استدلَّ بعضُهم بما أخرج ابن شبة (^٣): «أنه قد جاء الأشعث ومعه جماعة من أهل الكوفة إلى عمر يطلبون منه عزلَ سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة، وبطل القادسية، وخال رسول الله -ﷺ-، فعزلَه عمرُ نزولًا عند رغبتهم، مع ثقته بسعد، ثم سألهم فقال: إذا كان الإمام عليكم فجارَ ومنعكُم حقَّكم وأساءَ صحبتكم؛ ما تصنعون به؟ قالوا: إنْ رأينا جَورًا صَبرنا، فقال عمر: لا واللهِ الذي لا إله إلا هو، لا تكونونَ شهداء في الأرض حتى تأخذوهم كأخذِهم إيَّاكم، وتضربوهم في الحقِّ كضربهم إيَّاكم وإلَّا فلا»، فقالوا في هذا جواز الخروج بالسيف على الحاكم الجائر الظالم.
وكشفُ هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: ضعف سند القصة؛ وذلك أنَّ في إسنادها هارون بن عبد الله الحضرمي؛ لم يوثِّقه إلَّا ابن حبان بذكره في الثقات، وهذا لا يُعتبر توثيقًا لأنَّ ابن حبان متساهل جدًّا في المجاهيل. ولم أرَ أحدًا وثَّقه غيرهُ؛ فهو مجهولٌ جهالة حال.
_________________
(١) تقدم (ص: ٣٧).
(٢) تقدم (ص: ٣٩).
(٣) تاريخ المدينة (٣/ ٨١٦).
[ ٢٠١ ]
وفي الإسناد عفيف بن معدي كرب؛ فقد ذهبَ أبو حاتم وابن عبد البر والعجلي وغيرهم إلى أنه ليس صحابيًّا، ومن جعله صحابيًّا لم يأتِ ببيِّنة، وإذا لم يثبت أنه صحابي فهو مجهولٌ جهالة حال، وتوثيقُ العجلي لا يُعتمد عليه؛ لأنه في توثيق المجاهيل من التابعين أكثر تساهلًا من ابن حبان.
كما أفاده المعلمي في كتابه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)؛ إذ قال:
«فابن حبان قد يذكر في (الثقات) من يجد البخاريَّ سمَّاه في (تاريخه) من القدماء وإنْ لم يعرف ما روى وعمَّن روى ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدِّد وربما تعنَّت فيمن وجد في روايته ما استنكر وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا؛ والعجليُّ قريبٌ منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد» (^١).
وقال في الأنوار الكاشفة: «وتوثيقُ العجلي وجدتُه بالاستقراء، كتوثيق ابن حبان أو أوسَعُ» (^٢).
الوجه الثاني: أن هذا الأثر من جهة الدراية مخالف للثابت عن عمر - كما تقدم (^٣) - في نصيحته لسويد بن غفلة قال سويد بن غفلة: «قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا فاسمَعْ وأطِعْ وإن أمرِّ عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إن ضربكَ فاصبر، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعة ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة».
_________________
(١) (١/ ٢٥٥).
(٢) (١/ ٦٨).
(٣) تقدم (ص: ١٥٤).
[ ٢٠٢ ]
الوجه الثالث: أنه مخالف للأدلة المتواترة في الصبر على جَور الحاكم - وقد تقدم ذكرها (^١) -.
الوجه الرابع: أنه مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدم نقله - (^٢).