يعني أن النبي ﷺ أمضى عشر سنوات من العهد المكي وهو يدعو إلى التوحيد، وقد اشتدت عليه الأزمة والمحنة في آخر هذه العشر؛ فقد توفيت زوجه خديجة التي كانت تسري عنه وتسليه عما يلقى من أذى قريش، وتوفي عمه أبو طالب الذي كان يحوطه ويدفع عنه - رغم أنه كان مشركًا-.
ثم وقع للنبي ﷺ آية عظيمة من آيات نبوته: وهي العروج إلى السماء، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: " بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ، وَاليَقْظَانِ - وَذَكَرَ: يَعْنِي رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ -، فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَشُقَّ مِنَ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ البَطْنِ، ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ، دُونَ البَغْلِ وَفَوْقَ الحِمَارِ: البُرَاقُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ: قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنَ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ، قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى، وَيَحْيَى فَقَالَا: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قِيلَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الخَامِسَةَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قِيلَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، فَقِيلَ: مَا أَبْكَاكَ: قَالَ: يَا رَبِّ هَذَا الغُلَامُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي، فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ، قِيلَ مَنْ هَذَا؟ قِيلَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ مَنْ مَعَكَ؟ قِيلَ:
[ ١٧٠ ]
مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِنَ ابْنٍ وَنَبِيٍّ، فَرُفِعَ لِي البَيْتُ المَعْمُورُ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلَالُ هَجَرَ وَوَرَقُهَا، كَأَنَّهُ آذَانُ الفُيُولِ فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: أَمَّا البَاطِنَانِ: فَفِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ: النِّيلُ وَالفُرَاتُ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسَى، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَسَلْهُ، فَرَجَعْتُ، فَسَأَلْتُهُ، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ
[ ١٧١ ]
عِشْرِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى، فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَجَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا خَمْسًا، فَقَالَ مِثْلَهُ، قُلْتُ: سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ، فَنُودِيَ إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْرًا" (^١)، ونزل النبي ﷺ بهذه الصلوات الخمس.
قوله: (وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ): هذه الصلوات الخمس لم تفرض إلا في آخر ثلاث سنوات في مكة. وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ» (^٢)، والذي يظهر -والله أعلم- أنه أيضًا لم تكن فرضت الجماعة، وإنما فرضت الجماعة والصلاة الرباعية بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة؛ لأن الآذان الذي هو نداء للجماعة لم يشرع إلا بعد الهجرة.
قوله: (وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْهِجْرَةُ الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ.)؛ أي: بعد هذه السنوات الثلات عشرة، أُمر بالهجرة إلى المدينة، والنبي ﷺ لا يخرج عن أمر ربه، لا يمكن أن يهاجر إلا بإذنه؛ فأذن الله تعالى له بالهجرة، وكان قد شرع في إرسال أصحابه إلى المدينة، وصاروا يصلون إلى المدينة أرسالًا يخرجون خفية إلا عمر بن الخطاب ﵁؛ فإنه قام في قريش وقال: من أراد أن تثكله أمه فليلقني في بطن هذا الوادي؛ فلم يلحقه أحد، أما نبينا ﷺ فقد شعر أبو بكر الصديق ﵁ بنية رسول الله ﷺ في الهجرة؛ فأعد راحليتن
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٢٠٧)، ومسلم رقم (١٦٤).
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٥٠)، ومسلم رقم (٦٨٥).
[ ١٧٢ ]
وأعلفهما وأعدهما لهذه المناسبة؛ فعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: (لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ، قَالَ: «أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ». قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الصُّحْبَةَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا، قَالَ: «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ» (^١).
قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ" (^٢) كيف لا يبكي؟!، وهو سيصحب محمد بن عبد الله ﷺ، ويكون له هذا الفخر العظيم إلى يوم القيامة.
وفي قوله «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ» دليل أنه في أمور الطاعات والقرب ينبغي أن يبذل الإنسان من ماله، وألا يعتمد على أعطيات الآخرين قدر المستطاع، وكذا صنع النبي ﷺ في بناء المسجد بعد أن هاجر.
