أن الإمام مالكًا لا يرى البيعة لمتغلِّب؛ لأن للإمام مالك كلامًا في عدم صحة بيعة المكرَه - ولا يثبت عنه، كما سيأتي إن شاء الله (^٣).
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنَّ الإمام مالكًا يرى صحة بيعة المتغلِّب ولو لم يرَ صحة بيعة المكره - تنزُّلًا - وإلَّا لم يصح.
قال الشاطبي: «وما قرره هو أصلُ مذهب مالك: قيل ليحيى بن يحيى:
«البيعة مكروهة؟ قال: لا، قيل له: فإن كانوا أئمة جَور؟ فقال: قد بايعَ ابنُ عمر
_________________
(١) تقدم (ص: ٢٥).
(٢) سيأتي (ص ١٤٦).
(٣) سيأتي عدم صحة نسبة هذا القول لمالك (ص: ٢١٧).
[ ١٢٩ ]
لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك»، أخبرني بذلك مالكٌ عنه أنه كتب إليه وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه، قال يحيى: «والبيعة خيرٌ من الفرقة» (^١).
ويؤيد ذلك أنه أقرَّ لأبي جعفر المنصور والمهدي بالخلافة، وكان يسمِّي كلًّا منهما أمير المؤمنين.
قال الذهبي: «وقال موسى بن داود: سمعت مالكًا يقول: قدم علينا أبو جعفر المنصور سنة خمسين ومائة، فقال: يا مالك! كثُرَ شَيبك! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، من أتتْ عليه السِّنون، كثُر شَيبه، قال: ما لي أراك تعتمد على قول ابن عمر من بين الصحابة؟ قلت: كان آخرَ من بقي عندنا من الصحابة، فاحتاجَ إليه الناس، فسألوه، فتمسَّكوا بقوله» (^٢)، ونعت الإمام مالك المهدي بأمير المؤمنين أيضًا.
قال الذهبي: «قدم المهديُّ المدينة، فبعث إلى مالك، فأتاه، فقال لهارون وموسى: اسمعا منه. فبعث إليه، فلم يُجبهما، فأعلَما المهدي، فكلَّمه، فقال: يا أمير المؤمنين! العلم يُؤتى أهله. فقال: صدقَ مالك، صيرا إليه» (^٣).
الوجه الثاني: أن الإمام مالكًا لو كان يرى عدم صحَّة ولاية المتغلب لبيَّن هذا أئمة السنة، فإنهم قد حكوا إجماعات على صحَّة بيعة المتغلب وثبوت الحكم له كما تقدَّم نقل ذلك.
_________________
(١) الاعتصام (٣/ ٣٣).
(٢) سير أعلام النبلاء (٨/ ١١٢).
(٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٦٣).
[ ١٣٠ ]
إذا تقرَّر هذا فلابد أن يوجَّه كلامُ مالك في عدم صحَّة بيعة المكره على غير ولاية المتغلب، وهذا يتَّضح بما يأتي - إن شاء الله -.
الوجه الثالث: أنَّ من المالكية مَنْ حكى إجماعًا على صحَّة بيعة المتغلب كابن أبي زيد القيرواني وابن بطال، فلو كان مالك مخالفًا لبيَّنوا ذلك.
الوجه الرابع: أن كلَّ صورة يمكن معها إثباتُ بيعة المتغلب مع عدم صحة بيعة المُكرَه يصحُّ أن يُحمل عليها كلام الإمام مالك في عدم صحَّة بيعة المكره
- لو ثبت عنه -، فلو أنَّ مدينةً بين دولتين، وقد استقر الحكم لكلِّ حاكم في هاتين الدولتين، فإنَّ إلزام أحد هذين الحاكمين أحدَ أفراد هذه المدينة بالبيعة وهي ليست تحت حُكمهِ وقهرهِ تكون بيعة مكره، فبهذا يجتمعُ إثبات أنَّ الإمام مالكًا يقول ببيعة المتغلِّب مع عدم صحة بيعة المكره.
وهذا مثالٌ من الأمثلة، وقد توجد أمثلة أخرى مثل أن ينتقل رجلٌ إلى دولة حاكمٍ آخر لطلب رزقٍ أو غير ذلك، فيُلزِمهُ هذا الحاكم ويُكرِهُه على أن يبايعه، وفي عُنقه بيعةٌ للحاكم الأول فمثل هذا لا تصحُّ بيعته له لأنها بيعة مُكره.