الوجه الرابع: أنَّ هذا إجماعُ أهل العلم، والإجماعُ حجَّة ولا يكون إلَّا حقًّا وما سواه باطل - وتقدَّم حكاية الإجماعات - (^١).
تنبيه:
هذا الشرط يسقط لمن ثبت حكمهُ واستقرَّ بالغلبة بإجماع أهل العلم من أهل السنة، وقد تقدَّم ذِكرُ الإجماعات (^٢).
الشبهة الثالثة عشرة:
«أنه لا يشترط أن يكون الحاكم والسلطان من قريش».
واعتُمد في ذلك على أمور:
الأمر الأول: أنَّ اشتراط القرشية في الإمامة لم يكن معروفًا، ولا معلومًا بين الصحابة، لذا نازع فيها الأنصار في حادثة السقيفة وطلبوها وهم ليسوا من قريش، وأيضًا لم يحتجَّ عليهم أبو بكر وعمر بالأدلة في أن الأمر في قريش.
الأمر الثاني: أنه لا إجماع على شرط القرشية لذا شككَّ في هذا الحافظ ابن حجر؛ لما رُوي عن عمر أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وأيضًا يدلُّ على هذا فعلُ الفقهاء الخارجين في فتنة ابن الأشعث فقد استشكل ابن كثير (^٣) كيف بايع فقهاءُ العراق وخيارُ التابعين فيها ابنَ الأشعث ولم يكن من قريشٍ بل من كندة؟ وفيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وكثير من قريش!
_________________
(١) تقدم (ص: ١١١).
(٢) تقدم (ص: ٦٨).
(٣) البداية والنهاية (٩/ ٥٨).
[ ١١٣ ]
الأمر الثالث: أن النصوص الواردة أشبه بالأخبار منها بالأحكام، كما فهم هذا الأنصار، وقد روى ابن أبي شيبة (^١) عن عائشة قالت: «لو كان زيدٌ حيًّا لاستخلفه رسول الله -ﷺ-»، وزيد بن حارثة لم يكن من قريش، وقد روى أحمد (^٢) من طريق أبي رافع أن عمر قال: «لو أدركني أحدُ رجلين ثم جعلتُ هذا الأمر له لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح»، قال أحمد شاكر:
«إسناده صحيح ورواه أحمد (^٣) من طريق شريح بن عبيد وراشد بن سعد وغيرهما أن عمر قال: فإن أدركَني أجَلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذَ بن جبل»، قال الحافظ: «رجاله ثقات» (^٤) اهـ.
وهو مرسل إلَّا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: لو قدّر أنه لا إجماعَ على هذا الشرط، لكن قد دلَّت الأدلة على ذلك، ولا يشترطُ في العمل بالدليل واعتقاده أن يكون مُجمعًا عليه، فإنَّ الحجَّة في الدليل إذا ثبتَ روايةً ودرايةً؛ قال معاوية قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ هذا الأمرَ في قريشٍ لا يُعاديهم أحدٌ، إلَّا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤١٥).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٠).
(٣) مسند أحمد (١/ ١٨).
(٤) فتح الباري (١٣/ ١١٩).
(٥) سبق تخريجه (ص: ١١٠).
[ ١١٤ ]
وقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقيَ منهم اثنان» (^١).
وقال أبو هريرة: قال رسول الله -ﷺ-: «الناسُ تبَعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبعٌ لمسلمهم، وكافرُهم تبعٌ لكافرهم» (^٢).
الوجه الثاني: أنَّ اعتقاد الإمامة في قريش دون غيرهم مقرَّرٌ في كتب العقائد عند أهل السنة، فهو أمرٌ عقَديٌّ مجمَعٌ عليه عند أهل السنة خلافًا لبعض أهل البدعة. كما تقدم بيانه (^٣).
الوجه الثالث: حكى الإجماع على هذا المعتقد جمعٌ من أهل العلم في غير كتب الاعتقاد.
١ - القاضي عياض قال -﵀-: «هذه الأحاديث - وما في معناها في هذا الباب - حجَّة أنَّ الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحدٌ عنه، وقد عدَّها الناس في مسائل الإجماع؟؛ إذ لم يُؤثَر عن أحدٍ من السلف فيها خلاف، قولًا ولا عملًا قرنًا بعد قرن إلَّا ذلك، وإنكار ما عداه، ولا اعتبارَ بقول النظَّام ومن وافَقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصحُّ في غير قريش.
وذكرَ أشياء ثم قال: وهذا كله هزء من القول ومخالفةٌ لما عليه السلف وجماعة المسلمين» (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه (ص: ١١٠).
(٢) سبق تخريجه (ص: ١١٠).
(٣) تقدم (ص: ١١١).
(٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢١٤).
[ ١١٥ ]
٢ - النووي قال -﵀-: «هذه الأحاديث وأشباهها دليلٌ ظاهر أن الخلافة مختصَّة بقريش لا يجوز عقدُها لأحد من غيرهم؛ وعلى هذا انعقدَ الإجماعُ في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع أو عرَّضَ بخلافٍ من غيرهم فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة والتابعين فمَن بعدهم بالأحاديث الصحيحة» (^١).
٣ - أقرَّ ابن حجر الإجماع فقال بعد أن نقل الإجماع عن القاضي عياض، وذكر ما يوهِمُ نقضَهُ: «فيحتمل أن يقال لعلَّ الإجماع انعقدَ بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغيَّر اجتهادُ عمر في ذلك والله أعلم.
