الدهرية، والدهرية ملاحدة يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٤]. قال قائلهم: "أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر" هذه مقالة الدهرية.
وقريب من هذه المقالة مقالة القائلين بتناسخ الأرواح، وهم أمم ممن يسكن شرق الكرة الأرضية من الهندوس، والبوذيين، ومن على شاكلتهم، يعتقدون عقيدةً باطلةً يقال لها تناسخ الأرواح، يزعمون أن الإنسان إذا مات ارتفعت روحه ثم انتسخت في جسد آخر، فإن كان في الدورة الأولى قد سلك سلوكًا حسنًا وعمل عملًا حسنًا، فإن روحه تنتسخ في بدن أرقى من البدن الذي كان فيه، وإن كان عمله في الدورة الأولى سيئًا ومشينًا؛ فإنه يعاقب بأن تنتسخ روحه في بدن أحقر من البدن الذي كان فيه، فتنتسخ في جسد صرصار أو حشرة أو غير ذلك، وتظل الدنيا تدور على هذا، لا نهاية لها.
الفلاسفة، فإن الفلاسفة ينكرون البعث الجسماني، ولا يعتقدون بوجود البعث، ويقولون بقدم العالم وخلوده.
الباطنية: الذين يزعمون ليس ثَمَّ بعث ولا نشور، وأن الأنبياء لم يُرسلوا من عند الله، وإنما هم قوم أذكياء، خاطبوا الناس لكي يحملوهم على الاستقامة والسلوك الحسن، فقالوا: إن لكم ربًا جبارًا قهارًا فعالًا … إلخ، وأنه قد جعل يومًا آخِر، يجازى فيه المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، وليس هناك شيء من ذلك البتة، إنما هي مجرد دعوى، ومنهم (القرامطة) الرافضة.
ولأجل ذا، كان الإيمان بالبعث من أصول الإيمان، في جميع الشرائع لا يمكن أن توجد شريعة من عند الله إلا والإيمان بالبعث،
[ ٢١٠ ]
والإيمان باليوم الآخر، من آصل أركانها: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢]. هذه الثلاث هي أصول الدين في جميع الشرائع: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح.
وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر. من شواهد ذلك قول الله تعالى:
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
فالإيمان باليوم الآخر من أصول الإيمان العظيمة التي تنضبط بها الأحوال والأعمال والسلوك والأخلاق وسائر الأمور، ولا يمكن أن يتصور إيمان بدون الإيمان باليوم الآخر؛ ولأجل ذا كان من كذب بالبعث كافرًا.
وقد تنوعت دِلالة الكتاب والسنة على إثبات البعث بأنواع الأدلة، منها:
هذا الدليل النقلي وما شابهه، من نصوص الكتاب والسنة التي تبلغ مبلغ التواتر، فكتاب الله، لا سيما القرآن المكي، مليء بالآيات الدالة على إثبات البعث؛ ويكفي أن تقرؤوا جزء (عم)؛ لتروا كيف أعاد الله تعالى وأبدى في إثبات اليوم الآخر: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤]، ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، فالقرآن المكي مليء بالأدلة الدالة على إثبات البعث، وكذا السنة النبوية.
[ ٢١١ ]
الدليل العقلي: فإن العقل أيضًا يدل على إثبات وإمكانية البعث؛ كما قال ﷿: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. فالذي ابتدأ الخلق قادر على إعادته، فممَّ تعجبون أيها المنكرون!.
ولما جاء أبي بن خلف وهو من زعماء المشركين إلى نبينا ﷺ بعظم رميم وفتَّه أمامه وقال: يا محمد، أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن صار رميمًا؟ قال: نعم، ويبعثك ويدخلك النار، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] (^١).
النظر الصحيح: إذ أن كل عاقل يأبى أن يقبل أن يُنشئ الله الخليقة، ويرزق الله الناس ويطعمهم ويسقيهم ويأمرهم وينهاهم ثم ينتهي الأمر بلا بعث.
قد أخبرنا سبحانه بأنه خلق السماوات والأرض بالحق، ألسنا نرى الظالم يموت ظالمًا؟ والمظلوم يموت مظلومًا؟ ألسنا نرى المحسن يموت محسنًا؟ والمسيء يموت مسيئًا؟ فأين الحق؟، ثَمَّ فصل آخر، ثَمَّ تتمة؛ حتى يرد الحق إلى نصابه، ويجازى الظالم بظلمه، والمظلوم عن مظلمته، والمحسن على إحسانه، والمسيء بإساءته، النظر يقتضي بأنه لا بد من يوم آخر تعاد الأمور فيه إلى نصابها.
