مقاصد نصب الأئمة
مشروعية الولاية والإمامة؛ لأجل إقامة الدين وإصلاح الدنيا، وشرعيتها من باب الوسائل.
قال الماوردي: «الإمامة موضوعةٌ لخلافة النبوة في حراسةِ الدين وسياسةِ الدنيا» (^١).
وقال الطيبي: «إن الراعي ليس مطلوبًا لذاته، وإنما أُقيم لحفظِ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلَّا بما أَذِنَ الشارع فيه» (^٢).
وقال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]:
«الإمام إنما نصب لدفعِ العدو وحماية البيضة وسدِّ الخلل، واستخراجِ الحقوق وإقامةِ الحدودِ، وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمقصود الواجبُ بالولايات: إصلاحُ دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاحُ ما لا يقومُ الدينُ إلَّا به من أمرِ دنياهم» (^٣).
_________________
(١) الأحكام السلطانية (ص: ١٥).
(٢) عمدة القاري (٢٤/ ٢٢١).
(٣) السياسة الشرعية (ص: ٢١).
[ ٢٧ ]
وقال أيضًا: «وولي الأمر إنَّما نُصِّبَ ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يُمكِّن من المنكر بمالٍ يأخذه، كان قد أتى بضدِّ المقصود، مثل مَنْ نصَّبتُه ليُعينكَ على عدوك، فأعان عدوك عليك، وبمنزلة من أخذ مالًا ليجاهد به في سبيل الله، فقاتل به المسلمين، يوضح ذلك أن صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾» (^١).
وقال الإمام ابن القيم: «وجميع الولايات الإسلامية مقصودُها الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر» (^٢).
وقال الشوكاني: «والحاصلُ أن الغرض المقصود للشارع من نصب الأئمة هو أمران: أوَّلهما وأهمهما إقامة منار الدين، وتثبيت العباد على صراطه المستقيم، ودفعهم عن مخالفته والوقوع في مناهيه طوعًا وكرهًا.
وثانيهما تدبير المسلمين في جَلْب مصالحهم، ودفع المفاسد عنهم، وقسمة أموال الله فيهم، وأخذِها ممن هي عليه وردِّها، فيمن هي له وتجنيد الجنود، وإعداد العدة لدفع مَنْ أراد أن يسعى في الأرض فسادًا من بُغاة المسلمين وأهل الجسارة منهم = من التسلط على ضعفاء الرعية، ونهب أموالهم، وهتكِ حرمتهم، وقطعِ سُبلهم، ثم القيام في وجه عدوهم من الطوائف الكفرية إن قصدوا ديارَ الإسلام
_________________
(١) السياسة الشرعية (ص: ٥٨).
(٢) الطرق الحكمية (ص: ١٩٩).
[ ٢٨ ]
وغزوهم إلى ديار الكفر إن أطاقَ المسلمون ذلك، ووجدوا من العدد والعدة ما يقوم به، فهذا هو موضوع الإمام الذي وردَ الشرعُ بنصبه» (^١).
وقال أيضًا: «المقصود بالولاية العامة هو تدبيرُ أمور الناس على العموم والخصوص، وإجراء الأمور مجاريها، ووضعها مواضعها، وهذا لا يتيسر ممن في حواسِّه خلل؛ لأنها تقتضي نقصَ التدبير إمَّا مطلقًا، أو بالنسبة إلى تلك الحاسَّة.
وأما سلامة الأطراف فلا وجه لاشتراطها، فإنَّ الأعرجَ والأشلَّ لا ينقصُ من تدبيره شيء، ويقوم بما يقوم به من ليس كذلك، ومعلومٌ أنه لا يراد من مثل الإمام السِّباق على الأقدام ولا ضربُ الصَّولجان ولا حملُ الأثقال» (^٢).
_________________
(١) السيل الجرار (١/ ٦٤٦).
(٢) السيل الجرار (١/ ٩٣٧).
[ ٢٩ ]