صفة مناصحة ولاة الأمور المسلمين
إنَّ من خصائص ولاة الأمور المسلمين أنَّ نُصحَهم والإنكار عليهم لا يكون إلَّا أمامهم، فلا يصحُّ شرعًا خلفهم ووراءهم، وقد دلَّ على تقرير هذا الأصل عدة أدلة:
الدليل الأول:
قال أبو رقية تميم بن أوس الداري أن النبي -ﷺ- قال: «الدينُ النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: للهِ ولكتابه ولرسوله ولأئمةِ المسلمين وعامتهم» (^١).
وجه الدلالة: أنه -ﷺ- غايرَ في النصيحة بين ولاة الأمور وبين غيرهم، فدلَّ على أن نُصحَهم يختلف عن غيرهم، وهذا مفهومٌ من صنيع الإمام ابن أبي عاصم في كتابه السُّنة فإنه لما ذكرَ حديثَ الدين النصيحة بوَّبَ بعد ذلك بقوله: «باب كيف نصيحةُ الرَّعية للولاة؟» (^٢)، ثم ذكر حديث «مَنْ كان عندَهُ نصيحةٌ لذي سلطانٍ فلا يُبدِهِ علانية …».
وقرر هذا أيضًا شيخنا العلامة المحقق محمد بن صالح العثيمين -﵀- فقال: «ثم إنَّ الرسول ﵊ فرَّقَ بينهم وبين عامة المسلمين، فقال:
«أئمة المسلمين وعامتهم»، مما يدلُّ على أنَّ النصيحة للأئمة ليست كالنصيحة للعامة؛ لأنه يجبُ عند النصيحة للأئمة أن يُراعيَ الانسان مقامه، بحيث تكون
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٥).
(٢) السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٥٢١).
[ ٥٠ ]
النصيحة مناسبةً لمقامه، وهذا من تنزيل الناس منازلهم ومن الحكمة» (^١)، وقد بينتُ هذه الطريقة من خلال الأدلة الآتية.
الدليل الثاني:
قال عياض بن غنم -﵁-: «قال النبي -ﷺ-: «من أراد أن ينصحَ لسلطانٍ بأمرٍ، فلا يُبْدِ له علانيةً، ولكن ليأخذْ بيده، فيخلو به، فإن قبلَ منه فذاك، وإلَّا كان قد أدَّى الذي عليه له» (^٢)، حسَّنَ الحديثَ العلامة الألباني (^٣)، وسمعت العلامة ابن باز يجوِّده.
الدليل الثالث:
قال سعيد بن جبير: «قلتُ لابن عباس: آمرُ إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيتَ أن يقتلكَ فلا، فإن كنتَ ولا بدَّ فاعلًا، ففيما بينكَ وبينه، ولا تغتبْ إمامَكَ» (^٤).
الدليل الرابع:
قال أبو وائل: «قيل لأسامة بن زيد: لو أتيتَ عثمان فكلَّمته، قال: إنكم لتُرَوْنَ أنيِّ لا أكلِّمه إلَّا أُسمعكم، إني أكلِّمه في السِّر، دون أن أفتحَ بابًا لا أكونُ أوَّلَ مَنْ فتحَه» (^٥).
_________________
(١) شرح بلوغ المرام (١٥/ ٤١١).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٣).
(٣) السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٥٢٢).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور (٨٤٦)، وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه البخاري (٣٢٦٧) ومسلم (٢٩٨٩).
[ ٥١ ]