والمهم أنهما ركبا هاتين الناقتين وخرجا من الباب الخلفي؛ لأن أعين قريش كانت ترصدهما، وقد شعرت قريش فعلًا أن النبي ﷺ على وشك الخروج، وأعدت للأمر عدة؛ فاجتمعوا في دار الندوة، وتشاوروا فيما بينهم حتى استقر رأيهم على أن ينتدبوا من كل قبيلة من قبائل قريش
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢١٣٨).
(٢) سيرة ابن هشام ت السقا (١/ ٤٨٥).
[ ١٧٣ ]
فتى جلدًا شابًا معه سيف ويحيط ببيت رسول الله ﷺ، فإذا هم بالخروج ضربوه ضربة رجل واحد فتفرق دمه في القبائل، لكن الله تعالى أنجاه قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، وخرج النبي ﷺ من بين ظهرانيهم، وأوى وصاحبه إلى غار يقال له: "غار ثور"، وباتا فيه ثلاثة أيام حتى ينقطع الطلب، وجعلت قريش لمن يأتي بالنبي ﷺ وصاحبه مائة من الإبل- وهو عرض مغرٍ-، يتمناه كل عربي إذ الإبل هي أنفس أموال العرب، ولكن الله سلم؛ فظل رسول الله ﷺ من حين خروجه إلى أن بلغ المدينة عشرة أيام حتى بلغ المدينة يوم اثنين، وكان في هجرته ﷺ يكمن نهارًا ويسير ليلًا، وبذل أبو بكر الصديق ﵁ من ضروب الفداء والرعاية بنبينا ﷺ، ما بلغه هذه الدرجة؛ أن كان أفضل هذه الأمة بعد نبيها، ومما جرى له أنهما دخلا غارًا في أثناء مسيرهما فقال؛ أبو بكر للنبي ﷺ: امكث يا رسول الله حتى أستحث لك الغار حتى لا يكون فيه سبع أو حية أو غير ذلك؛ فدخل ﵁ حتى إذا استوثق دعا النبي ﷺ أن يدخل، وجعل النبي ﷺ رأسه الشريفة على فخذ أبي بكر، وجعل أبو بكر الصديق ﵁ يتلمس الغار؛ فوجد فيه حجرين؛ فخشي أن يخرج منهما شيء يؤذي رسول الله ﷺ؛ فألقمهما عقبيه، فخرجت عقرب من أحد هذين الجحرين وجعلت تلسغ عقب أبي بكر الصديق وهو يتألم ولا يبدي حراكًا حتى جعلت دموعه تنهمر من عينيه؛ فلم يُرع النبي ﷺ إلا ودموعه تسقط على وجهه الشريف؛ فقام النبي ﷺ؛ فقال: مالك فقال: عقرب يا رسول كرهت أن أوقظك؛ فمسح النبي ﷺ على عقبه حتى برئ؛ فكانت له هذه المنقبة العظيمة ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
[ ١٧٤ ]
تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]؛ فحصلت الهجرة التي ذكر (^١)؛ ولهذا لما تحدث أناس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ -وربما فضله بعضهم على أبي بكر- قال: والله ما يساوي آل الخطاب ليلة من ليالي أبي بكر، رضي اللهم عنهم أجمعين.
فنبينا ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة لما أذن الله تعالى له بالهجرة، فوصل المدينة يوم اثنين، وَسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا [ص: ٦١] يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ، لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ العَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ المُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ - مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ " (^٢).
وهذه شهادة أنطق الله تعالى بها ذلك اليهودي فقد قال: هَذَا جَدُّكُمُ؛ يعني: حظكم وعزكم وشرفكم- الذي تنتظرون.
_________________
(١) البداية والنهاية (٣/ ١٧٨ - ١٨٠) باختصار وتصرف.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٣٩٠٦) عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام، ﵁.