الدليل الحسي: والمقصود به: الأدلة المشاهدة المدركة بالحواس: كالسمع والبصر، فقد قامت أدلة حسية على إثبات البعث، فقد ذكر الله تعالى في سورة البقرة خمس أدلة حسية على إثبات البعث:
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٠/ ٥٥٤) ط الرسالة.
[ ٢١٢ ]
المثال الأول: بنو إسرائيل حينما قالوا: أرنا الله جهرًا. فأخذتهم الصاعقة وماتوا، قال الله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥، ٥٦].
المثال الثاني: قصة البقرة، وهو أن رجلًا من بني إسرائيل قُتل، واختلف في قاتله، فاحتكم بنو إسرائيل إلى موسى بن عمران، فأمرهم أن يذبحوا بقرةً ثم اختلفوا في صفة البقرة إلى أن وقعوا على البقرة بالمواصفات التي ذكرها لهم موسى ﵇: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣]. فضربوه بجزء من هذه البقرة، فقام ذلك الميت من موتته، وقال له موسى: من قتلك؟ قال: ابن أخي. وكان ابن أخيه قد قتله ليأخذ ميراثه.
المثال الثالث: القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، فروا من بلدتهم خوفًا من شيء معين، يخشون الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم مرةً أخرى.
المثال الرابع: قوله ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، الطعام والشراب الذي هو عرضة للخراب والفساد والتعفن بسرعة، أبقاه الله تعالى على حاله، ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. الحمار الذي هو أقوى بنية، جعله الله تعالى عظامًا بيضاء تلوح، قال: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]: فإذا بالرجل يبصر حماره الذي كان رضامًا من عظام، إذا بهذه العظام يتراكب بعضها على
[ ٢١٣ ]
بعض، وإذا باللحم يكسوها، وإذا بها تنتهي إلى حمار ينهق، عجبًا! ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
المثال الخامس: قوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وفي هذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن منه ما هو أزيد من بعض حتى في التصديق، ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]. يعني قطع هذا الطير، واجعل على هذا الجبل جزءًا، وعلى هذا الجبل جزءًا، وذاك جزءًا، وذاك جزءًا، وهكذا في كل واحد من هذه الطيور، قال: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فدعاهن، فالتأمت أجزاؤهن، وأتين يخفقن ويسعين نحو إبراهيم، ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وبالإضافة إلى هذه الأدلة:
ما جرى لأصحاب الكهف الذين ناموا ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم الله ﷿، وما أجراه الله تعالى على يدي عيسى ﵇ إذ كان يحيي الموتى بإذن الله.
هذه كلها أدلة حسية تدل على إمكان البعث.
وبالجملة فإن من تأمل في الأدلة؛ أيقن يقينًا لا شك فيه أنه لا بد من البعث، فقد تواترت على إثبات البعث وإمكانه، فيجب علينا أن نعتني بهذا الجانب؛ فإن إيمان المؤمنين بالبعث يتفاوت: بعض الناس إيمانه بالبعث إيمان يقظ إيمان حي، كلما هَمَّ أن يُقدم على عمل قام وازع الله في قلبه؛ فقال: احذر! أمامك يوم آخر، أمامك بعث ونشور؛ فأحجم وأمسك عن معصية الله.
وبعض الناس يتبلد هذا المعنى في قلبه، وكأنها قصص ومرويات
[ ٢١٤ ]
وآثار تحكى! وكأنه ليس معنيًا بها، فإذا أردت يا عبد الله أن تربي نفسك، وأن تعظ نفسك موعظة حسنة، فالله الله أكثر من ذكر اليوم الآخر والموت، لا إلى الحد الذي يُفسد عليك عيشك، فأنت لا تحتاج من مخافة الله إلا إلى القدر الذي يحجزك عن معصية الله؛ فأقم في قلبك من مخافة الله، ومن الاستعداد لليوم الآخر، ما يحجزك عن معصية الله ويحفزك على طاعة الله وحسب.
[ ٢١٥ ]
•قال المؤلف ﵀:
(وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ -يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ).