قوله: (وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ): لأن الصلاة أعظم شرائع الدين العملية، فهي بمنزلة العمود للخيمة، وهذا يدلنا على أن الصلاة لها ميزة وخاصية ليست في بقية الشرائع العملية، وأي شيء سقط عموده فقد سقط؛ فلهذا كان القول الراجح من أقول أهل العلم أن تارك الصلاة -ولو تهاونًا وكسلًا- كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، وحسبك بهذا الوصف أن الصلاة هي عمود الدين، فمن لا عمود لدينه لم يكن له دين، كما أن من لا عمود لخيمته وفسطاطه، سقطت خيمته وفسطاطه؛ ولأدلة أخرى لا تخفى.
وأمر الصلاة عظيم جدًا، ويجب أن نعظمه في النفوس؛ فإن من الناس من لا يرفع بالصلاة رأسا، ولا يرى بتركها بأسًا، والحقيقة أن هذه الشعيرة هي الصلة الحقيقية بين العبد وربه، شرعها الله أول ما شرعها خمسين صلاةً في اليوم والليلة، وهذا يدل على عظمها، ثم آل الأمر إلى خمس، فهي خمس في الفعل خمسون في الميزان، لما علم الله من حال عباده أنه تكتنفهم الغفلات والشهوات والشبهات جعل لهم هذه المحطات الخمس في اليوم والليلة؛ لكي ينصع القلب، وقد صورها النبي ﷺ بتصوير بديع، فقال: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيءٌ). قَالُوا لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: (فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ
[ ٢٣٧ ]
يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) (^١).
فلو كان أحدنا ينغمس يوميًا في مجرى نهر خمس مرات لصار نظيفًا ناصعًا، لا يبقى على بدنه وبشرته درن، فهذه الصلوات الخمس كذلك، تنقي القلب وتطهره من الأوشاب والأخلاط التي تنشأ عن ماجريات الحياة اليومية.
لكن مع ذلك فالناس يتفاوتون، فمن الناس من يؤدي هذا الصلوات جري العادة، فلا يحصل له الانتفاع التام، أما إذا أقبل الإنسان بكليته على هذه الصلاة العظيمة، وصفَّ قدميه في محرابه، وصوب بصره إلى موضع سجوده، ووضع يده اليمنى على اليسرى بين يدي ربه، واستشعر قيامه بين يديه وعبوديته له، وقال رافعًا يديه: الله أكبر. فألقى الدنيا خلف ظهره، واستشعر مثوله بين يدي ربه، وأخذ يناجي، ويتأمل فيما يقرأ، وفيما يذكُر، وجد في هذه العبادة ساحًا فِساحًا يُبحر فيها في عبودية الرب ﷾، ثم إذا تأمل في هيئات الصلاة: في ركوعه وسجود وقيامه وانحطاطه؛ وجد من معاني التوحيد والخضوع ما يحصل به حياة القلب، معنى أن تركع وتحني صلبك خضوع لله ﷿، معنى أن تسجد وتضع أشرف ما فيك في الأرض التي تطؤها بقدميك؛ تعظيمًا وإجلالًا للرب ﷾، لو أنَّا تأملنا في هذه المعاني المضمنة في الأقوال والأذكار والأدعية والحالات، لحققنا الخشوع في الصلاة الذي يجده الصالحون.
إن من أخص أوصاف المؤمنين الخشوع في الصلاة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢].
_________________
(١) صحيح البخاري رقم (٥٢٨)، صحيح مسلم رقم (٦٦٧).
[ ٢٣٨ ]
فإذا أردت أن ترى موقعك في سلم الإيمان، فانظر حالك مع الصلاة، هل أنت إذا دخلت في صلاتك استجمعت همك، وخشع قلبك، ورأيت أنك في حال اتصال مع الله ﷿ لأن الصلاة صلة؟ أم أنك إذا دخلت في الصلاة انفتحت عندك جميع المهام الدنيوية، وصرت تذهب يمنةً ويسرة في أودية الدنيا، فلا تشعر إلا والإمام يقول: السلام عليكم ورحمة الله؟! علينا أن نحسن صلاتنا، أن نضبط صلاتنا، فإنها إن صلحت؛ صلح جميع حالنا.