أن الصحابة مُجمعون على عدم صحة الولاية للمتغلب، واستدلُّوا على ذلك بأن أبا بكر قال للصحابة: أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألَوتُ من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني استخلفتُ عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. قالوا: سمعنا وأطعنا. وفي رواية: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. وقال بعضهم: قد علمنا به. فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا.
[ ١٣١ ]
والجواب على هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الأثر ضعيف، فقد أخرجه الخلال (^١)، وابن جرير (^٢)، من طريق أبي السفر عن أبي بكر، ولم تثبت روايته عنه، بل ذكر ابن معين (^٣) أنه لم يسمع عليًّا، فأبو بكر من باب أولى.
أما الرواية الثانية فقد أخرجها ابن سعد من طريقين ضعيفين - لا يقوي بعضُهما بعضًا لشدة الضعف: أما الطريق الأولى ففيها الواقدي - وهو متروك كما قاله البخاري - وفيها أبو بكر بن أبي سبرة - وهو يضع الحديث كما قاله ابن عدي -.
أما الطريق الثانية ففيها أكثر من علَّة - وهو عدم سماع عبد الله البهي من أبي بكر - لأنه لم يسمع من عائشة كما قاله أحمد - ثم إنَّ في البهي ضعفًا حتى قال أبو حاتم مضطرب الحديث (^٤) وفي الأثر علل أخرى (^٥) - فكيف يُنفى الخلافُ بين الصحابة اعتمادًا على أثرٍ ضعيف ثم تُترك الآثار الصحيحة عن الصحابة في تصحيح ولاية المتغلب؟!
الوجه الثاني: لا دلالة في هذا الأثر - لو صحَّ - لأن كلام أبي بكر عن حال الولاية بالاختيار، وقد تقدم أن للولاية طرقًا منها الغلبة، فما دلَّ على الاختيار لا
_________________
(١) السنة للخلال (١/ ٢٧٦).
(٢) تاريخ الطبري (٣/ ٤٢٨).
(٣) تاريخ ابن معين (٢/ ١٩٥) برواية الدّوري.
(٤) انظر ما تقدم (ص: ١٢٠).
(٥) منها أني لم أجد ترجمة لعمرو بن عبد الله بن عنبسة.
[ ١٣٢ ]
ينفي ما دلَّ على الغلبة، والواجبُ العمل بالأدلة كلِّها وألَّا يُضرَبَ بعضُها ببعض، فقد صحَّحت الشريعة الولاية بالاختيار - وهو الأصل، وصحَّحت الولاية بالتغلُّب، كما دلت على ذلك الأدلة وأقوال الصحابة وإجماع أهل السنة - كما تقدم (^١) -.
الوجه الثالث: ليس في كلام أبي بكر هذا عدم صحة الولاية مطلقًا إلَّا بالرضا حتى يستفاد منه عدم صحَّة ولاية المتولِّي بالقهر والغلبة، وغاية ما في هذا الأثر - لو صحَّ - أنه طلبَ رضاهُم ففِعلُه لهذه الطريقة لا يمنع غيرها.
الوجه الرابع: إنه لو صحَّ عن أبي بكر، فإنَّ حكاية نفي الخلاف بين الصحابة تهوُّر واستهانة بالعقول، وذلك أن ابن عمر صحَّح ولاية المتغلب - كما تقدم (^٢) -، فأقل ما يقال - لو صحَّ الأثر روايةً وصحَّ الاستدلالُ به درايةً -: إنَّ في صحَّة ولاية المتغلِّب قولين للصحابة، مع أنه تقدَّم أنَّ العلماء مُجمعونَ على صحَّة ولاية المتغلب.