[ ١٧٥ ]
ثم إن نبينا ﷺ سار مع الناس حتى أتى قباء ونزل فيها ما شاء الله، ثم بعد ذلك توجه إلى المدينة وصار بطون الأنصار يتلقونه، كل يأخذ بناقته يريد أن ينزل عنده ويرحبون به ويقولون: "هاهنا المنعة" ويرغبونه في النزول عندهم، وكان ﷺ-يقول: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ) (^١)، حتى أتت ناقته إلى موضع مسجده فبركت فلم ينزل عنها ﷺ، ثم قامت فمشت إلى موضع ثم رجعت إلى موضعها الأول فبركت وتحلحلت وألقت بجرانها، فنزل النبي ﷺ وقال: (هذا المنزل إن شاء الله)، فقد أمرت الناقة بتحديد موضع مسجده ﷺ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: «هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ». ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ، لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ، وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: " هَذَا الحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ، هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ، فَارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَالمُهَاجِرَهْ " (^٢).
وبقي إبان ذلك في بيت أبي أيوب الأنصاري في تفاصيل معلومة من السيرة (^٣).
والهجرة مفرق طريق في تاريخ الإسلام ولهذا عظمها الصحابة رضوان الله عليهم، فلما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٣٥٤٤).
(٢) جزء من الحديث الذي تقدم تخريجه قريبًا عن عروة بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام، ﵁.
(٣) البداية والنهاية (٣/ ١٨٦)، مكتبة المعارف بيروت.
[ ١٧٦ ]
يجعل تأريخًا للمسلمين جمع الصحابة وشاورهم ثم استقر رأيهم على أن يؤرخوا بالهجرة؛ لأن هجرة النبي ﷺ هي الإيذان بقيام الدولة المسلمة بجميع عناصرها وأركانها، فلم يكن التقويم مبنيًا لا على البعثة ولا على المولد النبوي وإنما كان مبنيًا على هجرة النبي ﷺ إلى المدينة؛ لعظم ذاك الحدث، وكان، مقدم النبي ﷺ، يومًا مشهودًا فرح به المسلمون غاية الفرح.
قوله: (وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ): الهجر الترك، والهجرة بالمعنى الخاص هي: الانتقال من مكة إلى المدينة، وهي التي يعلق عليها الفضل العظيم، وهذا النوع من الهجرة انقطع بفتح مكة، وصارت دار إسلام وانقطعت هذه المنقبة، فمن هاجر من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، فهو من المهاجرين؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (^١)، ومنزلة المهاجرين منزلة علِّية رفيعة، وهي منقبة عظيمة لأهلها، ألا ترون أن الله تعالى إذا ذكر المهاجرين والأنصار؛ قدَّم المهاجرين، قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، ثم ثَنى فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]؛ يعني: الأنصار، ثم ثلث فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] يريد التابعين، وقال في موضع آخر: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكلا الفريقين على منزلة عظيمة لكن المهاجرين على وجه العموم أفضل من الأنصار، أما الهجرة العامة فلم تنقطع فهي فريضة باقية
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٧٨٣)، ومسلم رقم (١٣٥٣).
[ ١٧٧ ]
فحيث ما وجد بلد شرك وبلد إسلام؛ صار لزامًا على من يعيش في بلد الشرك أن ينتقل إلى بلد الإسلام؛ لتحقيق المقاصد التي ذكرنا من تكثير سواد المسلمين وتقويتهم، والنأي بدينه عن الفتن.
والهجرة صارت فريضة على كل مؤمن دخل في دين الإسلام وكان قادرًا على أن يهاجر إلى رسول الله ﷺ؛ لما في ذلك من تقوية المؤمنين وتكثير سوادهم ونصرهم وموالاتهم؛ وينهى عن الرجوع إلى بلده أو باديته، وكان ينهى عن تعرب المهاجر: وهو أن يعود إلى باديته بعد أن أسلم، فصار الناس يتقاطرون إلى مدينة رسول الله ﷺ، وصار الأنصار رضوان الله عليهم يتلقون هؤلاء المهاجرين ويرحبون بهم ويقاسمونهم أموالهم وضياعهم كما جرى في وقائع مشهورة، فكان بالمدينة: الأنصار وهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل، وهم مسلمة الأوس والخزرج، والمهاجرون الذين قدموا من مكة ومن بقية قبائل العرب، ثم مازال أمر الإسلام يقوى ويشتد إلى أن بلغ ما بلغ ولله الحمد.
