بعد أن عرَّف المؤلف ﵀ الطاغوت تعريفًا عامًا، خص وفصَّل.
قوله: (وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُة): الطواغيت: جمع طاغوت، وهم كثر؛ لأنه إذا كان حد الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فالواقع أن هذا الوصف ينطبق على أعيان كثر.
قوله: (وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ): لكن لهم رءوس، والمقصود الرؤوس الزعماء.
قوله: (إِبْلِيسُ): إبليس أصل الشر، وهو الذي تقلد إضلال بني آدم، وهو الذي أصابه داء الكبر بسبب هذا الطغيان في نفسه؛ فهوى به
[ ٢٢٤ ]
إلى أسفل سافلين، ذلك أن إبليس قد بلغ من العبادة ما بلغ به مصاف الملائكة -وإن لم يكن منهم- يقول الله ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. بل كان إبليس من الجن كما أخبر الله ﷾: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. فماهية إبليس: ماهية نارية، ليس من الملائكة الذين خلقهم الله تعالى من نور؛ لكنه كان مجتهدًا في العبادة والتقرب فبلغ في سعيه هذا ودأبه أن بلغ مصاف الملائكة؛ لكن خانه أصله الفاسد، فإن الله ﷾ لما أمر الملائكة الكرام بالسجود لآدم خروا سجدًا؛ لكمال عبوديتهم لله تعالى أما إبليس فقد سرى الكبر في نفسه، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، ف ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] أبى أن ينصاع لأمر الله ﷿ ولحظ المأمور به، ولم يلحظ الآمر وهو الله ﷾ فلا شك أن هذا هو أصل الطغيان، ثم إنه تقلد إضلال بني آدم، وقال: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]. فكان أن جرت سنة الله تعالى بهذا.
قوله: (لَعَنَهُ اللهُ): هذا -والله أعلم- على سبيل الخبر، يعني أنه قد وقع اللعن عليه من الله؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، وقلنا: إن الأغلب أن يكون على سبيل الخبر لا على سبيل الدعاء؛ لأنه قد ورد آثار في النهي أن يقول الإنسان: تَعِس الشيطان. وربما قيس عليها: لعن الله الشيطان. فعن أبي المليح عن رجل قال كنت رديف النبي ﷺ فعثرت دابته فقلت تعس الشيطان. فقال ﷺ: (لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولَ بِقُوَّتِى وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى
[ ٢٢٥ ]
يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ) (^١)، يعني أنه ينتشي لهذا الدعاء، كأنما وقع ما وقع بفعله وتأثيره؛ فلهذا ورد النهي عن ذلك، أما على سبيل الخبر فلا شك أن الأمر كما قال الله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٨، ١١٩]. فإبليس هو رأس الطواغيت، ولم يزل إبليس يسعى في إضلال بني آدم.
واعلموا أن أغلى وأعلى ما يطمح إليه الشيطان هو إيقاع العباد في الشرك الأكبر؛ لأنه يحصل به إلقاء بني آدم معه في قعر النار، فإن لم يتمكن من الشرك الأكبر، نقلهم إلى الشرك الأصغر، فإن لم يحصل ذلك منهم نقلهم إلى البدعة؛ لأن البدعة خروج عن سمت الدين وإضافة إلى دين الله ما ليس منه، لأنها باب واسع يفضي إلى أمور أخرى، فإن لم يظفر منهم بالبدعة نقلهم إلى الكبائر؛ لأن الكبائر موجبات للوقوع في النار، إلا أن يغفر الله، فإن لم يظفر منهم بالكبائر نقلهم إلى الصغائر، فإن لم يظفر منهم بالصغائر نقلهم إلى الوقوع في المكروهات وترك الأولى، فلا يزال يفتل في الذِروة والغارب حتى ينال من ابن آدم ما يستطيع، فهو عدو مبين.
ولأجل ذا يجب أن نستشعر عداوة الشيطان لنا، فإن الله ﷾ يقول: ﴿إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]. لكن ما ثمرة ذلك؟ ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. جميع المؤمنين مقرون أن الشيطان عدو، لا تردد عندهم في ذلك، لكن الجملة الثانية: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. لا ينتبه لها إلا القليل من الناس. وشعورك بعداوة الشيطان لك، وتيقنك من ذلك،
_________________
(١) أخرجه أبي داود رقم (٤٩٨٤)، والنسائي في الكبرى رقم (١٠٣١٣)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب رقم (٣١٢٨).
[ ٢٢٦ ]
يجعلك متيقظًا متنبهًا. فلو قيل لك: إن فلانًا من الناس يكيد لك ويخطط لك، ويريد أن يوقع بك، ويتحين الفرصة لإيصال الأذية إليك، فإنك حينما تسير في الطريق تكون منتبهًا، تنظر عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك، وتترقب أن يأتيك أحد من خلفك، مستعدًا للمواجهة في كل حين؛ لأنك تعلم يقينًا أن ثَم عدو يتربص بك.
