قوله: (وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعلى آله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ): ختم المؤلف ﵀ كتابه برد العلم إلى الله ﷿ ولا شك أن الله تعالى أعلم، ونبيه ﷺ أعلم أيضًا في الأمور الشرعية.
فتقال هذه الكلمة- (الله أعلم) - في الأمور الكونية والشرعية، وله أن يقول: (الله ورسوله أعلم) في الأمور الشرعية فقط، لكن لا يقول: (الله ورسوله أعلم): في الأمور القدرية الكونية؛ لأن النبي ﷺ لا يعلم من الأمور الكونية القدرية إلا ما أعلمه الله، فإذا قال لك صاحبك مثلًا: هل قدم فلان من السفر؟ لا يستقيم أن تقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا أمر يعلمه الله ﷾ ولا يعلمه نبيه ﷺ.
قوله: (وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعلى آله وَصَحْبِهِ): وختم بالصلاة على نبيه ﷺ، والصلاة من الله على نبيه أحسن ما قيل فيها: ما ذكره أبو العالية ﵀ فيما رواه عنه الإمام البخاري: "أي صَلَاةُ اللهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ" (^١).
والآل والأصحاب اصطلاحان: فالآل يطلق على الأتباع على الدين، فإذا قيل: آل محمد: فهم أتباعه على دينه إلى يوم القيامة، كما قال الإمام أحمد (^٢).
_________________
(١) صحيح البخاري ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]. (١٢/ ١٠)، ط- دار طوق النجاة.
(٢) جلاء الأفهام (٢٧٥).
[ ٢٤٣ ]
أما إذا قُرن الآل بالأصحاب فإن الآل ينصرف إلى المؤمنين من آل بيته؛ لأن آل الرجل وآل البيت: هم القرابة، وهم خمسة بطون من قرابة النبي ﷺ، ولا شك أن لقرابة النبي ﷺ منزلة وخاصية، سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ: (إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ) (^١)، على أحد التفسيرين، لما ذكر له العباس أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال رسول الله ﷺ: (وَاللهِ، لَا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ، وَلِقَرَابَتِي) (^٢)، فنحن نتقرب إلى الله ﷿ بمحبة قرابة نبيه ﷺ وهذه البيوت هم: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وآل الحارث بن عبد المطلب، الذين تحرم عليهم الصدقة. فنحب آل بيت النبي ﷺ ونتقرب إلى الله ﷿ بمودتهم ونصرتهم.
أما صحبه: فهي جمع صاحب أو جمع صحابي، وتعريف الصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ في حياته مؤمنًا به ومات على ذلك (^٣). وقولنا: من اجتمع بالنبي ﷺ أو من لقي النبي ﷺ خير من أن نعبر: من رأى النبي ﷺ لأن الصاحب ربما كان أعمى لا يرى؛ فلذلك كان التعبير الأجمع أن يقال: من اجتمع أو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به.
_________________
(١) أخرجه أحمد رقم (٢٠٢٤)، والترمذي رقم (٣٢٥١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن ابن عباس.
(٢) أخرجه مطولًا الترمذي رقم (٣٧٥٨)، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٨١٧٦)، وأحمد رقم (١٧٧٢) بنحوه، وابن ماجه رقم (١٤٠) باختلاف يسير.
(٣) الإصابة في تمييز الصحابة (١/ ٨ - ٩).
[ ٢٤٤ ]
إذن لا بد أن تكون هذه اللقيا وهذا الاجتماع حال الإيمان، فلو أن الصحابي لقي النبي ﷺ حال كفره ثم فارقه ولم يلقه بعد ذلك، ودخل في الإسلام، فلا يكون صحابيًا؛ لأنه لم تحصل اللقيا حال الإسلام، وقد وقع ذلك لكثيرين، لقوا النبي ﷺ في الموسم أيام كان يعرض نفسه على القبائل؛ فلم يستجيبوا لدعوته، ولم يدخلوا في الإسلام إلا بعد موته، فلا يدخل هؤلاء في عداد الصحابة، إذن لا بد أن يلقاه مؤمنًا به في حياته، وفائدة هذا القيد: أنه لو لقيه بعد موته؛ فإنه لا يكون صحابيًا، وهذا قد لا ينطبق إلا على رجل واحد، قدم مهاجرًا للمدينة في اليوم الذي مات فيه النبي ﷺ ورآه مُسَجَّى (^١)، رآه بعد موته، فلا يكون ذلك قد أردك درجة الصحبة.
ومات على ذلك: إذن لا بد أن يموت الإيمان، فلو مات -والعياذ بالله- على ردة زال عنه وصف الصحبة.
وأما من تخللت صحبته ردة ثم عاد إلى الإسلام، فالقول الصحيح أنه يبقى له وصف الصحبة ولا يزول عنه، وهذا ينطبق على كثيرين ممن وقعت منهم الردة: كطليحة بن خويلد الأسدي، فإن الله مَنَّ عليه ورجع.
قوله: (وَسَلَّمَ): هذا دعاء للنبي ﷺ بالسلامة، أما الدعاء له بالسلامة في حياته فظاهر: وهو أن يعصمه الله من الناس فلا يصلون إليه بأذى، وأما الدعاء له ﷺ بالسلامة بعد موته: فهو دعاء لدينه أن
_________________
(١) أبو ذؤيب الهذلي الشاعر المشهور واسمه خويلد بن خالد أسلم على عهد النبي ﷺ ولم يره، وقدم المدينة يوم وفاته، فشهد السقيفة، وبيعة أبي بكر، والصلاة على النبي ﷺ ودفنه، قال ابن كثير: توفي غازيا بإفريقية في خلافة عثمان ﵁. انظر: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (٣/ ٣٥٨)، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (١/ ٢٤٥)، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (١/ ١٤٥).
[ ٢٤٥ ]
يسلمه الله من البدع والإضافة والتغيير؛ ولهذا أمرنا الله تعالى بذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبذلك تمت هذه الرسالة المباركة، وأدعوكم -يرعاكم الله- إلى مراجعتها وحفظها. والله أعلم.
[ ٢٤٦ ]