قوله: (مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ): هذه الهجرة بالمعنى العام؛ كما عرفها المصنف: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي بهذا التعريف باقية إلى يوم القيامة لا يمكن أن تنقطع، ما دام ثمَّ بلد شرك وبلد إسلام، فإن هذه الشريعة باقية لا تنقطع. وبلد الإسلام: هو الذي تكون فيه أعلام الإسلام وشرائعه في الأعم الأغلب ظاهرة، وأما بلد الشرك: فهو الذي لا تظهر فيه شعائر الإسلام في الأعم الأغلب، وشعائر الإسلام: هي الأذان، وصلاة الجماعة، والجُمع، والأعياد … إلى غير لك من المظاهر الإسلامية، وهذا التعريف هو أوسع تعريف يمكن أن نطبقه في هذا العصر وقد كان يطلق الجامع لأهل الإسلام الذي ينضوي الناس تحت إمام واحد، ويقاتلون تحت راية واحدة.
[ ١٧٨ ]
وغير المسلمين أربعة أصناف: حربيون، ومعاهدون، وذميون، ومستأمِنون.
والمقصود بالذميين: اليهود والنصارى، الذين رضوا أن يبذلوا الجزية للمسلمين ويساكنوهم، ويبقوا على دينهم، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وهم وأهل الذمة في ذمة أهل الإسلام؛ بمعنى: أنهم يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم وأعراضهم ولا يحل انتهاك شيء منها، ولكنهم خاضعون للسلطة الإسلامية، ويبذلون جزية سنوية، ولا وجود في العصور الأخيرة لهذا الأمر، فمنذ انتهاء الدولة العثمانية ذهب واضمحل.
والمستأمنون: هم الذين يدخلون بلاد الإسلام بأمان، كما دل عليه قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، فلا يحل لأحد أن يتعرض له حتى يُرد إلى مأمنه، ولكنه يُدعى كما قال الله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ويرد إلى مأمنه ولا يُقسر على الدخول في الإسلام.
والمعاهدون هم: من بينهم وبين أهل الإسلام عهد وميثاق، وهذه الصيغة هي الصيغة الغالبة الآن في علاقات الدول الإسلامية مع غير الدول الإسلامية، فحينما يقع اعتراف متبادل بين دولتين أو أكثر، فهو يعني نوع معاهدة بحيث إذا انتقل أحد من أهل تلك البلاد إلى البلاد الإسلامية أو العكس، فإنه يدخل بالعهد، ويكون معاهدًا، ويسمونها الآن (بالفيزا)، فإذا حصل على (الفيزا) فمعنى ذلك أنه حصل على عهد؛ فلا
[ ١٧٩ ]
يحل التعرض له ولا يجوز خفر ذمة أهل الإسلام بقتله أو إيذائه أو ظلمه؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» (^١).
والحربيون: هم من وقع بينهم وبين أهل الإسلام الذين تضمهم دولة واحدة وسلطان واحد حرب وقتال، فكل فريق يحاول أن ينال من الفريق الآخر؛ فلا عهد للحربي ولا ذمة له بل هو حلال الدم والمال.
قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وساءت مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩])،
هذا دليل على وجوب الهجرة، وعلى أن من ترك الهجرة مع القدرة عليها، فقد أتى كبيرة يستحق بها النار، إلا من استثنى الله تعالى.
قوله: (قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٨، ٩٩]).
واستدل المصنف ﵀ على وجوب الهجرة بهذه الآية، فقولهم: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾؛ يعني: فتنا عن ديننا واستضعفنا، فتجيبهم الملائكة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؛ أي: أنه كان يسعكم أن تنتقلوا وتهاجروا، قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وساءت مَصِيرًا﴾: ثم استثنى الله تعالى غير القادر فقال: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣١٦٦).