لو كنا نشعر بهذا في خبيئة قلوبنا تجاه الشيطان لكان لنا شأن آخر، لما كنا لقمةً سائغةً وفريسةً سهلةً لمكائد الشيطان وأحابيله، لكن لأننا نغفل وننسى أن ثم عدو يتربص بنا، يستجرنا ويوقعنا فيما حرم الله تعالى علينا، فانتبه لهذه الآية العظيمة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. هذا هو الطاغوت الأكبر ورأس الطواغيت الخمسة.
قوله: (وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ)؛ يعني: أنه قدمت له صنوف العبادة؛ من الدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وهو يرمق ذلك لا يغير ساكنًا، ولا ينكر منكرًا، فالراضي كالفاعل، هذا طاغوت، وإن قال: لم آمر بذلك، ولم أحملهم عليه، بل هم فعلوا ذلك. يقال: إن رضاك بذلك وعدم نكيرك له، يلحقك بالطواغيت، فإنك عبدت وأنت راضٍ، وهذا يحصل لكثير من المتبوعين والمطاعين الذين يتقدم لهم الناس ويعظمونهم ويغلون فيهم، يلحسون أيديهم، ويتمسحون بهم، ويطلبون منهم ما لا يُطلب إلا من الله ﷿، يطلبون منهم الغوث والمدد في أمور لا يقدر عليها إلا الله ﷿ ثم يستحسنون ذلك! كما يقع لبعض الممدوحين:
فَكُن كَما أشئتَ يا مَنْ لا شَبيهَ لَه … أو كَيفَ شِئتَ فَما خَلقٌ يُدانيكا
فيعجبه ذلك. ويقول أحدهم لآخر:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ … فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ
ويعجبه ذلك، فهذا من الطواغيت.
[ ٢٢٧ ]
قوله: (وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ): من دعا إلى عبادة نفسه أشد ممن عبد وهو راض؛ لأنه حمل الناس وندبهم إلى أن يعبدوه من دون الله ﷿، ومن هؤلاء فرعون الذي تباهى واستخف فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿قَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] بل قال لموسى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] فحملهم على عبادته من دون الله ﷿.
قوله: (وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ): علم الغيب لا يعلمه إلا الله ﷾ فإنه على اسمه: غيب، فالكهان، والسحرة، والمنجمون، والمتنبئون الكذابون، ومن على شاكلتهم، جميعًا طواغيت؛ لأنهم يدَّعون علم الغيب، فيزعمون أنهم يخبرون بالأمور الغائبة والأمور المستقبلة؛ وقد قال الله ﷾: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]. فكل من ادعى علم الغيب بأي صورة من الصور، فإنه طاغوت.
وأما إن اطلع على بعض الأمور المعلومة لكن بطرق معقولة، فهذا لا يدخل في ذلك، كما يجري عن طريق الاتصالات السريعة، فهذا ليس من ادعاء علم الغيب، بل من ادعاء علم الشهادة، لكن علم الغيب الذي لا يكون إلا مستقبَلًا أو أمورًا لا يمكن إدراكها، فهذا لا يكون إلا كاهنًا أو ساحرًا أو منجمًا. وقد كثروا -لا كثرهم الله- واستغلوا ضعف الناس، وصاروا يحلبون أموالهم بغير حق، بدعوى أنهم يخبرونهم بالمغيبات.
ومن شواهد ذلك في العصر الأخير: ما يسمى بالمطالع والنجوم والأبراج فقد شاع وفشا في بعض المجلات التافهة، ما يسمى بالأبراج، يقولون: إذا كنت أنت من برج الحمل أو من برج الأسد أو من برج كذا
[ ٢٢٨ ]
وكذا، سيقع لك كذا وكذا. هذا رجم بالغيب، يجب أن يحارب وأن ينبذ وأن يحذر منه.
وكذلك ما يدَّعيه بعض الناس من قراءة الكف، يأخذ كف الإنسان ويرمق الخطوط التي به ويقول: هذا الخط يدل على كذا، وهذا الخط يدل على كذا. هذا زور وبهتان وأكل لأموال الناس بالباطل، وبعضهم يدعي القراءة في الفنجان.
وأصحاب العقول الضعيفة، وأصحاب العقائد الرقيقة، تنطلي عليهم مثل هذه الأمور ويصدقونها، ويجب على أهل العقيدة والإيمان أن يقفوا سدًا منيعًا وأن يقمعوا هؤلاء المفسدين والسحرة؛ حتى إنهم اتخذوا في الآونة الأخيرة قنوات للسحر، يتصل بهم المتصلون ويذكرون لهم بعض الأشياء؛ ويهرفون بما لا يعرفون ويخبرونهم بما سيقع لهم مستقبلًا. فهذه أيضًا مما يجب التحذير منها ومحاربتها، والحيلولة بينها وبين الناس.
قوله: (وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ):