قوله: (فإذَا قيلَ لكَ: بِمَ عرفْتَ ربَّك؟): ذلك لمزيد التحقيق؛ أي: فما الأدوات التي دلتك وساقتك إلى معرفة ربك؟
قوله: (فقُل: بآياتِه ومخلوقاتِه): والمؤلف-﵀ لم يُرد بذلك حصر الطرائق، وإنما أراد أن يُبين أوضحها وأدناها وأسهلها تناولًا.
والآيات: جمع آية، والآية هي العلامة.
وآيات الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: آيات كونية.
القسم الثاني: آيات شرعية.
الآيات الكونية: وهي ما بث الله في هذا الكون، من العلامات الدالة على قدرته، مثل: السماوات، والأرضين، والشمس، والقمر، والجبال، والشجر، والدواب.
الآيات الشرعية: وهي ما أنزل الله بين دفتي المصحف، من هذه الآيات المحكمة، التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ ولهذا يمكن أن نقول: ومخلوقاته من باب عطف الخاص على العام؛ لأن المخلوقات في الواقع نوع من الآيات.
قوله: ومِنْ آياتِه الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ، ومِنْ مخلوقاتِه السماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُونَ السَّبع ومَنْ فيهنَّ وما بينهما: لعل المؤلف ﵀ اختار أن يُمثل للآيات بما يقع فيه نوع تكرار وتجدد؛ ولذلك ذكر الليل والنهار والشمس والقمر؛ لأنها أحوال تتوالى فيحصل فيها الإعلام؛ لكثرة ورودها وتجددها وتعاقبها. ومثل للمخلوقات بأشياء ثوابت.
[ ٦٦ ]
قوله: (ومِنْ مخلوقاتِه السماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُونَ السَّبع ومَنْ فيهنَّ): وإلا فإن الكل يصدق عليه أنه آيات الله، ويصدق عليه أنه مخلوقات، ولعله ﵀ لحظ في المجموعة الأولى أن فيها معنى التجدد والتعاقب، وفي الثانية معنى الثبات والدوام؛ ثم ساق الدليل.
قوله: (والدليلُ قولُه تَعَالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]): فمن نظر في هذه الآيات أحدثت في قلبه معرفة بخالقها، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦]؛ فينبغي للمؤمن الحصيف أن يستعمل هذه الآيات في إذكاء إيمانه وتقوية يمينه؛ فيستفيد من هذه الآيات الموجودة في الكون لتقوية الإيمان، ولا تمر عليه مرورًا عابرًا، لا، بل ينتفع بها، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧]، وذلك من الناس من كانوا يعبدون الشمس، ومنهم من كانوا يعبدون القمر، قال تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧]؛ لأن السجود علامة العبادة والإخلاص لله تعالى الذي خلقهن، فخالق هذه المخلوقات أحق بالعبادة، كيف يعبد المخلوق ويترك الخالق؟!.
قوله: (وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]).
[ ٦٧ ]
قوله: (وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾): فهذه الأيام الستة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: من بعد أن فرغ الله من خلق السماوات والأرض علا فوق عرشه ﷾ علوًا يليق بجلاله وعظمته.
قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: أن الله ﷿ يجعل الليل يغشى النهار ويغطيه.
قوله: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: في حركه دائمة وتتابع مستمر، (حثيثًا)؛ أي: سريعًا كأنما يطرده.
قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾: لما كان ﷾ له الخلق فهو الجدير الحقيق بالأمر سواء كان أمرًا كونيًا، أم أمرًا شرعيًا؛ فهل يليق أن يكون الخلق له والأمر لغيره؟! هذا لا يستقيم بل لما كان الخلق له كان الأمر له.
قوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: البركة: معناها النماء والزيادة، ومثل هذا التعبير لا يكون إلا في حق الله ﷿ (^١).
_________________
(١) كما ذكر ذلك ابن القيم في بدائع الفوائد (٢/ ١٨٥).
[ ٦٨ ]
•قال المؤلف ﵀:
(والرَّبُّ هو المعبودُ، والدليلُ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]، قالَ ابنُ كثيرٍ رحِمَهُ اللهُ تعالى: الخالقُ لهذه الأشياءِ هو المستحقُّ للعبادةِ (.
قوله: (والرَّبُّ هو المعبودُ): لم يرد المؤلف ﵀ أن يعرف الرب بأنه المعبود، وإنما مراده: والرب هو المستحق للعبادة؛ أي: لما كان ربًّا خالقًا مالكًا مدبرًا، كان هو المستحق للعبادة؛ فإن المعبود هو معنى (المألوه). والدليل على ذلك أول أمر ورد في كتاب الله، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: هذا دليل على أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد العبودية، وأن توحيد العبودية متضمن لتوحيد الربوبية، فمن أقر بأن الله تعالى هو الرب الخالق المالك؛ فإنَّ من لازم ذلك أن يوحده بالعبادة، وهذه طريقة القرآن في إلزام المشركين بتوحيد الله ﷿: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: يحصل لكم وقاية.
قوله: (﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾)؛ أي: هذه الأرض جعلها مهادًا موطأة للسير عليها.
[ ٦٩ ]
قوله: (﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾): سقفًا مبنيًا كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وهي بناء محكم.
قوله: (﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾): نزول ماء يقابله خروج نبات، حركات متقابلة تدل على سعة خلق الله ﷾، فإذا كان الأمر كذلك وأنتم مقرون بذلك، فلا يستقيم أن تجعلوا لله أندادًا.
قوله: (﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]): الأنداد: جمع ند: وهو النظير والمثيل والشبيه، وما قد سبق لأجل هذا.
قوله: (قالَ ابنُ كثيرٍ -رحِمَهُ اللهُ تعالى-): وهو عماد الدين إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، مفسر، محدث، فقيه.
قوله: (الخالقُ لهذه الأشياءِ هو المستحقُّ للعبادةِ) (^١): فهذه من طرق القرآن الواضحة الملزمة للمخالف، وهو إثبات توحيد العبادة بالإقرار بتوحيد الربوبية.
_________________
(١) لم أعثر على كلام ابن كثير بهذا النص، ولعله أراد المعنى، قال في تفسير هذه الآية: " ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار، وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره" ينظر: تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ١٩٤). ثم وقفت على قول الشيخ محمد بن إبراهيم في شرحه على ثلاثة الأصول (ص: ١١١)، قال: " والظاهر أنها في تأريخه" وقد نقل الشيخ المحقق قول ابن كثير.
[ ٧٠ ]
• قال المؤلف ﵀:
(وأنواعُ العبادةِ التي أَمَرَ اللهُ بها: مثلُ الإسلامِ، والإيمانِ، والإحسانِ؛ وَمِنْهَا الدعاءُ، والخوفُ، والرجاءُ، والتوكلُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والخشوعُ، والخَشيةُ، والإنابةُ، والاستعانةُ، والاستعاذةُ، والاستغاثةُ، والذَّبْحُ، والنذرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ الْلَّهُ بِهَا، كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨]).
(الشرح)
قوله: (وأنواعُ العبادةِ التي أَمَرَ اللهُ بها: مثلُ الإسلامِ، والإيمانِ، والإحسانِ): الدين يشمل هذه المراتب الثلاث؛ الإسلام، والإيمان، والإحسان، وسوف يأتي - إن شاء الله تعالى- فيما نستقبل من كلام المصنف مزيد بيان لهذه الألفاظ الشريفة، وبيان العلاقة بينها من عموم وخصوص، لكن الشيخ ﵀ ذكر بعض أنواع العبادة.