[ ١٨٠ ]
وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وهذا من سعة دين الله وسماحة الشريعة أن المكره لا شيء عليه، وقد كان أقوام في مكة يرسفون في الأغلال والقيود يحال بينهم وبين الهجرة، كما جرى ذلك لأبي جندل ولأبي بصير وغيرهما من الصحابة فهؤلاء معفو عنهم.
وهذا أيضًا ينقلنا إلى النظر في حال من كان مقيمًا في بلدان أخرى من بلاد الكفر هل يلزمه أن ينتقل إلى بلاد الإسلام؟
فنقول: إذا كان يمكنه أن ينتقل إلى بلد الإسلام؛ فإنه يجب عليه لزامًا أن ينتقل، أما إذا كان لا يمكنه؛ فهو معذور، ويمكن أن نتصور هذا في العقود الأخيرة بحال المسلمين في بعض البلاد الغربية أو الشرقية، فمن تمكن من النقلة إلى بلاد الإسلام والعيش بين ظهراني المسلمين، كان ذلك لزامًا عليه؛ لأن عيشه بين الكفار يثلم دينه، وقد جاء في الحديث: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» (^١)، فإن كانت الأنظمة تمنع ذلك والدول المسلمة لا تسمح بالإقامة؛ فهو معذور، وقد ارتفع عنه الحرج؛ لقول الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].
هل يجوز للمسلم أن يدع بلاد الإسلام، ويقصد بلاد الكفر ليقيم فيها إقامة مؤقتة أو دائمة؟ فنقول: أما الإقامة الدائمة فلا، وأما الإقامة
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٢٦٤٥)، والترمذي رقم (١٦٠٤) عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، مرفوعا، وأخرجه النسائي رقم (٤٧٨٠) عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ مرفوعا بدون ذكر جرير، قال ابن حجر كما في التلخيص الحبير: وصحح البخاري وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم، (٤/ ٢١٨)، وصححه الألباني مرفوعا بشواهده في الإرواء رقم (١٢٠٧)، والأرناؤوط في تحقيق سنن أبي داود (٤/ ٢٨١) ..
[ ١٨١ ]
المؤقتة فهي أهون، ولكنها لا تجوز إلا بشروط ثلاثة ذكرها شيخنا ﵀ (^١):
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأن القاصد إلى بلاد الكفار يطرأ على عقله من الشبهات، ويرد عليه من الأفكار المضلة ما قد يزلزل دينه وعقيدته، لا سيما إذا كانت بلادًا متطورة متقدمة من الناحية التكنولوجيه والمدنية؛ فقد يقع في قلبه زيغ -والعياذ بالله- فلا بد أن يكون عنده علم ثابت يدفع به الشبهات.
الشرط الثاني: أن يكون عنده ورع يدفع عنه الشهوات؛ لأن بلاد الكفار على مر الأعصار بلاد فجور وتحلل وتساهل، بخلاف بلاد أهل الإسلام ففيها من رعاية الأخلاق والمحافظة على الآداب ما ليس في غيرها.
الشرط الثالث: أن يكون لديه حاجة: كطلب علم أو طلب تجارة؛ فإن الفقهاء نصوا على أن طلب التجارة مما يبيح السفر إلى بلاد الكفار، وأن ذلك من الضرب المباح في الأرض، أو بغرض الدعوة إلى الله ﷿؛ فهذا مقصد صحيح، أو لطلب علاج لا يجد مثله في بلاده؛ فهذه حاجات صحيحة.
والسياحة لا تعد من الحاجة؛ لأن السياحة بالمفهوم المعاصر: تستلزم غالبًا غشيان الأماكن والمواضع التي تكثر فيها المنكرات والفساد، وفي المتنزهات التي يقصدها الناس على اختلاف أحوالهم ورداءة طباعهم وعاداتهم؛ فيقع البصر على مناظر مؤذية وعورات مغلظة وغير ذلك؛ ولذلك فإن السياحة ليست من الحاجة التي تبيح أن يحمل الإنسان نفسه وحريمه ويذهب إلى بلاد الكفر والعهر.
