أهل السنة والجماعة يقرِّرون حُرمة الخروج على الحاكم الفاسق الظالم أو المبتدع ما دام مسلمًا، ويوجبون له السمع والطاعة في غير معصية الله، ويدلُّ لهذا الأصل عدة أدلة:
الدليل الأول:
مقتضى الأدلة الدالة على وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم وحُرمة الخروج عليه، ولم تفرِّق الأدلة بين العادل والفاسق والظالم والمبتدع، ولو كان هناك فرقٌ لبيَّنتهُ الشريعة، فإنَّ الأصل بقاءُ العامِّ على عمومه، وإليك بعض هذه الأدلة:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
وجه الدلالة: أن كلمة ﴿أُولِي﴾ نكرة أُضيفَت إلى معرفة، فأفادت العموم في كلِّ حاكمٍ بما أنه مسلم.
٢ - وعن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسولَ الله -ﷺ- على السَّمع والطاعة في المنشَط والمكرَه، وعُسرنا ويُسرنا وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمر أهله، فقال رسول الله -ﷺ-: «إلَّا أن تروا كُفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» (^١).
ومحلُّ الشاهد: قوله -ﷺ-: «وأن لا ننازعَ الأمرَ أهلَه، إلَّا أن تروا كُفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩).
[ ٣٥ ]
وقد أفاد العموم من جهتين:
الجهة الأولى: (أهله) لفظ عام، وذلك أنَّ لفظ (أهل) نكرة مضافة إلى معرفة، وهو الضمير، فأفادت العمومَ في كلِّ حاكمٍ مسلم.
الجهة الثانية: الاستثناء في قوله: «إلَّا أن تروا …» والاستثناء معيار العموم، فيفيد أنه عامٌّ في كلِّ حاكم، إلَّا أن يكون كافرًا كفرًا ظاهرًا.
٣ - قال علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه: «سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسولَ الله -ﷺ- فقال: يا نبيَّ الله؛ أرأيتَ إن قامت علينا أمراء يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا فما تأمرنا؟ فأعرضَ عنه، ثم سأله، فأعرضَ عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذَبهُ الأشعثُ بن قيس وقال: «اسمَعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكُم ما حُمِّلتم» (^١).
وجه الدلالة: أن قوله: «إنْ قامت علينا أمراء» لفظ «أمراء» نكرة في سياق الشرط، فيفيد العموم لكلِّ أمير، ويدخل في هذا العموم أن يكون الأمير فاسقًا وظالمًا، لا سيما وأنه قال في الحديث: «ويمنعونا حقَّنا».
٤ - قال عوف بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «أَلَا من وَليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصيةِ الله فلْيكرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدًا من طاعة» (^٢).
وجه الدلالة: (وال) نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم لكلِّ والٍ، ثم نهى عن أي منازعة في قوله: «يدًا من طاعة»، و(يدًا) عامة؛ لأنها نكرة في سياق النهي.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٤٦).
(٢) صحيح مسلم (١٨٥٥).
[ ٣٦ ]
الدليل الثاني:
أن الأدلة أمرت بالسمع والطاعة مع وجود المعصية عند الحاكم.
والفرقُ بين هذا الدليل والذي قبله: أنَّ هذا الدليل أخَصُّ؛ فقد نصَّ على السمع والطاعة مع ذكره للمعصية، كمثل حديث عبادة المتقدِّم، فقد استثنى أن يُرى منه الكفر البواح، فدلَّ على أنه إذا وقعت منه المعاصي الكبائر والصغائر يُسمَعُ ويُطاع له؛ لأنها ليست كفرًا، ومثله حديث سلمة بن يزيد الجعفي المتقدِّم، فقد نصَّ على السمع والطاعة مع وجود الظلم منهم، ومثله حديث عوف بن مالك المتقدم، فقد نصَّ على السمع والطاعة مع وجود المعصية منهم.
الدليل الثالث:
الأدلة التي أمرت بالصبر على ظُلم الحاكم وجَوره، مع أنه بظُلمه صار حاكمًا ظالمًا فاسقًا، من هذه الأدلة ما أخرجه الشيخان عن عبدالله بن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنكم سَتلقَون بعديْ أَثَرة، وأمورًا تنكرونها»، قالوا: فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم وتسألونَ الله الذي لكم» (^١).
وقال في حديث أسيد -﵁-: «فاصبروا حتى تلقَوني على الحوض» (^٢).
ومنها ما أخرج الشيخان عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ رأى من أميرهِ شيئًا يكرهُه، فليصبرْ عليه، فإنه مَنْ فارقَ الجماعة شبرًا، فماتَ إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٠٣)، ومسلم (١٨٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥).
(٣) أخرجه البخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩).
[ ٣٧ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي الصحيحين عن ابن مسعود -﵁- قال: قال لنا رسول الله: «إنكم سترونَ بعدي أثرةً وأمورًا تنكرونها»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم وتسألونَ الله الذي لكم» (^١)، فقد أخبر النبي -ﷺ- أنَّ الأمراء يظلمون، ويفعلون أمورًا منكَرة، ومع هذا فأمرَنا أن نؤتيَهُم الحقَّ الذي لهم، ونسأل الله الحقَّ الذي لنا.
ولم يأذنْ في أخذِ الحقِّ بالقتال، ولم يرخِّص في تركِ الحقِّ الذي لهم.
وفي الصحيحين عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ رأى من أميرهِ شيئًا يكرههُ فليصبرْ عليه فإنَّه مَنْ فارقَ الجماعةَ شبرًا فماتَ إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية»، وفي لفظ: «فإنَّه مَنْ خرجَ من السلطان شبرًا فماتَ ماتَ ميتةً جاهلية» واللفظ للبخاري، وقد تقدَّم قوله -ﷺ- لما ذكر أنهم لا يهتدون بهديهِ، ولا يستنُّونَ بسُنَّته، قال حذيفة: كيف أصنعُ يا رسولَ الله إنْ أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمعُ وتطيعُ للأمير، وإنْ ضربَ ظهركَ، وأخذَ مالكَ فاسمَعْ وأطِعْ» (^٢).
فهذا أمرٌ بالطاعة مع ظُلمِ الأمير، وتقدَّم قوله -ﷺ-: «مَنْ وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فلْيكرَهْ ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يدًا عن
طاعة» (^٣)، وهذا نهيٌّ عن الخروج عن السلطان، وإن عصى، وتقدَّم حديث عبادة: «بايعنا رسولَ الله -ﷺ- على السَّمعِ والطاعة، في منشَطنا ومكرَهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثرَةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمرَ أهله»، قال: «إلَّا إن تروا كفرًا بواحًا عندكم من
_________________
(١) سبق تخريجه (ص: ٣٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٤٧).
(٣) سبق تخريجه (ص: ٣٦).
[ ٣٨ ]