قوله: (وذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ): ذروة الشيء أعلاه؛ لأن المقصود بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، فعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (^١).
والجهاد باق في هذه الأمة إلى يوم القيامة: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (^٢)، وقال نبينا ﷺ: (وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي) (^٣)، وأحاديث الفتن والملاحم التي تقع في آخر الزمان دالة دلالةً أكيدةً على استمرار هذه الشعيرة، لكنها شعيرة مرتبطة بالحال العام للأمة، والذي يحكمها إعلانًا أو إيقافًا أو تأجيلًا هي السياسة الشرعية، لا يجوز لأحد -كائنًا من كان- أن يلغي الجهاد، لا
_________________
(١) صحيح البخاري رقم (١٢٣)، صحيح مسلم رقم (١٩٠٤) واللفظ له.
(٢) صحيح البخاري رقم (٧٣١١)، صحيح مسلم رقم (١٥٦) واللفظ له.
(٣) أخرجه أحمد رقم (٥١٤٤)، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٢٨٣٢).
[ ٢٣٩ ]
يختلف اثنان من المسلمين على أن الجهاد شعيرة باقية إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال.
لكن إعلان الجهاد والنفير يدخل في باب السياسة الشرعية، وتقدير أهل الحل والعقد بحيث، وهل الأصلح الجهاد أو المصالحة؟، فباب السياسة الشرعية غير باب الثوابت العقدية، فمن الثوابت العقدية شعيرة الجهاد، أما السياسة الشرعية فتختلف باختلاف الأحوال، وقد وقع لنبينا ﷺ أحوال متنوعة.
مثال ذلك: حينما تحزبت الأحزاب على المسلمين في المدينة، عشرة آلاف مقاتل من غطفان وقريش وسائر العرب أتوا ليستأصلوا شأفة الإسلام، (بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا ومن معهما عن رسول الله وأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة وفي ذلك ففعلا.
فلما أراد رسول الله أن يفعل بعث إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وذكر ذلك لهما واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمر تحته فنصنعه أو شيء أمرك الله به لا بد لنا من عمل به أم شيء تصنعه لنا فقال لا بل لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم فقال سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو شراء فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا مالنا) (^١).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٤٣٠).
[ ٢٤٠ ]
لما رأى استعدادهم وشجاعتهم وتحملهم لهذا الأمر المقبل خلى بينهم وبين هذا الأمر.
فلا حرج أن يقع في بعض الأحوال من ولي الأمر نوع مصالحة؛ لدفع شر متوقع أو نحو ذلك، فهذا باب واسع لا نضيق به ذرعًا.
مثال آخر: وهذا صلاح الدين الأيوبي ﵀ الذي كان له قدم صدق مُعَلَّى في الجهاد في سبيل وطرد الصليبيين، اُضطر في موقف من المواقف إلى أن يُبرم صلحًا مع الصليبيين عرف باسم (صلح الرملة)؛ ليدفع شرهم، وبقيت عكا في أيديهم حتى مكثوا فيها من بداية الحروب الصليبية إلى نهايتها نحو مائتي سنة.
فذروة سنام الإسلام هو الجهاد في سبيل الله؛ لما فيه من إعزاز الدين، وإعلاء كلمته، ونشره في الخافقين، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة في إدخال الناس في دين الله أفواجًا، حتى جاء وصفهم في الحديث أنهم يدخلون الجنة في السلاسل.
[ ٢٤١ ]