_________________
(١) ينظر: شرح رياض الصالحين للعلامة محمد بن صالح العثيمين (١/ ٢٢ ومابعدها).
[ ١٨٢ ]
فلا بد من تحقق هذه الشروط الثلاثة لجواز السفر إلى بلاد الكفر، وذلك أن أعظم ما ينبغي للإنسان أن يحفظه: دينه؛ لأنه أعظم المقاصد، والأمور نسبية فالنبي ﷺ أذِن لأصحابه أن يهاجروا من مكة إلى الحبشة مع أن الحبشة في ذلك الوقت ليست دار إسلام؛ لكنهم كانوا في مكة يتعرضون للفتنة في الدين وللأذى البدني والمعنوي حتى كان الحجر يوضع على صدر بلال وينوء به ويقول: أحد أحد، وكان يؤتى بأسياخ الحديد فتوضع على ظهر خباب بن الأرت؛ فلا يطفؤها إلا ماء ظهره، وكان عمار بن ياسر يغمس رأسه في الماء (^١)، "فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ، قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا" (^٢)، فهذا أخف الشرين، فلما بوأ الله تعالى للمؤمنين المدينة فلا يحكم بها إلا بدين الله والآمر الناهي فيها رسول الله ﷺ؛ كان لزامًا على كل مؤمن أن يهاجر إلى المدينة رجعوا من الحبشة، أما من قصد بلاد الكفر لأجل السكنى والرفاهية والتوسع في أمور الدنيا والتنعم؛ فهذا قد خاطر بدينه ونفسه وعياله وأقامهم في موضع ينسلخون من دينهم؛ فهذا لا يحل، وقد رأيت بعيني رأسي من المسلمين الذين ابتلوا بالسكنى بين ظهراني الكفار في أوروبا وأمريكا من يبكي بكاءً مرًا وهو يرى ذريته ينسلخون من الدين أمام عينه، ولا يملك عليهم قوامة ولا ولاية؛ لأن الأنظمة المدنية لتلك الدول تمنعه من أن يقوم عليهم أو يأمرهم أو ينهاهم، فما أن تبلغ الفتاة
_________________
(١) البداية والنهاية (٣/ ٨٥) ط مكتبة المعارف بيروت.
(٢) سيرة ابن هشام ت السقا (١/ ٣٢١).
[ ١٨٣ ]
ثماني عشرة سنة، فلها أن تصاحب من تشاء، ولها أن تبيت مع من تشاء، ولها أن تتخذ صديقًا … إلى غير ذلك من الموبقات، يرى ذلك بأم عينيه ولا يحرك ساكنًا، فلا شك أن تعريض الإنسان ذريته لهذه المخاطر لأجل لعاعة من الدنيا مجازفة عظيمة وتعريض للنفس لكبائر هو في عافية منها، فبلاد الإسلام مهما بلغت من التخلف خير له؛ فإن الإنسان في بلاد الإسلام يقرع سمعه الآذان، ويسمع القرآن، ويجد أهل الإسلام، فالمقام فيها ليس كالمقام بين ظهراني الكافرين.
قوله: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قَالَ الْبُغَوِيُّ ﵀: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ): استدل المصنف أيضًا بهذه الآية على الهجرة. فالله تعالى ناداهم باسم الإيمان، قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، هذا يُفهم بأن من شرط الإيمان أن يهاجر الإنسان من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وأن هذا مقتضى العبودية ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.
والبغوي إمام مفسر مشهور، وتفسيره جرى -ولله الحمد- على التفسير بالمأثور، فهو من تفاسير أهل السنة، ولعل الشيخ نقل كلام البغوي بمعناه لا بحروفه؛ فإن الذي في التفسير غير مطابق لهذا اللفظ، فكأن الشيخ ﵀ نقله بمعناه.
قوله: (وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: (لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) (^١):
_________________
(١) أخرجه أبو داود رقم (٢٤٧٩)، من حديث معاوية، ﵁، وصححه الألباني في الإرواء (١٢٠٨). وقال محققو مسند أحمد ط الرسالة: حسن لغيره (٢٨/ ١١١).
