أن حديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ فهو شهيد» (^٣)، عامٌ في مقاتلة السلطان وغيره، فيقاتَلُ السلطان إذا أرادَ أخذَ المال كما يُقاتَلُ غيره؛ وممن قرَّر هذا ابنُ حزم فقال بعد ذكر حديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ …»: «وهذا أبو بكر الصديق، وعبد الله بن عمرو -﵄- يرَيان السلطان في ذلك وغيرَ السلطان سواء» (^٤).
_________________
(١) تقدم (ص: ١٨٨).
(٢) تقدم (ص: ٥٠).
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١) من حديث عبدالله بن عمرو -﵄-.
(٤) المحلى بالآثار (١٢/ ٢٨٥).
[ ٢١٠ ]
وقبل كشف هذه الشبهة فالمرادُ بأثرِ أبي بكر هو كتابه الذي كتبه في الزكاة
- كما ذكره ابن حزم - ووجه الشاهد منه قول أبي بكر: «فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فلْيُعطِها، ومن سُئلَ فوقها فلا يُعطَ» (^١).
والمراد بأثر عبد الله بن عمرو؛ ما أخرجه عبد الرزاق (^٢) أن معاوية أرسل إلى عاملٍ له أن يأخذ الوهط، فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو؛ فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته وقال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد». فكتب الأمير إلى معاوية أن قد تيسر للقتال، وقال إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من قُتل دون ماله فهو شهيد». فكتب معاوية:
«أن خل بينه وبين ماله».
ووجهُ الدلالة منه أنَّ عبد الله بن عمرو عملَ بعمومه في عامل السلطان.
وبعد أن تبيَّن مُراد ابن حزم بأثر أبي بكر وأثر عبد الله بن عمرو فأبدأ
- بحول الله - بكشف شبهة الاستدلال بأثر عبد الله بن عمرو؛ لأنه أكثر إشكالًا، ثم بأثر أبي بكر.
وكشف الاستدلال بأثر عبد الله بن عمرو من أوجه:
الوجه الأول: أن هذا الأثرمخالفٌ للأدلة العامة والخاصة الآمرة بالصبر على جَور الحاكم وظُلمه، والتي أجمعَ عليها أهل السنة، فهذه مقدمة على فهم عبد الله ابن عمرو.
_________________
(١) أخرجة البخاري (١٤٥٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ١١٥).
[ ٢١١ ]
الوجه الثاني: أن هذا الأثر مخالفٌ لأثر عمر.
قال سويد بن غفلة: «قال لي عمر: يا أبا أمية؛ إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَعْ وأطِع وإنْ أمِّر عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إنْ ضربكَ فاصبر، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعة ودمي دون ديني، فلا تفارق الجماعة» (^١)، والفاروقُ خليفة راشد، فقولُه مقدَّم على غيره من غير الخلفاء الراشدين كعبد الله بن عمرو.
الوجه الثالث: أن قول عمر بن الخطاب مقدَّم - أيضًا - على قول عبد الله بن عمرو بن العاص للأدلة الكثيرة العامة والخاصة في الصبر على جَور الحاكم فهي مخصِّصة لحديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ فهو شهيد» فأَخرجت الحاكم من عمومه.
الوجه الرابع: أن العلماء مجمعون على عدم دخول الحاكم في حديث «مَنْ قُتل دونَ ماله …».
فقد ثبتَ عن ابنِ سيرين أنه قال في الخوارج: «ما علمتُ أحدًا كان يتحرَّجُ من قتلِ هؤلاء تأثُّمًا ولا من قتلِ من أراد مالك إلَّا السلطان؛ فإنَّ للسلطان لحقًّا» (^٢).
وقال ابن المنذر: «والذي عليه أهلُ العلم أنَّ للرجل أن يدفع عمَّا ذكر إذا أُريد ظلمًا بغير تفصيل، إلَّا أنَّ كلَّ من يُحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصَّبر على جَوره، وترك القيام عليه» (^٣).
_________________
(١) تقدم (ص: ١٥٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ١١٩).
(٣) نقله ابن حجر في فتح الباري (٥/ ١٢٤)، شرح ابن بطال (٦/ ٦٠٨) مختصرًا، وهو في الإشراف كما تقدم.
[ ٢١٢ ]
فهذا الإجماع يُبين خطأ عبد الله بن عمرو لمَّا عمَّم حديث: «من قُتل دون ماله فهو شهيد». فإن الإجماع إذا انعقدَ بعد خلافٍ كشف القولَ الراجح من المرجوح.
فكيف يفزعُ منصفٌ لأثر عن صحابي واحد يخالف نصوصًا كثيرة خاصة وعامة، ويخالف فتاوى صحابة أخرين وإجماعات!!
أما الجوابُ على قول أبي بكر: «فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليُعطِها، ومن سُئل فوقَها فلا يُعط»، فمن وجهين:
الوجه الأول: أنه لا إشكال في قول أبي بكر هذا لأنه في عدم إعطاء ما زادَ على الزكاة اختيارًا بغير حقٍّ للحاكم، وذلك عند سؤاله لما زاد من الزكاة، وليس في قوله -﵁- ردُّ الحاكم بالقوة أو مقاتلتُه إذا أرادَ الزائد من الزكاة بالقوة، فإذًا لا وجه لإيراد ابن حزم له في هذا الصَّدد.
قال ابن حجر: «أي من سُئل زائدًا على ذلك في سنٍّ أو عددٍ فله المنع؛ ونقل الرافعي الاتفاقَ على ترجيحه؛ وقيل معناه فليمنع الساعي وليتولَّ هو إخراجَهُ بنفسه أو بساعٍ آخر، فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعديًا، وشرطُه أن يكون أمينًا، لكنْ محلُّ هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل» (^١).
الوجه الثاني: ليكن قوله - جدلًا - دالًّا على مقاتلة مَنْ أراد ما زادَ على الزكاة، فإنَّ قوله هذا عامٌّ والحاكمُ مخصوصٌ من هذا العام لسببين:
السبب الأول: الأدلة الخاصة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم.
السبب الثاني: إجماعاتُ أهل السُّنة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم.
_________________
(١) فتح الباري (٣/ ٣١٩).
[ ٢١٣ ]