ ٥٨ ]
أو في الألوهية أو في الأسماء والصفات. فقد يقع الشرك في الربوبية بأن يعتقد خالقًا مع الله، أو مالكًا مع الله، أو رازقًا مع الله، أو مدبرًا مع الله. والشرك في الألوهية: هو أن يعبد مع الله غير الله. والشرك في الأسماء والصفات: أن يعتقد أحدًا يتصف بصفات مماثلة لصفات الله. وفرعون قد وقع في الشرك بجميع أنواعه والكفر بجميع أنواعه فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ [الشعراء: ٢٩].
وأما الشرك الأصغر: فيتعلق ببعض الألفاظ والأعمال التي لا تبلغ مبلغ الشرك الأكبر فلذلك يعرفه بعض العلماء بأنه: ما لم يبلغ حد الشرك الأكبر.
الشرك الأكبر يفترق عن الشرك الأصغر في عدة أمور:
الفرق الأول: الشرك الأكبر مخرج عن الملة، والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة.
الفرق الثاني: الشرك الأكبر لا يغفره الله تعالى أبدًا، والشرك الأصغر مختلف فيه، فمن العلماء من يقول: يغفر كالكبائر، ومنهم من يقول: لا يغفر ولكن يدخل في الموازنة بين الحسنات والسيئات (^١).
الفرق الثالث: الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار مع فرعون وقارون وهامان، والشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار، ومآله إلى الجنة إذا عذب بمقدار ما معه من شرك أصغر.
_________________
(١) ينظر: تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء (١/ ٣٦٠ - ٣٦٢)، المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية. المحقق: عبد العزيز بن محمد الخليفة ط: مكتبة الرشد، سنة النشر: ١٤١٧ - ١٩٩٦ الفروع وتصحيح الفروع (٦/ ٦٦).
[ ٥٩ ]
ومن صور الشرك الأصغر:
ما يتعلق ببعض الألفاظ: كالحلف بغير الله، أو قول: ما شاء الله وشئت، أو مطرنا بنوء كذا وكذا.
ما يتعلق ببعض الأعمال: كمن اعتقد شيئًا سببًا، وليس بسبب؛ كالذي يربط الحلقة والخيط، أو يستعمل التمائم والرقى.
قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْركُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]:
[ ٦٠ ]
•قال المؤلف ﵀:
(فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثلاثةُ التي يجبُ على الإنسانِ معرفتُها؟ فقُلْ: معرِفةُ العبدِ رَبَّهُ، ودينَهُ، ونبيَّهُ محمدًا ﷺ.
فإذا قيلَ لكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فقلْ: ربيَّ اللهُ الذي ربّاني ورَبَّى جميعَ العالمينَ بنعمِهِ، وهو معبودي ليس لي معبودٌ سواهُ، والدليلُ قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١]، وكلُّ ما سِوَى اللهِ عالَمٌ وأنا واحدٌ من ذلكَ العالَمِ.
فإذَا قيلَ لكَ: بِمَ عرفْتَ ربَّك؟ فقُل: بآياتِه ومخلوقاتِه؛ ومِنْ آياتِه الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ، ومِنْ مخلوقاتِه السماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُونَ السَّبع ومَنْ فيهنَّ وما بينهما، والدليلُ قولُه تَعَالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]).