[ ١٨٤ ]
الحديث يدل على أن أمر الهجرة باق إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وعلق التوبة بطلوع الشمس من مغربها؛ لأنه بعد طلوع الشمس من مغربها يوصد باب التوبة؛ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فإذا طلعت الشمس من مغربها فلا توبة، وإذا غرغرت الروح في الحلقوم فلا توبة.
[ ١٨٥ ]
•قال المؤلف ﵀:
(فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ - صَلاة اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ - وَدِينُهُ بَاقٍ).
قوله: (فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ): ما استقر نبينا ﷺ بالمدينة، وأوى إليه أصحابه؛ صارت شرائع الإسلام تترى وتتوالى؛ لأن البيئة صارت مناسبة لإقامة بقية أركان الدين.
قوله: (مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ): فشُرعت الزكاة، وشُرع الصوم، وقد تقدم معنا أن الصلاة قد شُرعت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد كانت مشروعية الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة، ولكن الزكاة كأمر عام قد نزلت فيها آيات في مكة: كقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]، لكن تفاصيلها بأنصبائها وشروطها وغير ذلك إنما حصلت في المدينة؛ فلذلك كان النبي ﷺ يبعث السُعاة؛ ليقبضوا الزكوات من بهيمة الأنعام ومن الخارج من الأرض من الحبوب والثمار وفق مقادير معينة جاء تفصيلها في المدينة، وأما الصوم فإنما فُرض في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي ﷺ تسع رمضانات إجماعًا، وقد كان الجهاد متدرجًا، فلم يفرض الجهاد دفعة واحدة، وإنما كان في بداية الأمر قد أُذن لهم في دفع الصائل وقتال الذين يقاتلونهم، ثم بعد ذلك توسع الأمر حتى نزلت آية السيف؛ فكانت إيذانًا بالجهاد في سبيل الله وإدخال الناس في دين الله
[ ١٨٦ ]
حتى تكون كلمة الله هي العليا، ومعنى أن تكون كلمة الله هي العليا: أن تكون الهيمنة والقوة ونفاذ الكلمة لسلطان المسلمين، وتكون الأمور العامة بيد المسلمين، فمن أبى الإسلام وارتضى أن يدخل في عقد المسلمين؛ فإنه يبذل لهم الجزية.
وكذلك الآذان فإنه فرض في أول الإسلام في السنة الأولى (^١)، وقيل: في السنة الثانية، فكان الآذان من أعظم شرائع الإسلام الظاهرة؛ لأنه يدل دلالة واضحة على هوية هذا المجتمع، فإذا دخل وقت الصلاة ولعلعت المآذن بهذا الصوت الندي، عُلم أن هذا البلد بلد إسلام.
ولو تواطأ أهل بلدة على ترك الآذان لقاتلهم الإمام على ترك هذه الشعيرة، كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه من أعظم الشرائع، ومن أعظم خصائص هذه الأمة قال ربنا ﷿: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني: إشاعة الحق وإبطال الباطل، وتلك رسالة هذه الأمة؛ إشاعة القيم والمعاني الصحيحة الصائبة، وإفشاء العلم النافع والعمل الصالح، ومقاومة البدع والخرافات والمعاصي والمنكرات، وهذا إنكار المنكر، فهما خطان متوازيان؛ الأمر بالمعروف من جهة البناء والتشييد، والنهي عن المنكر من جهة الصيانة والحفظ، وذلك من أخص خصائص الأمة المحمدية.
قوله: (أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ): يالها من عشر! عشر سنوات
_________________
(١) المجموع شرح المهذب (٣/ ٧٧).
[ ١٨٧ ]
مملوءة بالعلم والجهاد والتعليم! ولو تأملت في حال عامة الخلق تمر بهم عقود السنين ولا يأتون بطائل ولا شيئا ذا بال يستحق أن يُذكر، أما العشر سنوات التي أمضاها النبي ﷺ في المدينة، فكم تضمنت من غزوة، وسرية، وخطبة، وتعليم، وأحداث عظام؛ ببركة عمره ﷺ ونبوته.