وأمَّا ما احتجَّ به من لم يعيِّن الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابةُ غير القرشي في حياته والله أعلم» (^٢).
٤ - المناوي قال -﵀-: «فلا يصحُّ عقدُ الخلافة لغيرهم؛ وعليه انعقد الإجماعُ في زمن الصحابة ومَن بعدهم، وهو حكم مستمرٌّ إلى آخر الدنيا، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة» (^٣).
وما ذُكر اعتراضًا على هذا الإجماع فهو كالتالي:
الاعتراض الأول: قصة عمر في أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة؛ وهم ليسوا من قريش.
وقد استدلَّ عليه بروايتين عن عمر -﵁-:
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٠٠).
(٢) فتح الباري (١٣/ ١١٩).
(٣) فيض القدير (٦/ ٤٥٠).
[ ١١٦ ]
الرواية الأولى: أخرج أحمد (^١) أن عمر قال: «لو أدرَكني أحدُ رجلَين، ثم جعلتُ هذا الأمر إليه لوثقتُ به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح».
وهذه الرواية لا تصح؛ لأن في الإسناد علي بن زيد بن جدعان؛ ضعَّفه ابن سعد والإمام أحمد وابن معين والرازيان والجوزجاني والنسائي وابن خزيمة وابن عدي والدار قطني وغيرهم (^٢)؛ لذا قال الحافظ في التقريب: «ضعيف».
وقال الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (^٣) عند ذكرهِ لهذه الرواية: «هذا الإسناد على شرط السنن، ولم يخرجوه، وعلي بن زيد بن جدعان له غرائب وإفرادات».
إذا عرف ما تقدَّم ذكرهُ عُرفَ أن قول أحمد شاكر في تخريج المسند: «إسناده صحيح» (^٤)، فيه نظر لما تقدَّم من بيان حال علي بن زيد بن جدعان (^٥).
ثم لو قدّر أن رواية علي بن جدعان صحيحة فإنها مخالفة للأحاديث الأخرى وللإجماع؛ مما يجعلُها من الضعيف الذي أخطأ فيه ابن جدعان؛ لأنه لو قيل بثقة
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٠).
(٢) انظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٣٢٢ - ٣٢٤).
(٣) ص: ٣٨٠.
(٤) تخريج المسند (١/ ٢٢٢).
(٥) وهذا يدلُّ على تساهل أحمد شاكر في التصحيح. وقد بيَّن تساهلَه في التصحيح العلامة عبد العزيز ابن باز فقال: «من تأمَّل حاشية العلامة أحمد شاكر اتَّضحَ له منها تساهلُه في التصحيح لكثيرٍ من الأسانيد التي فيها بعضُ الضعفاء؛ كابن لهيعة وعلي بن زيد بن جدعان وأمثالهما، والله يغفر له ويشكر له سعيه، ويتجاوز له عما زلَّ به قلمهُ أو أخطأ فيه اجتهادهُ إنه سميع قريب». مجموع فتاوى ابن باز (٢٦/ ٢٥٨).
[ ١١٧ ]
علي بن زيد فلا بدَّ أنَّ عنده أوهامًا جعلَتْ جمعًا من الأئمة يتكلمون فيه؛ فيكون هذا من أوهامه.
وأخيرًا قد حملَ ابن قتيبة تولية سالم على تولية إمامة الناس في الصلاة وقتَ الشورى إلى أن يختاروا خليفة. وقد ذكرَ ما يدلُّ على هذا التوجيه (^١).
الرواية الثانية: قول عمر: «فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذ بن جبل» (^٢).
هذا الأثر مما لا يصح أن يُعترضَ به، لأنه لا يصحُّ، وقول الحافظ: «بسند رجاله ثقات» لا يعني أنه صحيح، فإنه لو كان صحيحًا عنده لبين ذلك، ولما اكتفى بقوله: (رجاله ثقات) (^٣)، أما قوله: «وهو مرسل إلَّا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه»، فيقال: إنَّ أكثر هذه المراسيل من
_________________
(١) تأويل مختلف الحديث (ص: ٢٥٢).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٦٣).
(٣) قال العلامة الألباني في مقدمة صحيح الترغيب والترهيب (ص: ٤٤): «إنه قد تبين لي بالتتبع والاستقراء أنه كثيرًا ما يكون في السند الذي قيل فيه (رجاله ثقات) من هو مجهول العين أو العدالة، ليس بثقة إلَّا عند بعض المتساهلين في التوثيق كابن حبان والحاكم وغيرهما». وهذا الأثر جاء مرسلًا من رواية عدة من التابعين، وهؤلاء التابعون شاميون مثل راشد بن سعد وشريح بن عبيد: أخرجه أحمد (١/ ٢٦٣)، وشهر بن حوشب: أخرجه أحمد في الفضائل (١٢٨٧)، وابن سعد في طبقاته (٣/ ٤٤٣)، وجاء من غير مرسل التابعين والشاميين، مثل ثابت بن الحجاج: أخرجه أحمد في الفضائل (١٢٨٥)، وهذا من الجزيرة كما قاله أبو داود في سؤالات الآجري، ومثل أبي العجفاء السلمي البصري: أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٤١٨)، لكن فيه ضعف، قال البخاري: «فيه نظر».
[ ١١٨ ]